غريب أطوار
كان إلين جالسا في العتمة، لم يكن في الغرفة سوى ضوء الشاشة، مستطيل شاحب يشق الظلام ويكشف نصف وجهه. كانت الستائر مسدلة والهواء ساكنا، بينما تراكمت على المكتب أكواب فارغة إلى جانب دفتر مغلق لم يلمس منذ أيام.
تحركت أصابعه فوق لوحة المفاتيح بإيقاع منتظم.
"أولئك الذين يصلون إلى هذه النقطة نادرا ما يعرفون اسمها، لكن أجسادهم وعقولهم تتعرف عليها"
كتب الجملة ثم توقف للحظة، اشتعل التركيز في عينيه وعاد يتابع الكتابة. كلما ظهرت جملة على الشاشة قرأها مرة واحدة قبل أن ينتقل إلى التالية، لم يكن يتعامل مع الكلمات كما يتعامل المرء مع شيء يعبر عنه حقا.
بالنسبة لإلين كان بإمكان الكتابة أن تتخذ أشكالا لا حصر لها، ليس بالضرورة أن يكتب الإنسان ما يشعر به وليس بالضرورة أن يشعر بما يكتبه، وربما كان أسوأ من ذلك كله أن يستطيع المرء كتابة شيء لم يشعر به قط ثم يقنع الآخرين بأنه عاشه.
سخافة محضة بالنسبة إليه، لكنها في الوقت نفسه نافعة للكتاب، وسيلة لكسب بعض الاهتمام على حد قوله.
يرتدي قميصا أسود واسعا وبنطالا منزليا رماديا، وظل شعره الأشقر مبعثرا قليلا بفعل السهر، كانت تلك حالته على الدوام.
استمر على هذا النحو حتى انتهى.
"كل يوم نفس الروتين، الأمر سخيف للغاية"
تمتم بها ببطء وابتسم بسخرية، ثم راجع السطور الأخيرة وأغلق المحرر، اختفى الضوء وعادت الغرفة إلى عتمتها. وضع الهاتف جانبا واستلقى على السرير دون أن يفكر كثيرا فيما كتبه، ولم تمر سوى دقائق حتى انتظم تنفسه وغرق في نوم عميق.
بالنسبة إليه انتهى الأمر هناك، لكن الليل لا ينادي الصباح بلطف دائما.
...
مع أول شعاع لصباح ريكيافيك الشاحب، تسلل الضوء من أطراف الستائر ناشرا على أرض الغرفة تدرجا من الأصفر الباهت. استيقظ إلين، لكن المفارقة المزعجة أن المنبه لم يكن السبب هذه المرة، بل كان الباب.
طرقات عنيفة جعلت الباب يهتز بقوة، لم تكن تلك طريقة شخص ينتظر بصبر أن يفتح له الباب، كانت القوة كافية لتوحي بأن صاحبها لا يهتم إن بقي الباب سليما أم لا.
فتح إلين عينيه ببطء.
"بحق، من يريدني في هذا الوقت؟"
قالها بانزعاج واضح، ثم ظل ساكنا لثوان يحاول استيعاب الصوت قبل أن يجلس على حافة السرير. كان شعره أكثر فوضى من الليلة السابقة وقميصه مجعدا عند الأكتاف والصدر، رفع يده وفرك عينيه ونظر نحو الباب بنظرة خالية من الحماس.
لم يكن يتوقع شيئا مهما في الواقع، أول تفسير خطر في ذهنه كان بسيطا للغاية، ربما أخطأ شخص ما المنزل أو أن هناك أمرا تافها يحتاج إلى حل، لم ير سببا يدعو للقلق، لكنه كان منزعجا بالفعل، فمن يملك الجرأة لإيقاظ شخص من نومه في هذا الوقت لا يستحق أن يستقبل بحفاوة.
بالنسبة إليه كانت الثامنة صباحا وقتا مبكرا جدا للاستيقاظ.
مع ذلك لم يكن أمامه خيار سوى النهوض، وضع قدميه على الأرض ببطء. كانت الأرض باردة تحت قدميه العاريتين لذلك جر خطواته بدلا من المشي بصورة طبيعية، لم يكن قد استيقظ بالكامل بعد وكل ما كان يريده هو معرفة سبب الضجيج ثم العودة إلى سريره.
وصل إلى الباب وأدار المقبض والمفتاح في الوقت نفسه، وبمجرد أن فتحه انهالت عليه صفعة اخترقت سكون الصباح.
ارتطم الكف بوجه إلين بقوة دفعته إلى التراجع خطوتين، لم يفهم ما حدث فورا، بقيت يده معلقة للحظة ثم ارتفعت بصورة آلية إلى خده، كان ساخنا بوضوح. رفع عينيه وهو ما يزال عاجزا عن استيعاب ما يحدث، وعندها فقط أدرك أن الشخص الذي أمامه لم يكن مخطئا في العنوان.
كانت صوفي نوردال تقف أمامه بشحمها ولحمها، ترتدي معطفا داكنا فوق ملابسها الصباحية، وشعرها غير مرتب كما لو أنها خرجت من المنزل دون أن تهتم بمظهرها، كان وجهها شاحبا وعيناها حمراوين ومتورمتين من البكاء.
خلفها وقف ألبرت وإريك، كان ألبرت أكثر هدوءا لكن هدوءه لم يكن طبيعيا، وقف ساكنا ويداه إلى جانبيه وعيناه مثبتتان على إلين دون أن يظهر فيهما أي أثر للمودة المعتادة. أما إريك فكان أكثر وضوحا، كان ينظر إليه بجمود بلا سؤال أو ترحيب ولا حتى محاولة لإخفاء ما يشعر به.
الأمر سهل الاستيعاب حتى بالنسبة لطفل رضيع، ثلاثة أشخاص وثلاثة تعابير مختلفة لكن المعنى واحد.
الغضب والصدمة والكراهية.
وللمرة الأولى رأى إلين تلك النظرات، لكن لسوء الحظ كان استيعابه لهذه المشاعر أقل من طفل رضيع بالفعل، غير أنه عرف شيئا واحدا غريزيا على الأقل.
صباحه الهادئ قد انتهى.
"أنت أيها الأحمق، ما الذي تفعله هنا؟ ألا تخجل من نفسك حتى؟!"
قالتها صوفي بنبرة غضب شديد امتزجت باختناق في النفس ودموع منهمرة، ثم رددت بتكرار وهي تكاد تفقد أنفاسها.
"أنت مجرد شخص لعين آخر، لا تختلف عن أي لقيط. بسببك، بسببك أيها الأحمق، أليس لقيت حتفها، كل هذا بسببك–"
لم تستطع تمالك نفسها، انهالت على إلين بالشتائم المتلاحقة حتى فقدت ثبات أنفاسها وانقطع حبل صوتها تدريجيا، فبكت بصوت عال وهي تطأطئ رأسها نحو الأرض ودموعها تسيل بغزارة حتى احمرت عيناها.
بقي إلين يحدق في صوفي دون أن يفهم. كانت الكلمات تصل إلى أذنيه بوضوح لكنها تفقد معناها قبل أن تستقر في عقله. اختلطت الذكريات والأصوات في رأسه أليس، المدرسة، ألبرت، الليلة الماضية، كلها امتزجت في كتلة مشوشة لا يستطيع الإمساك بها.
فتح فمه محاولا الرد.
"أ.. ا.."
لم يخرج منه أكثر من ذلك.
عم السكون لثوان. بالنسبة لإلين بدت أطول بكثير مما هي عليه في الواقع.
ضاقت عينا إريك بحدة أمام هذا الجمود وذلك الصوت الخافت، بينما كانت نظارته تخفي اتجاه عينيه بسبب انعكاس الضوء الخافت عليها، هز رأسه بنظرة يحكمها الغضب والصدمة.
أما ألبرت فكانت ملامحه تبدي موقفا عدائيا بحتا، اتسعت عيناه وفتح فمه ضاغطا على أسنانه بقوة ومكشرا عن أنيابه بينما قست حواجبه خطوط وجهه، اجتاحت موجة ضخمة من الغضب والانفعال كل جوارحه واشتدت العروق على جانبي رقبته بوضوح.
تقدم ألبرت مسرعا نحو إلين، ومع أول خطوة اندفع إريك لإيقافه، لكن ألبرت دفعه بقوة نحو الجدار ليصطدم به. كان إريك غاضبا أيضا لكن سلوكه المنطقي ووعيه كانا حادين، ومع ذلك لم يستطع كبح ألبرت، كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها ألبرت بهذا الوجه الغاضب مما بث فيه ترددا جعله يتراجع خطوة إلى الوراء.
"أيها الوغد!"
وباندفاع عارم شد ألبرت قميص إلين بكلتا يديه من عند العنق وسحبه إليه رافعا إياه قليلا ومجرجرا إياه نحوه، وبفارق الطول الواضح بينهما اضطر إلى الميل برأسه نحو الأسفل لتلتقي جبهته بجبهة إلين بينما كانت عيناه تشدان على عينيه بقوة.
"أيها الوغد! ألا تفهم ما نحن فيه الآن؟ أليست ماتت؟ ماتت! هل تفهم ذلك؟ مضى على موتها يوم كامل، ومع ذلك تبقى هنا في المنزل بلا مبالاة ودون أن تسمع أي خبر أيها اللقيط، ألا تفهم أن أليس انتحرت؟ ومع ذلك لم تحضر تشييع جثمانها حتى، أيها الوغد أنت سبب موتها من الأساس!"
اتسعت عينا ألبرت وهو يرفع صوته صارخا أمام وجه إلين الذي ظل يحدق به بصمت.
"ماذا؟"
رد بارتجاف وخفوت.
"أيها الأحمق، لا تقل لي ماذا!"
وبسرعة شد ألبرت قميص إلين من عند الرقبة بقوة ورماه إلى الجانب الأيسر نحو الأرض. ارتطم جسده وظهره بالأرضية وضرب رأسه بقوة أخرجت منه أنينا متألما.
"أاغ!"
بقي إلين منسدحا يحدق في ألبرت الذي كان غضبه قد أعماه عن كل شيء.
"بسببك! بسببك أيها القذر! لماذا كان على أليس أن تعاني كل هذا وفوق ذلك يدخل شخص مثلك حياتها!"
صرخ بها بامتزاج واضح بين الانزعاج والرغبة في البكاء لكنه حافظ على ثباته. مع تلك الكلمات تراجع إلين إلى الخلف متكئا على الجدار محاولا الوقوف تدريجيا بيدين مسندتين على الحائط وقدمين تنثنيان بصعوبة، وهو يحدق في ألبرت بصدمة.
بدا كأنه يحاول قول شيء، لكنه عجز عن إخراج كلمة واحدة. بقي على تلك الحال دون أن يقف حقا، مما زاد من اشمئزاز ألبرت وغضبه من هذا الجمود، فاندفع وسدد ضربة قوية بقدمه إلى بطن إلين.
"أاغ!"
أصدر صوتا متقطعا ممزوجا بالألم والحيرة، تداعى ظهره مسندا إلى الجدار وسقط جالسا ممددا قدميه على الأرض، طأطأ رأسه نحو الأسفل يأخذ أنفاسه بينما سال يسير من الريق نحو الأرض بسبب شدة الضربة، معانيا في التنفس ويده اليسرى على بطنه ويده اليمنى ممدودة على الأرض.
اندفع إريك نحو ألبرت بسرعة ليمنعه من تسديد أي ضربة أخرى، ممسكا به من الخلف ممسكا بيديه حول بطنه ليرجعه إلى الوراء. لم يقاوم ألبرت لكنه كان مصدوما من ردة فعل إلين الجامدة والخالية من أي تبرير.
"أيها الأحمق، أجبني! هيا الآن قل لي لماذا! لماذا تقول مثل ذلك الكلام لها؟ لماذا تلاعبت بقلبها لهذه الدرجة؟!"
أكمل الصراخ وهو يشير بقبضته نحو إلين من بعيد بينما كان إريك يشده إلى الوراء لإيقافه. لم يكن ألبرت مندفعا برغبة في القتل بقدر ما كان يائسا، فاستمر بعبارات التنديد والشتم لإلين الذي ظل صامتا يلملم أنفاسه.
توجهت صوفي لإيقاف ألبرت هي الأخرى دون أن تلفظ كلمة، فقط أمسكت بيده وأشارت برأسها ذات اليمين وذات الشمال وهي تغلق عينيها وتبكي، معلنة بتموج رأسها أن كفى.
بدأ إلين ينهض ببطء ويده على بطنه. رفع رأسه أخيرا نحو الثلاثة، وكانت نظراته فارغة على نحو غير مريح. للحظة خف غضب ألبرت وتجمد إريك في مكانه، وكأن كليهما رأيا شيئا لم يتوقع رؤيته.
ترك إريك ألبرت ومشى نحو إلين مسندا يده على كتفه، أزال نظارته وظل مطأطئ الرأس ثم بدأ يهمس في أذنه.
"قرأنا ملاحظة أليس الأخيرة في هاتفها، إلين، لم أتوقع حقا أن تكون بمثل هذه الشخصية السيئة. أريد أن أوصل لك شيئا فقط، ورغم ذلك لا يمكنني تحمل فكرة صديق قال لها كلاما كهذا، أليس في ملاحظتها الأخيرة قالت في آخر سطر"
"...."
وقعت الجملة كالصاعقة.
بعد إلقاء هذه القنبلة تراجع إريك إلى الوراء وأعاد نظارته، ثم اتجه نحو ألبرت وصوفي اللذين كانا منهارين من كل ما حدث.
"حسنا، لنغادر الآن." ردد إريك لرفيقيه
بهذه الكلمات الباردة اتجه الثلاثة نحو الخارج. واصل إريك طريقه، وأثناء خروجه أخيرا، وقبل أن يغلق الباب، التفت إلى الوراء وأمسك بالمقبض ناظرا إلى إلين وهو يجثو على ركبتيه ممسكا ببطنه بيده اليسرى ورأسه مطأطئا إلى الأسفل.
" مثير للاشمئزاز انهض فحسب "
رفع نظارته قليلا بأصبعه حيث انكسرت أشعة الشمس مخفية حدة عينيه بشعاع خفيف، ثم أغلق الباب بهدوء.
...
مرت فترة من الزمن وإلين لا يزال باقيا في مكانه بالوضعية نفسها. بعد نحو دقيقتين نهض ببطء شديد وهو ينظر للأسفل، مشى قليلا وهو يسدل قميصه حيث كان مجعدا ومشدودا، ثم اتجه نحو المطبخ.
كان يعيش بالفعل في أحد الأحياء الحديثة لهيلذار، داخل شقة صغيرة تتكون من صالة معيشة ومطبخ مفتوح وغرفة خاصة.
ورغم أن السكن بأكمله مجهز بعزل حراري يغطي الجدران والنوافذ في كل الأرجاء، فإن سوء الحظ لم يفارقه هذا الأسبوع، إذ تعطل نظام التدفئة بسبب بعض أعمال الصيانة، ليغدو الهواء داخل الشقة باردا على نحو قارس.
غير أن ما يمر به حاليا لم يجعله يتدارك الإحساس الخارجي، فقد مشى فوق الأرض الباردة حافي القدمين متجها نحو صنبور المياه...
فتح صنبور المياه قليلا وأسند يديه إلى الحافة، ثم ظل يحدق في قاع الحوض بصمت.
هب سكون عميق داخل إلين وخارجه، مشاعره كانت هادئة إلى حد الفراغ، عيناه البنيتان حملتا جوف هاوية وهو ينظر إلى قاع حوض الغسيل.
تسربت هبة رياح خفيفة من تحت النافذة الصغيرة عبر فتحاتها الرفيعة، نسمة باردة لاسعة اجتاحت وجهه دون أن يبدي أي ردة فعل. ظل ينظر للنافذة من أجل لا شيء، يتأمل السحب القاتمة والمشهد البعيد الممتد للمدينة.
لم يمض وقت طويل حتى ذهب للحمام وسكب على وجهه الماء البارد مرارا وتكرارا.
"سحقا"
تمتم بخفوت مع نفسه، ثم أقبل أخيرا إلى فراشه، مدد ذراعيه على الجانبين مستلقيا على ظهره ومحدقا في السقف بلا هدف.
كان يفكر ويفكر لكن بلا فائدة، أشياء مثل تخيل قصة خيالية وبطل سياف وأحلام يقظة يسافر فيها حول العالم، لم يكن تركيزه منصبا حتى على واقعه وما يحدث له حقا، وعلى الأغلب لم يتدارك الأمر لحد الآن.
دقائق وهدأ تنفسه وبدأت عيناه تنغلقان تدريجيا حتى نام.
بعد ساعتين استيقظ فجأة، اتسعت عيناه ووقف بسرعة مفزوعا، ثم سرعان ما هدأ وعاد مستلقيا على فراشه.
"إذن ماتت"
حدق مجددا في السقف وهو يقول هذه الكلمات، ابتسم ابتسامة سخيفة وضاقت عيناه المتهالكتان من تعب التفكير.
"أنا السبب؟ هه، هراء!"
بقي يرمي بعض الضحكات الغريبة والكلمات العشوائية كشخص ثمل دون أن يشرب شيئا، استمر على هذه الحال يتمتم مع نفسه بكلمات غير مفهومة وضحكات ملتوية، تحرك قليلا ثم شغل حاسوبه وأخذ يلعب هنا وهناك بعشوائية دون هدف، ثم ترك يد التحكم ورماها نحو الأمام حتى انحدرت إلى آخر زاوية في الطاولة.
استلقى بكسل كبير مسدلا رقبته وراء الكرسي، يداه ممدودتان تحت بطنه وبين رجليه، رافعا رأسه عاليا ومغمضا عينيه، ثم أطلق تنهيدة طويلة استغرقت عشر ثوان كاملة.
"آه.."
بعد زفير طويل أخذ ما يقارب الدقيقتين بقي على تلك الحال.
مرت ساعات وساعات هنا وهناك، مرة يلعب ومرة يتصفح ومرة يستلقي ومرة ينام، وكان يأكل بشكل غير منتظم ومتقطع، شيئا مثل الإندومي بدون نكهات والكثير من الكعك الجاف.
استمر على هذا الحال ما يقارب الخمسة أيام مغلقا على نفسه مسدلا الستائر عن أي نور.
لم يكن عاجزا عن فهم ما يحدث له، بل كان يفهمه أكثر مما ينبغي. كان يفكر في أليس، وفي كلماته، وفي ردود أفعاله، ثم يعود ليفكر في أفكاره نفسها. لكن هذا الوعي لم يقده إلى أي مكان.
"خطئي أم خطؤها؟"
بعد خمسة أيام بدأ يحدث نفسه بشفتيه لا بعقله.
"إنه خطأي.. لا ليس كذلك... هل يمكنني القول إنه خطؤها في طريقة فهم كلامي؟ لكن لا يمكنني تحميل الآخرين مسؤولية ما يحصل بينما أنا من يبحث عن الحل، خاصة رمي عبئك على شخص ميت"
قالها بنبرة هادئة متأنية وهو منسدل على الفراش مدليا رأسه نحو الأرض ومستلقيا على بطنه.
"يا لي من أحمق، أقول كل ذلك الكلام ثم أشعر بالهدوء بعد كل هذا.. أليس.."
شد قبضته اليمنى بقوة وبدأ يضرب الفراش عدة مرات، اشتدت ملامحه وأصبح أكثر قتامة وغضبا مما كان عليه طوال هذه الأيام، ثم توقف وجلس متكئا على الجدار بظهره.
"أنا لا أستطيع حتى الحزن أو الندم بشكل حقيقي في النهاية سحقا لنفسي ولحالتي المزرية هذه"
ابتسم ابتسامة تهكمية وهو يسخر من نفسه.
"فكرت أنني سأمثل دور المشفق عليه أو الغاضب أو الذي يشعر بالأسى حول ما حصل، لكن مهما فعلت لإقناع نفسي بأنني المخطئ أو أن أليس هي التي لم تفهم ما أقصده باء ذلك بالفشل التام... تبا، مهما حاولت فإني أتهرب من واقعي المخزي فقط"
بنبرة هادئة عميقة كلم نفسه مجددا حول ما يشعر به. لاحظ شعاعا خافتا يومض من تحت غطاء السرير، انحنى قليلا نحو الغطاء وأخرج الهاتف من تحته.
"رقم من هذا؟"
تعجب من المكالمة ذات الرقم المجهول، رقم غير مسجل ضمن جهات اتصال هاتفه، ومع ذلك لم يتردد ورد على الاتصال.
في الحالة العادية كان سيتجاهل الرد أو يرفض الرقم، لكن بعد قرابة أسبوع من البقاء وحيدا دون الذهاب للمدرسة أو التمشي خارجا أو الكلام مع أحد، كان عقله السليم على الأقل يحثه نحو التغيير خارج قوقعته.
"سأبقى صامتا لمعرفة هوية المتصل دون إبداء فضولي حول هويته، قد تبدو فكرة غبية لكنها مفيدة إن كنت لا تريد أن تسأل حول ما إذا كنت قد سجلت رقم صديقك سابقا بجدية أو لا"
فكر في نفسه، ومرت حوالي عشر ثوان دون أي كلمة من الطرف الآخر.
"المتصل لا يتكلم؟ سأبقى صامتا أيضا، إنها معركة عناد إذن؟"
استغرب داخله لكنه كان عنيدا بشأن فكرته الغريبة. سمع صوت ارتجاج قلم من الطرف الآخر.
"جدي؟"
نطق بتعجب نحو المتصل دون تفكير.
"ها أنت ذا ترد الآن يا لعنادك "