[بين الشفاء والحرب]
"التالي"
مع إعلان الحارس ارتجف جسد فرانكو المتعب وهو يحمل ابنته، أراد الركض من أجل تلبية النداء عندما وصل دوره أخيراً بعد انتظار دام خمسة أيام، لكن سرعان ما منعه الحارس، وبابتسامة دافئة طمأنه وطلب منه عدم الركض، فما كان من فرانكو إلا أن أومأ برأسه وبعيون ميتة يملأها الشك والأمل تقدم بسرعة حتى وصل إلى ممر طويل به أبواب على كل جانب، ومن الممكن سماع صوت بكاء خلف كل باب.
لم يكن من الممكن معرفة ما إن كان ذلك بكاء فرح أو حزن، لكن لم تكن لدى فرانكو الطاقة حتى ليفكر في ذلك.
فقط حمل ابنته حيث تم إرشاده، وعندما دخل الباب المفتوح وجد رجلاً بأذني ذئب وذيل يلعب، يرتدي نظارات بعيون كبيرة مع رداء أبيض، وما إن لاحظ فرانكو حتى ابتسم له بدفء كما تدرب وطلب منه وضع ابنته بهدوء على السرير.
"حسناً" استجاب فرانكو وتحرك.
"يبدو عليك الإرهاق، من فضلك فلتجلس".
لم يجب فرانكو، كان يحدق في ميا بهدوء ولم يستجب عقله إلا بعد فترة لينظر إلى الطبيب متسائلاً إن كان قد قال شيئاً، فتنهد الأخير متأسفاً ثم تحرك أولاً لمعرفة المرحلة التي دخلت لها الطفلة.
أملاً ألا تكون قد دخلت المرحلة الثالثة من المرض.
في النهاية وبفضل سرعة ظهور الدواء، كان من النادر تواجد أي حالة في مرحلة متوسطة من المرحلة الثانية من المرض فما فوق، لكن بنظرة واحدة كان من الممكن ملاحظة أن هذه الصغيرة قد دخلت إلى المرحلة الثانية المتوسطة منذ أيام.
وبعد فحص أومأ الطبيب متأكداً أنها لم تدخل مرحلة ثالثة بعد ويبدو أنها لا تزال تحفظ بعض وعيها لذلك لم يكن هناك وقت للتأخير.
تحرك الطبيب بعد فحصها نحو الصندوق وأخذ حاوية حقنة، ثم فتح الدرج وأخرج قنينة أسطوانية صغيرة بها سائل أحمر وأدخلها في الحاوية قبل العودة إلى الطفلة وإطلاق السائل في عروقها.
في اللحظة التي دخل السائل جسد ميا، مر ضوء ذهبي خافت من عروقها وانتشر قبل أن يختفي عند عنقها، فما كان من فرانكو إلا أن يتفاعل بسرعة ويسأل ما إن كانت بخير.
"سوف تكون كذلك"، أجاب الطبيب وهو ينظر إلى يد فرانكو التي ترتجف، فتنهد وتوجه للحصول على قرص قبل أن يصب كأساً من الماء ويحضره إلى فرانكو ليشرح له طبيعة تلك الأقراص وأنه نفسه مصاب في المرحلة الأولى.
لكن حتى بعد الشرح، كان فرانكو ينظر إلى الطبيب ثم إلى ميا متسائلاً لمَ يعطيه هذا الشيء الذي قد تحتاجه فتاة صغيرة أكثر منه.
"تناوله، فإن لم تفعل فلا أستطيع السماح لك بالمغادرة، أما ابنتك فسوف تكون بخير بعد هضم الدواء وتستطيع المغادرة وإعادتها معك إلى المنزل".
"إن كانت بخير فلماذا لا تستيقظ؟" سأل فرانكو أملاً ألا يكون طرف آخر يحاول طرده فقط: "أخبرني أرجوك".
"سوف تحتاج وقتاً حتى تستيقظ وهذا طبيعي، لكن أَبْقِها بعيدة عن الماء في هذه الأثناء"، تنهد الطبيب ومد القرص من جديد: "أرجو منك أن تتعاون معي قليلاً فهناك عدد كبير من المرضى ممن ينتظرون دورهم".
"نعم.." خفت الضوء في عيون فرانكو وهو يسمع ذلك ثم أخذ القرص وتناوله قبل أن يحمل ميا ويغادر بخطوات متثاقلة، متوجهاً إلى باب خلفي لتجنب الازدحام، ومع ذلك وجد نفسه في النهاية عالقاً في ازدحام هناك حيث وقف من يتحقق ما إن كان لذلك الدواء فائدة.
ومن توقف لسبب آخر.
غارقاً في أفكاره بدا العالم مظلماً مع كل خطوة فلم يتمكن فرانكو من سماع أي كلمة حوله حتى اصطدم شخص بكتفه ومر دون اهتمام، فنظر فرانكو إلى الطفلة الصغيرة بين ذراعيه متسائلاً ما ذنبها.
حتى بعد الحصول على ذلك الدواء المزعوم لا يبدو أن هناك شيئاً تغير عليها، فكما أدخلها المبنى هاهو يقوم بإخراجها، وما إن تجاوز الزحام حتى سار في شارع متسائلاً ماذا يفعل الآن؟ فقد بدا الطريق المؤدي إلى المنزل مثل درج يأخذه نحو المشنقة.
ثم وسط هذا العالم المظلم رن صوت عذب أذاب الجليد:
"أبي"
ظناً أنه يتوهم، نظر فرانكو إلى ميا دون وعي، فما إن ارتجفت جفونها لتكشف عن عيونها الزرقاء البريئة حتى توقف فرانكو في مكانه وهو يسمعها تكرر:
"أبي"
"هنا... هنا... أنا هنا"، استجاب فرانكو راجياً أن تجيبه، فما إن كررت النداء حتى تدفقت دموعه وشُلت قدماه ليقع على الأرض يعانقها ويؤكد تواجدها بالقرب منها.
في هذه الأثناء كان العديد من الأشخاص يمرون بنفس الموقف، فكان فايل الذي أُصيبت زوجته، ومارك الذي أُصيب أبناؤه الخمسة ووالدته، يرجون بيأس أن يكون هذا الدواء صادقاً، وبدأت الأيام التالية تكشف عن صدقه.
ولتجنب الفوضى، كانت عواقب كسر النظام صارمة، فمن لم يحترم الصف تم تهديده بالحرمان، فكان الانتظار هو الحل الوحيد في مستشفيات والهيام، كما كان هناك مجموعة انطلقت لتجول في العاصمة بأردية بيضاء من أجل أن تُمیَّز وعثور على من ليس لديهم قدرة على الحركة وليس لديهم من يحضرهم إلى المكان المطلوب لتلقي العلاج.
وكذلك كان الحال في باقي المدن.
خلال هذا الوقت كان راي ينتقل من مدينة إلى أخرى ومن إقطاعية إلى إقطاعية لتوزيع الدواء ووحوش ومساعدين بينما يقضي باقي وقته في التدريب على أساسيات التلاعب بسلاح السلسلة والمنجل.
وبذلك مر أكثر من شهر منذ أن غادر أرض البارون مازون ولم يتمكن من إتقان أساسيات استخدام السلاح الذي شكله ري من أجله.
وبينما يلوح راي بالسلسلة والمنجل في مخزن أعلن ري:
[راي، نحن نغادر الأراضي الشرقية للإمبراطورية وسوف نمر بجانب العاصمة، هل تريد التوقف؟]
"همم؟" استجاب ري وسحب السلسلة ثم أمسك بالمنجل قبل النظر إلى الشاشة متسائلاً: "هل تلقيت أي رد من الظلال بخصوص طلبي؟"
[أجل، قالوا إن هناك من لديه قدرة فريدة على التنقل من بين الأرقام، وما إن ينتهي من تسليم مهامه إلى غيره حتى يكون في انتظارك في الحفرة]
"ماذا عن ألكسندر؟"
[بأمرك، فهو في انتظارك في القلعة]
"إذاً لا حاجة للذهب إلى العاصمة، توجه إلى قلعة جورد".
[أمرك]
زفر راي بهدوء وعاد لانتباهه إلى الخصم الذي لم يكن سوى دمية خشبية تابعة لتلقي الضربات، فأمسك بالسلسلة وبدأ بلف الثقل قبل أن يرميه نحو الهدف وهو غارق في أفكاره.
لقد أخذت هذه الرحلة أكثر من شهر، وخلال هذا الشهر وصلت العديد من الأخبار ورأى حال العديد من المدن التي أصابها الطاعون مما جعله مستغرباً:
كيف تمكن الغربان من موازنة التوقيت لنشر الطاعون في العديد من المدن كما لو كانوا على علم بأنه سوف يتخلى عن دور الدمية؟
هذا جعل الأمر محيراً؛ فهل كان التريث قليلاً ولعب دور الدمية والسيطرة على الأمور ببطء هو الخيار الأمثل؟
لا...
هذا ليس من طبيعته، وفوق ذلك لم يكن الوضع في المستوى الذي قد يسمح بلعب الحيل؛ فمع كل المراقبة التي تحيط به وغياب الخوف من التهديدات واقتراب القمر الأحمر كان الوضع أشبه بنصف خطوة الأخيرة قبل السقوط في الهاوية، حيث إنها مرحلة انتهى فيها وقت الحلول.
ربما الجانب الجيد والسيئ أن العدو يعتقد أنه أوقظ قدرة على إسقاط الوهم، وبذلك تم تزييف وصية الإمبراطور الأول لبيع الكنوز ثم مسألة العنقاء والتنين والهرم المحمول المركب أيضاً، مما يجعل هذا الاعتقاد يكتسب مصداقية ومنطقية.
وفي النهاية اختفاء السفن أكد وجود قدرة على استدعاء الوهم بطريقة ما، وبفضل ذلك لم تكن المراقبة على راي مرفوعة؛ ففي أي أرض يصلها كانت هناك عيون تراقبه، وذلك ساعد الظلال على القبض على العديد من الغربان ومنهم تم الحصول على هذه المعلومات.
مع أن مسألة استخدام الإمبراطور كطعم تركت طعماً غريباً في فم الظلال، إلا أنها ظلت ناجحة، وكان من حسن الحظ أن أكثر من نصف المدن داخل الإمبراطورية لم يصبها الطاعون، فكان البقاء فيها لا يتخطى بضع ساعات حيث يتم ترك اليرقات والمغادرة بعد تأكيد ولاء لورد إقطاعية واستعداده لتنفيذ خطة دفاع وكسب وقت.
لكن حتى بعد شهر لم تكن هناك طريقة للسفر إلى جميع المدن خصوصاً أن الجلوس مع كل مسؤول كان يأخذ وقتاً، لذلك وبعد زيارة الأراضي الأهم داخل الإمبراطورية تقرر ترك باقي الزيارات إلى ري من أجل إعلامهم بالخطة وتسليمه اليرقات لتعزيز دفاع المدن.
قبل ذلك كان اللقاء بألكسندر له أولوية، وحتى مع ذلك ظل تفكير راي يحوم حول فكرة واحدة وهي: هل من الممكن أن تكون هناك طريقة أفضل؟
فحتى الآن وخلال الجولة لا يزال العدو يهاجم ويمزق أراضي الإمبراطورية.
"تسك" عبس راي عندما انحرف مسار المنجل فقام بسحب السلسلة وقف ليمسك بالمنجل قبل نزوله وجلوسه منزعجاً وهو يترك السلاح يسقط من يده.
'فكر، أليست هناك طريقة أفضل من هذه؟'
سأل راي نفسه بينما يقوم بشد شعره بيمينه محاولاً إيجاد أي خطة بديلة وأكثر أماناً لكن لا شيء.
في نفس الوقت، راقب ري الوضع بداخله بهدوء ودون إزعاج أو تدخل، ثم أسرع محلقاً حول الدرع الذي لا يزال يحمي العاصمة متوجهاً نحو قلعة جورد مباشرة.
بعد دقائق، ومع الوصول إلى مجال قلعة جورد، تحول ري متخذاً شكل العنقاء من أجل إعلامهم بالوصول؛ فخلال هذا الشهر كانت الأخبار التي تربط وصول الإمبراطور بظهور العنقاء قد انتشرت من خلال الجرائد والأخبار، وتدريجياً تحول ذلك الفضول إلى ترقب، وما إن نزل ري حتى وجد الجنود والمحاربين في استقباله.
"يبدو أن النظام في القلعة قد تحسن"، خرج راي من المخزن وبدأت العنقاء خلفه تتحول لتتخذ الشكل الطفولي الذي فضل ري البقاء عليه لتجنب التشابه مع مستشار الإمبراطور قبل أن يجيب:
[بعد الانتهاء من ترتيب النظام الداخلي بدأت العديد من الأشياء تتغير، وقريباً سيتم الفصل بين الجنود بعد أن ينتهي تدريبهم]
"هذا يبدو جيداً"، أومأ راي ثم نظر أمامه حيث شعر بحضور شخصية قوية، وما إن رفع رأسه إلى السماء حتى نزل ألكسندر معتذراً على تأخره.
"ألكسندر"، ضاقت عينا راي بينما ترتسم ابتسامة باهتة على وجهه وهو يسأل: "هل ارتقيت؟"
"بفضل رعاية جلالتك".
_______________
نهاية الفصل
_______________