[الفروسية]
شرف مشاركة التدريب مع الإمبراطور نفسه كان حقًا شيئًا يدعو للتفاخر، لكن ظل أكاي صامتًا يفكر بسرعة قبل أن يقرر التخفيف من شدة تمارين اليوم تجنبًا لإحراج الإمبراطور.
"حسنًا جميعا، سوف نركض حول الجبل نصف دورة ونعود بعدها للصدام بالأسلحة لساعة، وذلك لتجنب إرهاق أنفسكم، مفهوم؟"
"مفهوم،" استجاب الفرسان ثم نظروا لبعضهم البعض مبتسمين بينما وقف راي بجانب أكاي يفكر.
بدأ التدريب بركض حول الجبل.
لم يتدخل راي وبدأ بالركض في المقدمة بعد أن أمر نصف الذئاب بحراسة المخيم بينما النصف الآخر ركض بجانبهم لمنع الوحوش من إزعاج تدريبهم، وسرعان ما وجد راي نفسه في المقدمة.
عبس راي عندما لاحظ ذلك ثم أدرك بسرعة أن الفرسان يتباطأون عمدًا لمنحه أفضلية ولم يكن أكاي استثناءً.
'يا لوقاحتهم'
ابتسم راي وزاد سرعته فزاد الفرسان سرعتهم بينما لا يزال لديهم وقت للدردشة، ولم يستغرق الأمر سوى ربع ساعة للوصول إلى نصف الطريق وكان الفرسان بالفعل قد بدأوا يتعرقون وأنفاسهم متقطعة.
لكن لم يتوقف راي بل تابع الركض إلى الأمام مما أجبر الفرسان على اللحاق به قبل أن يسرع أكاي أكثر ليشير أن عليهم العودة.
"لماذا؟"
"حسنًا هذا،" ركض أكاي بجانب راي وأشار بعد تردد طفيف أنهم لا يعرفون المكان هنا واعتمد قراره على ما شاهده من خلال عيون راي، وبالفعل هذا الجبل كان متصلاً بسلسلة جبال لذلك لم يكن من الممكن الدوران حوله.
تذكر راي ذلك لكن مع ذلك أمرهم باللحاق به بعذر أنه لا يشعر بإرهاق بعد، وسرعان ما توقفت الدردشة بين الفرسان وركضوا على ركض خلال الربع ساعة التالية قبل أن يأمر راي بالعودة.
ركضوا مجددًا.
نظر الفرسان لبعضهم البعض ثم إلى راي متسائلين لم لا يشعر بتعب أو هل يستخدم مانا لتعزيز نفسه، لكن سرعان ما تم رمي هذه الفكرة جانبًا.
لم يكن من الممكن الشعور بأي مانا متسربة من جسده ولا يذكر أنه فارس حتى، لذلك تحمل الفرسان وبدأت رحلة العودة إلى المخيم.
بعد نصف ساعة وبالعودة إلى المخيم أمر راي بإعادة الدورة من جديد، فتحولت نظرة الفرسان من دهشة إلى خوف لكن كبرياءهم لم يسمح لهم بالتراجع.
بعد ساعة عادوا إلى المخيم وكان تعب الركض حاملين تلك الدروع والسيوف مرهقًا لدرجة أن التنفس نفسه أصبح متعبًا.
"هيا لا يمكن أن يعتبر هذا تسخينًا حتى، لنقم بدورة أخرى."
شهق الفرسان وتحولت نظرتهم من خوف إلى انزعاج، لكن لا يزال البعض يقفون بسرعة وسرعان ما تبعهم الباقون دون تعليق لتبدأ دورة أخرى.
بعد ساعة وبالعودة إلى المخيم سقط الفرسان عاجزين عن الحركة.
"قدرة تحملكم ضعيفة يا شباب."
_ هل تعتقد؟
تجاهل الفرسان تعليق راي، لكن من المؤكد أن نظرتهم له كشخص عاجز قد تلاشت تمامًا ولم تترك خلفها سوى طبقة كثيفة من الغموض حول هذا الإمبراطور.
"إذاً ما التالي؟" سأل راي بينما ينظر إلى أكاي الذي استند على ركبتيه يحاول التقاط أنفاسه، فرفع يده راجيًا من راي أن ينتظر قليلاً.
لم يتوقع أن يركض بهذه الشدة في الصباح الباكر، لكن لا يزال يجمع أنفاسه بسرعة ويرسم ابتسامة قبل أن يشير للجميع بالنهوض وبدء تدريب السيف.
لكن هذه المرة لم يجرؤ أحد على التدريب مع راي.
ليس خوفًا منه بل احترامًا له، حيث وبسبب عدم وجود سيوف خشبية كان التدريب سوف يكون بسيوف حقيقية وفروسيتهم تمنعهم من رفع السيف على سيدهم ولو كان من أجل التدريب.
حتى أكاي رفض بصراحة رفع السيف ضد راي، وفي النهاية انتهى برااي في مقعد المراقبة ويسأل من وقت لآخر: "أرثيل هل ترين أن هذه الطريقة للتدريب مفيدة؟"
[للحفاظ على أجسادهم نشطة فهي مفيدة، لكن ليست مفيدة لزيادة قوتهم، لقد اتخذ أكاي القرار الصحيح بتركهم يركضون قبل المباراة.]
"همم."
[هل انتظرت مني أن أقول أن هناك تدريبًا أفضل؟]
"نوعًا ما."
[حسنًا هناك، لكن لا أعتقد أنه مناسب للوقت الحالي، كما أن امتناع الفرسان عن الأكل حتى ينتهي التدريب هو قرار ممتاز من أكاي.]
في النهاية لم يكن هذا التدريب يهدف لشيء أكثر من منع أجسادهم من التصلب فالحرب لا تزال قائمة وقد يستيقظ راي في أي لحظة، عندها سوف يكون عليهم الانطلاق إلى الهدف التالي.
مع حلول المساء توقف التدريب، لكن لم يتمكن الفرسان من تحضير طعامهم بسبب التعب، في النهاية انتهى بهم الأمر بوضع قطعة من اللحم الجاف بين أسنانهم والراحة قليلاً.
لولا وجود الذئاب لما تدربوا لهذا الحد، لكن كل من سقط قبل سيده شعر بعار جعله يواصل التدريب حتى دون أن يأمر أكاي بذلك، وفي النهاية استمر التدريب حتى غروب الشمس تقريبًا.
"لدي سؤال، ما الذي تعنيه الفروسية في نظركم؟" اقترب راي وجلس على جذع شجرة ساقط بينما يضع قطعة لحم جافة بين أسنانه.
"همم،" نظر فايل الذي كان قريبًا إلى راي وأزال قطعة اللحم من فمه قبل أن يجيب بسرعة: "إنها قواعد جلالتك."
أجاب فايل ظنًا منه أن راي يريد أن يصبح فارسًا: "الفارس يا جلالتك هو الذي يسير في مسار الفروسية المتمثلة في الاستقامة، الشجاعة، الإحسان، الاحترام، الصدق، الشرف، والولاء المطلق للسيّد، لذلك مخالفة أي مبدأ هو عار على الفارس يجب أن يكفر عنه بالموت."
"الاستقامة، الشجاعة، الإحسان، الاحترام، الصدق، الشرف، والولاء المطلق للسيّد،" كرر راي بهدوء ثم سأل مبتسمًا: "وهل يتبع جميعكم هذه المبادئ؟"
سأل راي فأومأ جميع الفرسان بفخر، فطرح سؤالاً هز قلوبهم: "إذاً لو أردت تغيير مبدأ هذه الفروسية فهل سوف توافقون تحت مبدأ الولاء المطلق للسيد أم سوف ترفضون لأن ذلك سوف يلغي هذا المبدأ؟"
تناقض لطيف لكن كان قادرًا على جعل عقولهم تتوقف للحظة.
بطريقة ما كانت هذه المبادئ مشابهة للمبدأ الأخلاقي لفروسية البوشيدو، وعلى عكس الفروسية العربية والأوروبية والقوة الإسلامية، فقد أظهر هذا النوع من الفروسية أسوأ مسار أخلاقي في التاريخ.
ولم يكن راي غافلاً عن ذلك التاريخ.
الشيء الوحيد الذي جعلها مختلفة عن فروسية البوشيدو في هذا العالم هو وجود عقد التزام بين الفارس والسيد، وهذا التغيير وحده مكن الفرسان من نقض الولاء، وذلك منع وصول هذا النوع من الفروسية إلى درجة التعصب.
لكن في المقابل جعلها منتشرة حول القارة.
لكن هذا كل شيء، فكلما كان الفارس ملتزمًا بهذه المبادئ أكثر كلما كان أكثر تعصبًا لها، وللأسف لا يوجد أي مسار للفروسية مخالف لهذا داخل قارة لينكي.
"جلالتك،" قاطع فايل الصمت متسائلاً: "هل تقصد أن علينا التخلي عن هذه المبادئ والعودة لكوننا مجرد مقاتلين؟"
"ما العيب في ذلك؟" ضاقت عينا راي على فايل متسائلاً قبل أن يتابع قائلاً: "أخبرني يا فايل، تحت مبدأ هذه الفروسية إذا أمرتكم بمسح قرية دون سبب فهل سوف تنفذون؟"
"ألا يجب علينا ذلك؟"
"أعني قد يكون لجلالتك أسبابه،" أجاب فايل بسرعة وأومأ باقي الفرسان برأسهم كذلك، وما حدث سابقًا مع الأسطول زاد ثقتهم في راي.
من المستحيل أن يعطي أمرًا بلا سبب.
رغم ترددهم في البداية بسبب أنهم ذاهبون لموت غير مشرف، لكن لقد أكد لهم إسقاط الأسطول الأول بلا خسائر حقيقية أن سيدهم أهل للثقة.
ولا حاجة للشعور بتأنيب ضمير تحت مبدأ الولاء المطلق للسيد لأن كل أفعالهم هي من أجل سيدهم فقط، والتشكيك في أمره بعد خيانة لهذا الميثاق.
"لكن هل ذلك الميثاق يعني أنكم لستم بشرًا؟"
لم تكن هناك طريقة، والدليل على ذلك هو وجود عدد كبير من المقاتلين الذين يفضلون البقاء أحرارًا، ففي النهاية من أجل أن يصبح الشخص فارسًا عليه الحصول على موافقة خمس عائلات نبيلة.
بعد ذلك تنقش أسماء تلك العائلات على ظهر درعه ويقسم بالولاء بعدها لهذه المبادئ إذا وجد من يعترف به كسيد.
وهناك فرق بين قسم السيد بعقد وقسم الولاء للسيد، ولذلك ومن بين هؤلاء الفرسان ليس هناك من أقسم بالولاء لراي، ومع ذلك هل لا يزالون يتبعون أمر الإبادة فقط بسبب القسم بعقد؟
"هذا النوع من التطرف سوف تنفر منه أستر عاجلاً أو أجلاً."
تنهد راي وهو يسأل: "هل تتذكرون ما الذي قلته لكم قبل أن ننطلق نحو أسطول مملكة الأسد؟"
كرر راي ما قاله دون أن ينتظر الرد: "سوف أجعلكم أقوى مما أنتم عليه وذلك من أجل مساعدة الإمبراطورية، لكن هذا ليس كل شيء."
"لذلك أريد منكم أن تكونوا على استعداد لفتح معنى آخر للفروسية."
رفعت رانا يدها تطلب إذنًا بسؤال، وما إن سمح لها راي بالحديث حتى سألت بأدب: "ما العيب الذي يراه جلالتك في مبادئ الفروسية التي نتبعها؟"
"لا أقول إن العيب في المبادئ نفسها بل في نتيجة المبدأ عند تطبيقه على أرض الواقع."
أشار راي بسبابته وهو يشرح: "على سبيل المثال:"
"الاستقامة والصدق عندما يتم تطبيقهما على أرض الواقع سوف يعطيان الجمود والعداء للمرونة، لأن الصدق المطلق يمنع الدبلوماسية، والتفاوض، والمناورة."
"في النهاية ينظر الفرسان إلى الرحمة أو المهادنة في المعارك كنوع من الخداع أو الضعف، مما يؤدي إلى حتمية إبادة الخصوم ورفض حل النزاعات بالحلول السلمية."
"أنا لا أحب هذا،" عدل راي نبرته وقال: "عندما أرسلتكم قبل الاجتماع الإمبراطوري من أجل إخضاع أفراد العصابات، كم عدد المجرمين الذين قمتم بالقبض عليهم؟"
"سوف أُجيبكم: لم يتم القبض على أحد."
"لم يتم القبض على أي مجرم رغم علمكم بفارق القوة بين فارس وشخص عادي، بل أنكم ودون محاولة فهم الطرف الآخر ودواعي أفعاله قمتم بتنفيذ الأمر بشكل حرفي وتخلصتم من كل شخص حكمتم عليه بالموت."
"وهذا ينقلنا للسؤال الآخر وهو: كم عدد الأبرياء بين أولئك المجرمين حقًا؟" عبس الفرسان أمام هذا السؤال فابتسم راي ساخرًا: "انظروا لأنفسكم، لا ترغبون حتى بسماع حقيقة وجود أبرياء بين أولئك المجرمين."
"وهذا ينقلنا إلى الشرف الذي يعني تقديس السمعة على حساب الحياة، والذي تحول من قيمة أخلاقية إلى هوس جمعي. وأي خطأ بسيط أو فشل غير مقصود لا يتم معالجته بالتعلم، بل بكفارة واحدة وهي الموت."
"فايل لقد قلتها بنفسك قبل قليل"
_من يخالف هذه المبادئ فعليه أن يكفر عن ذلك بالموت.
___________
نهاية الفصل
___________