[خطة الدفاع المطلق ج3]
"لندخل أولاً"، أمر راي فأومأ ألكسندر وبدأ يسير على مقربة منه متوجّهَيْن إلى المكتب بينما يكشف عن ذلك سبب ارتقائه:
"بعد الموت في الطابق الثاني لاحظت أن جسدي اختلف عما كان عليه، فقبل ذلك ومع تراكم الإصابات وسنوات الخمول كان جسدي مثقلاً بفعل، ومستواي يتراجع، والباقي جلالتك على علم به".
أومأ راي برأسه عن علم، فأحد أسباب عدم التفريط في ألكسندر ليس مستواه العالي فقط، بل أنه وبعد أن ترك القتال برزت موهبته القيادية، ودون اهتمام بحالة الإمبراطورية ارتقى في مناصب ليثبت وجوده.
عجوز عنيد يرفض التقاعد والراحة و...
كان هذا انطباع راي الأول عليه، وبعد الموت وتجربة الموت في الطابق الثاني عادت تلك النار لتشعل قلبه الذي كان قد بدأ بخمول مع تقدمه في السن لتذكره بسبب قتاله كل هذه السنين السابقة.
"الإصابات، الخمول، الأمراض والرواسب التي تراكمت على جسدي اختفت كلها وشعرت أن قلبي المرهق عاد لينبض بشباب من جديد، لذلك ودون تردد استخدمت إكسيراً كنت أحتفظ به لابني الأصغر، وبفضل ذلك ورعاية جلالتك تمكنت من اختراق المستوى الثامن، وأتمنى أن أكون أكثر فائدة لهذه الإمبراطورية تحت قيادتك".
ابتسم راي معجباً ثم تنهد متناسياً تلك الأفكار التي أثقلت رأسه خلال الأيام السابقة: "أحسنت عملاً، سوف أعتمد عليك إذاً في المستقبل".
"يسعدني ذلك".
"لكن حسب علمي فالطاقة وحدها لا تكفي لرفعك للمستوى التاسع، صحيح؟" سأل راي بعد أن ساعده كلام ألكسندر على الهدوء، فرغم علمه بفائدة الموت في الطابق الأول على التنقية، إلا أنه لم يتوقع أن ألكسندر هو أول من سوف يستفيد من ذلك بعده.
كانت نظرة راي على أكاي أو أوميغا، لكن ليس من السيئ أن يصبح قائد الركن الثاني أقوى، فهذا سوف يكسبه مكانة تنعكس على الركن الثاني.
ومع ذلك هل يمكن لإكسير فقط أن يرفع قوة فارس؟
"إن كنت تشير إلى الخبرة يا سيدي، على عكس ما قد أبدو عليه، إلا أنني قد وصلت إلى مستوى المعلم قبل أن أعلق في المستوى الثامن من قبل، لذلك بعد استهلاك الإكسير واستعادة لياقة جسدي تمكنت من كسر الحاجز".
'معلم؟' نظر راي إلى ري متسائلاً، فأرسل له ري رداً على تساؤله:
[ما يقابل المعلم هو مبارز متوسط أي 20% من سلطة السلاح، ويتم الاستعانة بتلك السلطة من أجل زيادة عدد الدوائر حول القلب، لكن أعتقد أن أكثر ما أفاده هو ذلك الإكسير الذي استخدمه].
'فهمت'.
أومأ راي ثم نظر متسائلاً إلى ألكسندر الذي كان أضخم منه في الحجم: "هل كان ذلك الإكسير مكلفاً؟"
ارتبك ألكسندر من سؤال راي ووضع يده خلف رأسه يفكر قليلاً قبل أن يجيب: "لا أعلم بالضبط كم يكلف، فقد حصلت عليه بالصدفة خلال إحدى مهامي، لكن إن كان جلالتك مهتماً به فأعتقد أنه من الممكن الحصول عليه من مملكة القوقعة".
"ليس حقاً، فقط احرص على ذكر ذلك في تقريرك كي تُصرف لك نقاط مساهمة تعوضك ثمن الإكسير؛ فقوتك كفارس من المرتبة التاسعة ذات نفع كبير للإمبراطورية".
"أقدر حرص جلالتك".
أومأ راي راضياً: "أيضاً أعلن أن كل عنصر خاص بكل جندي يتم تسجيله في القلعة سيتم منح صاحبه 20% من سعره على شكل نقاط، وكن حريصاً على تشجيع الآخرين على تسجيل عناصر مختلفة".
"هل هناك سبب لذلك؟"
"سوف أخبرك لاحقاً".
أومأ ألكسندر برأسه دون طرح مزيد من الأسئلة، ومع ذلك كان قد بدأ في التفكير بكيفية إضافة هذه المهمة إلى مهامه، ومع وصولهم إلى مكتب اجتماع القادة بدأ راي بسرد الخطة التي تتطلب منهم كسب الوقت والحفاظ على أراضي الإمبراطورية قدر الإمكان.
"هذا مستحيل جلالتك"، عارض أحد القادة مشيراً إلى الخريطة: "لا نعلم كم هي قوة الوحوش التي تشير لها، لكن إذا سمحت لي بالقول فهذه حرب كانت تعتمد على الأعداد أكثر من كونها تعتمد على القوة".
"لاحظ جلالتك"، أخذ القائد علامة مشيراً إلى الخريطة: "عبر استغلال الأعداد فمعدل تآكل الإمبراطورية سخيف لأقصى درجة، لأن العدو لا يحتاج إلى القوة، لكن بوضعك وحوشاً تعترف شخصياً بقوتها فمن الواضح ما الذي سوف يحدث لاحقاً".
سوف يبدأ العدو باستخدام القوة.
كانت إجابة واضحة للأعمى، حيث في تلك الحالة سوف يتوقف العدو عن ضبط نفسه وسوف يزيد من معدل تآكل الإمبراطورية بسخافة، لذلك بدا طلب راي كأنه مزحة.
"في حرب القوة نحن عاجزون حقاً، لذلك أمر جلالتك بكسب الوقت من الصعب ادعاء قدرتنا على تنفيذه".
توقف القائد ثم أنهى كلامه باعتذار عما إذا كان أسلوب كلامه وقحاً، فتبسم راي للحظة ثم اختفت ابتسامته حيث كان هو الآخر متفقاً مع ذلك الكلام.
في النهاية، سبب اختيار اليرقات من بين جميع الوحوش هو قدرتها الهجومية بعيدة المدى وقوتها الدفاعية ضد السحر، لكن على جانب آخر فهي تفتقر إلى السرعة والمرونة ودفاعها الجسدي منخفض، ما يعني أن الفائدة الوحيدة التي يمكنها أن تقدمها هي منع السفن الحربية من الاقتراب من المدن، وهذا جوهر خطة الدفاع المطلق.
لذلك أعاد راي سرد الخطة وهذه المرة مع الكشف عن طبيعة اليرقة وقدراتها بشفافية، مخاطراً بوصول هذا الكلام إلى الأعداء.
في النهاية تقرر وبدعم من ألكسندر أن يتم التعديل على الخطة التي بدت غير واقعية على أرض الواقع، وبإقتراحات الجميع بدأ التعديل أولاً من تقليص نطاق الدفاع، حيث تقرر التخلي عن الأراضي البعيدة أو التي تقع بين الخونة أو قرب الأعداء.
وبحلول وقت الغروب تقلص حجم خريطة الإمبراطورية بعد إزالة كل الأراضي التي سيتم التخلي عنها والأراضي التي أصبحت تحت سيطرة العدو إلى أكثر من 60%.
الإمبراطورية كانت مساحتها قد تخطت 10 ملايين كيلو متر مربع تقلصت إلى 5 ملايين كيلو متر مربع، والآن تتقلص أكثر إلى أقل من مليون كيلو متر مربع.
كان النظر للخريطة فقط مهيناً، وما زاد الإهانة هو علم كل شخص حول هذه الطاولة بأفعال العدو وعجزهم عن الرد.
"حسناً، بعد هذا سيتم إرسال دعم من الجنود لهذه المدن ومساعدة اليرقات، يرجى الالتزام بخطة الدفاع المطلق".
"أمرك".
تنهد راي ونظر إلى ألكسندر: "أعلم وزير الداخلية ببداية عملية تجنيد مع تجنب التجنيد الإجباري لسد النقص في الأعداد دون تمييز بين العرق".
"كيف ذلك؟"
"فقط قم بتشجيعه على الالتحاق بالجيش، ثم قسم الجيش وأرسلهم لدعم المناطق المشار لها".
"لكن جعل المشاركة طواعية..." أمسك ألكسندر ذقنه يفكر قليلاً فيما إذا كان ذلك ممكناً، لكن في النهاية تنهد وقرر أن يجرب الفكرة أولاً: "سوف أعلمه بالأمر".
"جيد"، بعد توزيع المهام نظر راي إلى القادة مطالباً: "أعلم أنني أطلب الكثير، لكن سنة واحدة".
"فقط سنة واحدة وأعدكم بأن هذه الإمبراطورية سوف تنهض من جديد لتسحق هؤلاء، لذلك أعتمد عليكم حقاً في هذا".
"جلالتك"، تدخل ألكسندر وانحنى بهدوء: "يرجى الاطمئنان ومتابعة ما تسعى إليه، سوف نكون في انتظارك صامدين كما هو الحال مع أبناء أستر".
"شكراً لك"، ابتسم راي حيث أن كلمات ألكسندر طلبت ترك الباقي له، فقد كشف راي عن رغبته إذن ما يبقى على ألكسندر أن يفكر به بنفسه.
بعد ذلك تم رفع الاجتماع، وطالب راي باجتماع القادة السبعة مع ألكسندر وسط الساحة، حيث أمسك راي بمكعب أسود وأشار إلى ري بالبدء قبل أن يرميه وسط الساحة.
تفاعل المكعب بعد سقوطه على الأرض وتدحرج مرتداً على الأرض عدة أمتار قبل أن يتوقف، وما إن فعل حتى أشرقت هالة سوداء، ثم بدأ يتفتح مثل الورق.
نقر... نقر
تحرك الهواء حول البقعة السوداء، ثم بدأ السواد يلتهم الهواء حوله مشكلاً إعصاراً صغيراً، فأبعد راي شعره عن وجهه بينما ترفرف ملابسه وهو يشهد البقعة السوداء على الأرض تتوسع بسرعة كبيرة، واستمرت بالتوسع حتى غطت الساحة.
توقفت الرياح وهدأ الجو بعد أن توقفت البقعة السوداء عن التوسع، ولم يبقَ في المكان إلا بقعة تلتهم حتى الضوء حولها، فبدت مثل هاوية لا قعر لها.
قبل أن يسأل ألكسندر عن ماهية هذه البقعة، ارتجف الظلام على حواف البقعة، ثم من وسط البقعة خرج رمح أسود متوجهاً إلى السماء، وخلفه لحقت به خيوط سوداء مثل الأفاعي، ليتجمد الرمح على ارتفاع عشرات الأمتار، وتتجمد الثعابين خلفه قبل التئامه، ثم بدأ الظلام بالتراجع والنزول ليكشف عن برج بارتفاع عشرات الأمتار.
كان البرج مثل الرمح الذي تلتف حوله الثعابين بالشكل اللولبي، وأسفل البرج ظهرت منصة رخامية بعد انقشاع الظلام، فنظر راي نحو البوابة العملاقة التي تنقسم على جهتين وأشار إلى القادة وألكسندر باللحاق به.
فهذه التحفة الفنية كانت نتاجاً للدمج الخارجي بين أحد المكعبات السوداء وأحد الأبراج، لكن من أجل تحقيق ذلك كان يجب تقسيم النسخة إلى مليون قطعة أولاً، وبعد ذلك أخذ مكعب واحد وتطبيق المعادلة عليها.
بعد هذا لم يعد من الممكن جمع المليون مكعب من أجل استرجاع النسخة لأن هناك طرفاً ناقصاً، وهذا يعني خسارة نسخة من النسخ الخمس بشكل دائم، والأسوء أنه وحتى لو أصبح من الممكن للنسخ أن تنقسم لعدد أكبر من المكعبات السوداء فلم تعد هذه النسخة تستطيع النمو.
لكن نظراً إلى الفوائد فقد قرر راي التضحية دون تردد، وامتثل راي لذلك دون إعطاء أي اقتراحات، وراقب بصمت، وأول ما تم بناؤه بهذه الطريقة هو برج الإنجازات.
حدق الجميع في الباب العملاق الذي عليه زخرفة تحكي قصة وتحمل صورة لعنقاء تصارع تنين، كيان عملاق كان يقاتل كياناً آخر في نفس المستوى.
أسفل العنقاء والتنين كان هناك أنواع مختلفة من الوحوش تصارع بعضها البعض، وتحت الوحوش كان هناك فرسان وجنود يقاتلون بعضهم البعض.
وأسفلهم كان النمل يصارع بعضه البعض، ولم يكن هناك أي رمز في الصورة يشير أو يُعرّف أحداً عن سبب هذا الصراع.
تأمل القادة الصورة مع راي مطولاً قبل أن يتحرك راي بعدها من أجل دفع الباب والدخول.
____________
نهاية الفصل
____________