[فروسية فرسان الشفق]
"ماذا عن الإحسان والاحترام الذي يظهر على شكل وصاية والاستعلاء الطبقي والوصاية؟" سأل راي قبل أن يجيب بنفسه: "ألم يعد مجرد مبدأ يتعامل مع عامة الشعب بمنظور استعلائي قائم على الشفقة والوصاية بدلاً من العدالة والتكافؤ؟"
نظر الفرسان لبعضهم البعض مرتبكين من قول راي.
في النهاية الفرسان هم من يحددون ما هو خير للرعية ويفرضونه بالقوة عند الحاجة، أليس هذا من البديهيات؟ أليس هذا هو نفس المبدأ الذي أدى لإبادة العديد من المنظمات الإجرامية عند نزول الفرسان من القصر؟
لقد حدث وفي ذلك الوقت تم التعامل مع أي شخص أعاق تطبيق الأمر كهدف للإبادة.
وقد وصل الأمر ببعض الفرسان للتعامل مع المشاعر الإنسانية الطبيعية للعامة كالبكاء أو الخوف على أنها ضعف يستوجب التأديب.
"أتحمل بعض المسؤولية عما حدث سابقاً لكن يسعدني أيضاً أن بعضكم طبق المبادئ بشكل مختلف وكان نشطاً في مساعدة العامة مثلك يا رانا".
وكانت هناك عديدٌ من التقارير فيما يخص ذلك.
فركت رانا مؤخرة رأسها بخجل فتابع راي: "أيضاً إذا نظرت لباقي المبادئ فسوف تجد بها مشكلة إذا تم تطبيقها بصرامة وإذا لم يتم تطبيقها بصرامة".
"مثل الشجاعة التي لا أراها سوى شجاعة انتحارية".
"تلك الشجاعة التي ترفض التراجع التكتيكي أو الانسحاب لإعادة التجمع، فقط خوفاً من أن يُفسر ذلك كجبن. حيث لا يمانع الفارس تفضيل الفناء الكلي في سبيل إثبات شجاعته على البقاء للاستفادة في المستقبل".
في النهاية، ليست المبادئ نفسها هي المشكلة، بل إنها تُركت للتفسير، واستلهم كل شخص تفسيره لها من المتعصبين.
بذلك كان لكل مبدأ جانبه الأسوأ مما يجب أن يكون عليه.
ومع قانون الولاء بالعقد الذي سمح للفارس بكسب مالٍ في خدمة أحدهم أو اختباره قبل إعلان ولائه احتراماً للمبادئ، أصبح من الممكن القول إن مسألة الولاء لم تعد تهتم بمن تكون بل بكم تملك وكم سوف يكون من المفيد اتباعك.
"في النهاية النظام وحده جيد على الورق".
على الورق فقط، "لذلك أعود لسؤالٍ سابق، هل ما زلت سوف تتبع التغيير لتكون فارساً أو تفضل البقاء مخلصاً للتقاليد القديمة؟"
لم يجب أحدٌ فأجاب راي على نفسه: "في الواقع لا يهم أيهم تختار فهذه من ميزات منصب الإمبراطور وبعد تخطي هذه المحنة سوف أنشئ قاعة الفرسان".
"قاعة فرسان؟"
أومأ راي وهو ينظر إلى روبي التي تساءلت: "سوف تقوم هذه القاعة على سبعة قوانين يجب على الفرسان الالتزام بها فوراً، وسوف أحرص على رفع مكانة هذه القاعة حتى أتخلص من هذه المبادئ داخل أراضي أستر، لذلك سواء أحببتم أم لا فإما أن تتبعوا التغيير أو تكونوا التغيير أو تهلكوا مع التغيير".
في النهاية، نادرًا ما يمكن لشخص أن يتغير فجأة.
وإن فعل فهو لا يتغير بشكل جذري من الفراغ، بل يبني مستقبله على أصول وقواعد قديمة ويتطور تدريجياً لمواجهة التحديات وبناء القوة الداخلية بناءً على الحكمة المتراكمة لمواجهة ظروف الحياة والعواصف.
إذاً هل يمكن أن يتغير رأي الفرسان في مبادئ بني عليها شرف فروسيتهم لمجرد أن السيدة ليست حتى بفارسٍ طلب منهم ذلك؟
كان ذلك مستحيلاً.
راقب راي بهدوء نظرة الفرسان التي لا تمانع في مسايرته ثم تجاهله لاحقاً فلم يمانع، بصراحة كان هذا متوقعاً لذا ابتسم وعدل نبرته ثم تابع: "ثم دعوني أريكم الفرق بين مبادئ فروسيتكم وقوانين فرسان أستر المستقبليين".
تحولت نظرة الجميع إلى راي عند سماع ذلك.
أكثر من 300 زوج من العيون تشاركوا نفس النظرة الفضولية، فتابع راي بعد تجاهل الضغط ببساطة وأعلن القانون الأول: قانون حفظ العهد.
"الكلمة يجب أن تكون صخرة صلبة وجبلاً لا يتأثر بالعواصف، يجب أن تكون عقدة روحية يُعطيها الفارس بوعيٍ وحكمة، ويقاتل حتى آخر رمق للوفاء بها".
"تحت هذا القانون فنكث الفارس للعهد سوف يكون عاراً أشد هولاً من الموت، وذلك يعني أن انهيار الموثوقية هو الفناء الحقيقي لكرامة الفارس".
"ولا، ليس عليك الموت بل عليك أن تعيش مع ذلك العار لبقية حياتك فهذا أشد عقاباً لك من الموت، وبما أنه قانون وقد خالفته فبالطبع هناك طريقة من أجل التكفير عنه لأننا بطبيعتنا بشر والبشر يخطئون، لكن لا يجب أن يكون الخطأ هو نهاية المسار بل يجب أن يكون درساً تتعلم منه".
"عواقب نكث الوعد كثيرة لكن مزايا من يلتزم بهذا القانون أكثر وهي شيء يستحق وسوف يستحق أن يتفاخر به أحفادك كل يوم حتى بعد موتك".
توقف راي وترك كلماته تستقر في عقول الفرسان ثم تبسم ورفع إصبعين وقال: "القانون الثاني: ثمن الولاء".
"الفارس هو السيف القاطع في يد السيّد، وشرف الفارس يأتي من مكانة السيد وهذا لن يتغير، لكن إذا كان للسيد رعية فعلى الفارس ألا ينسى أنه لا يحمي شخصاً واحداً فقط، لكن حماية ذاك الشخص بغض النظر عما إذا كان فاسداً أو شريفاً، فإذا كان وجوده يحافظ على استقرار الأرض والإقطاعية فرغباته لها أولوية".
ضاق تعبير رينا ورفعت يدها لتسأل فمنح الإذن لها: "أليس هذا نفسه مبدأ الولاء المطلق للسيد؟"
"لا"، ابتسم راي وسأل: "الفارسة رينا، ما اسم القانون الثاني؟"
"ثمن الولاء؟"
"أجل، هذا القانون يغني عن العقد ويرتبط بالقانون الأول، لذلك إذا أراد الفارس حماية أحد بمقابل مادي فله ذلك وهذا من البديهيات ويجب أن يلتزم بكلماته، لكن هذا القانون يقول أن على الفارس وضع شرط على السيد".
"طالما السيد لم يكسر شروط الفارس فعلى الفارس اتباعه دون قيود وهذه طبيعة القانون، لكن القانون نفسه يضع شرطاً على الفارس حيث إن كان الفارس سوف يتبع سيداً بلا رعية فلا قيود عليه، ولكن إذا كان سوف يتبع سيد إقطاعية فالأولوية هي حمايته ولو ضد رغبات الرعية، لكن فور أن ينقلب السيد على الرعية أنفسهم فمن حق الفارس كسر القانون الأول إن كان بينه وبين السيد عهد".
"وهذا يعني أن ولاءك لشخص لن يحولك لأداة يستخدمونها حتى تصدأ ثم يتخلصون منها، فعلى الفارس الحفاظ على كرامته كفارس وشرفه قبل قوت يومه، وهذا الفرق بين الفارس والجندي".
"لكن"، توقفت رينا قبل أن تتحدث فأشار لها راي بالحديث لتسأل: "ألا يعني هذا أن الفارس سوف يقيد سيده بما يراه صحيحاً؟"
"في هذه الحالة لا يزال الفارس يقرر ما هو جيد وما هو لا لرعيته، بل فتح هذا القانون له السلطة على الحكم على السيد نفسه".
ابتسم راي راضياً بالسؤال: "وهذا معناه أنه قانون، فكما قلت، الولاء يكون مطلقاً للسيد طالما لم ينقلب السيد على الرعية بموجب قوانين الفرسان فقط، وذلك مرتبط بقوانين الدولة نفسها، أي في حالة مخالفة هذا القانون فذلك الفارس عدو لجميع الفرسان، لكن كما قلت أيضاً يلزم على الفارس تحت القانون الثاني أن يضع ثمناً لولائه للسيد".
"وهذا يعيدنا لبداية الحديث؛ قاعة الفرسان التي سوف تشرف على الفرسان وتحمي شرفهم حتى لا يُظلم أي فارس من طرف أي طاغية"
"وذلك يسمح للفارس بالحكم على الوضع بعيون حكيمة، فإذا كان على الطريق الصحيح فلا حاجة للخوف لأنه سوف يجد قاعة فرسان خلفه وتدعمه، وإذا كان على طريق الخطأ فسوف يجد قاعة فرسان ضده".
"لكن هذا لا يزال يمنح الشخص مكاناً للمناورة"، أكدت رينا بعيون ضيقة فأومأ راي برأسه متوافقاً معها.
"أنتِ محقة لكنني لم أنتهِ بعد، فهناك مزيد من القوانين"، تحدث راي بنبرة خفيفة فأدركت رينا وكذلك باقي الفرسان أنه لم يذكر إلا قانونين.
ليس هناك شيء يؤكد أن تلك القوانين لا تغطي على بعضها البعض لتسد الثغرات، فتابع راي معلناً عن القانون الثالث: حكمة الشهامة.
"تذكر هذا فقط عندما تفكر في هذا القانون".
"إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم نبضٌ في عروق الفارس، لكنها رحمة يزينها العقل والثبات".
"لا يجب أن ينقاد الفارس خلف العواطف الهوجاء أو تطرف اليائسين، بل يمد يده بالمساعدة بقلبٍ رحيم وعقلٍ راجح يزن العواقب بميزان العدل، وهذا ينقلنا إلى القانون الرابع: فروسية النبيل".
"حيث يجب أن يتمتع الفارس بقلبٍ يرق للضعفاء، يبتسم للأطفال، ويبكي لآلام الناس وهذا معنى النبل، ففي النهاية على الفارس حمل روحٍ نبيلة تصون الحرمات فترفع مكانته فوق النبلاء، لكن مهما كانت قوته عليه إدراك أن القوة الحقيقية يجب أن تجثو تواضعاً أمام البراءة".
"هل تعلمون ماذا يعني هذا؟"
نعم لقد كان واضحاً، فهذا يعني أن الشخص نفسه ليس هو من يقرر ما إن كان قد أصبح فارساً أم لا، بل عليه أن يحصل على اعتراف من عدة أطراف تؤكد فروسيته.
"ثم لدينا القانون الخامس: السكينة الصارمة".
"السيطرة المطلقة على الروح في قلب العاصفة. إذا كان الفارس ينزل إلى ساحة المعركة كشيطانٍ لا يُقهر، يجب أن يقاتل أيضاً بذهنٍ صافٍ وبارد، فلا يعميه غضبٌ ولا يفقد إنسانيته في زحام الموت ولا يؤذي من فقد روحه القتالية، فلا يؤذي رضيعاً ولا وليداً في أرض المعركة".
وهذا يعني أيضاً أنه قبل أن تصبح فارساً عليك أن تكون قادراً على السيطرة على قوتك الكاملة، فإن لم تكن قادراً على ذلك فيجب على قاعة الفرسان جعلك قادراً على ذلك.
"ونعود لسؤال رينا مع القانون السادس: عزة النفس".
"وهو الترفع التام عن الدناءة، والمكر الخسيس. فالفارس يجب أن يسير بين عامة الناس بتواضع المتقين، ولكن حين يواجه الطغاة والمستكبرين، ينتصب كالجبل الراسخ فلا يسمح لنفسه بأن يكون ضحية لمكرهم".
"أن تتعرض للخداع ستكون وستبقى ضربة في كرامتك إلى الأبد ولا يهم إن كانت من سيدٍ أو من قاعة الفرسان نفسها، فقبل كل شيء على الفارس أن يكون لديه تفكير مستقبلي لا يتبع كل ما يراه الآخرون صحيحاً أو خاطئاً ويؤكد عليه، لذلك إن حدث وأصبح أحدكم من فرسان الشفق فليتذكر أنه فارس وليس بطلاً".
"أو باختصار لا تحشر أنفك دون تفكير".
___________
نهاية الفصل
___________