كاتب
"ها أنت ذا ترد الآن، يا لعنادك!"
انبعث صوت عميق ورزين، تعلوه بعض البحة، من المكالمة.
"أوه.." أطلق إلين تنهيدة طويلة، واتسعت عيناه وارتفعت حاجباه. "كيف حالك يا جدي؟" أكمل بصوت هادئ ومتأنٍ.
"أنا بصحة وعافية.. على الأقل منذ أيام"، رد الجد بهدوء.
"ماذا أيضاً؟ هل هذه آخر أنفاسك قبل الموت؟" ألقى إلين نكتة مستفزة وساخرة، وهو يبتسم.
"ليس حقاً، جدك لا يزال حادّاً وشامخاً مثل أعالي آيسلندا!" رد الجد بصوت جهوري وفخور، ثم أكمل "لقد تلقيت اتصالاً هاتفياً من إدارة المدرسة. قيل لي إنك كنت متغيباً لأكثر من أسبوع. إلين، أنت لا تعبث في الأرجاء، أليس كذلك؟"
"تسك، إنهم مزعجون حقاً"، فكر إلين في داخله، ثم أردف قائلاً "معك حق، لم أذهب هذا الأسبوع إطلاقاً".
بإيجاز، أقرّ بصحة كلام جده.
ساد صمت لثوانٍ، قبل أن يعود الصوت مجدداً.
"هل تملك تفسيراً لما حصل، أو سبباً يدعوك إلى ذلك على الأقل، إلين؟"
كسر صوت الجد المشكك جمود اللحظة.
"إنها أشبه بوعكة صحية فحسب، إنهم يبالغون في الأمر لا أكثر"، أجاب إلين، مصراً على الاختصار والوضوح.
"يبدو أن لي رأياً آخر في ذلك"، تابع الجد. "ما رأيك أن تأتي إليّ في المنزل؟"
كان إلين متحمساً بوضوح من الداخل، لكن لسبب مضحك، على حد اعتقاده.
"حقاً؟" ثم تابع بسرعة "أنت لا تكذب، صحيح؟"
ضحك الجد وأكمل "يبدو أنك لا تزال كما كنت حين كنت صغيراً. هل تود بالفعل اصطياد بعض السمك هناك؟ الجو قاتم وهادئ بشكل ممل، كما تعلم، في ألفتانيس. لذا، إن أردت، تعال للتنزه قليلاً ومشاهدة الطيور أيضاً".
"لكن..."
قاطع الجد إلين قبل أن يتمكن من إكمال كلامه.
"إذا أردت حقاً القدوم، فعليك إخباري بما حصل لك".
أوه..
إذن، كل هذا من أجل التطفل على ما مررت به هذه الأيام. لا بأس بذلك، في الغالب سيصله الخبر عاجلاً أم آجلاً، لذا فهي مقايضة مربحة. إن أردت مشاهدة بعض المناظر، فأنا كئيب بالفعل.
فكر إلين.
من الغريب وجود أشخاص يعرفون نقاط ضعفهم ويتقبلونها بصراحة، ثم يجدون الحل المناسب لها بكل هدوء. كان إلين من هذا النوع من الأشخاص متقبلاً لواقعه.
"حسناً، ليس لدي مانع، لكنني أفضل الحديث عندما أصل إلى هناك".
كان جواب إلين صريحاً.
"إذا كان الأمر كذلك، فسأرسل إليك سائقاً ليقلك إلى منزلي".
"حسناً، سأجهز نفسي. لكن هل ما زلت مستقراً في ألفتانيس؟"
"نعم، بالفعل. إن كنت لا تزال تود صيد بعض الأسماك، فهذا وقت جيد، لكن عليك جلب حذاء سميك. أو هل تريدني أن أقرضك حذاء الصيد القديم؟" تكلم الجد وهو يقهقه.
"لا أريد، شكراً. اشتريت واحداً في السابق، ولا يزال جيداً".
"حسناً، كما تريد. أنتظرك بفارغ الصبر"، قال الجد.
بعد مرور ساعتين، جهّز إلين نفسه وركب السيارة مع السائق.
كان الجو بارداً بالفعل، ويبدو أن عاصفة قوية قادمة، ولهذا ارتأى إلين عدم العناد والذهاب بأبسط وأسهل وسيلة ممكنة وسيلة لا تكلفه الكثير ولا تستدعي منه مزيداً من التفكير، بعد كل ما مر به.
"إن أسلوبي اليومي في التعامل مع أبسط الأمور يقتضي مني اتخاذ الطرق السهلة ذات المردود الجيد والمخاطر القليلة. شيء مثل التنقل أمر سخيف إن فكرت فيه كثيراً، لكن مع ذلك، هذه التفاصيل هي ما يشكل شخصيتي في المستقبل".
تكلم إلين مع نفسه وهو ينظر من النافذة ويتأمل أفكاره.
المستقبل بالفعل لا يرحم، وبمجرد تشكّل هذه الخصال الصغيرة، ستتولد لدى المرء عقلية حذرة تجاه كل شيء. إنه حبل رفيع يفصل بين التهور والتردد. وبالنسبة إلى صغر سنه، فهو يدرك الكثير مقارنة بأقرانه.
"حسناً سيدي، لقد وصلنا".
تكلم السائق المسن.
كان الرجل قد شارف على إتمام عقده السابع من العمر، وله شارب أبيض كبير ووجه نحيل ترتسم عليه عينان مبتسمتان ضيقتان. كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً من الجلد وقبعة كلاسيكية سوداء مظهره يوحي بالأناقة القديمة.
"عفواً يا صديق جدي، لكن لا تنادني بالسيد. أفضل أن تناديني باسمي"، رد إلين وهو ينزل من السيارة، حيث كان يجلس في المقعد الخلفي.
ابتسم المسن قليلاً، ولم يرد بكلمة واحدة. لقد رأى في إلين مزيجاً من الكبرياء والتواضع مزيجاً يجمع بين الوقار القديم واللطف البريء.
"أطفال هذه الأيام الذين يتحلون بمثل هذه الخصال نادرون حقاً.. همم".
أكمل المسن حديثه في نفسه، وهو يبتسم.
تمشى إلين قليلاً، ثم توقف يتأمل السهول الممتدة على أطراف مقاطعة ألفتانيس، والتي تتناثر فيها المنازل ذات البساتين المتباعدة. تنهد واستنشق الهواء العليل والنقي لهذا المكان، ثم أطلق زفيراً طويلاً مبتسماً.
"يا للروعة! لهذا أفضل هذا المكان. كل حماسي كان من أجل هذا المنظر الخفيف والرقيق. لا يسعني إلا أن أستمع إلى صوت الرياح والأمواج، وقليلاً من العواصف البعيدة".
ردد إلين ذلك في داخله، وهو يشعر بسعادة غامرة.
بعد بضع خطوات، وصل إلى المنزل وطرق بابه.
كان البيت مكوناً من طابقين، مبنياً من الخرسانة المطلية بالرمادي الباهت، وقد غسل المطر لونه حتى صار أقرب إلى لون السماء. سقفه معدني قليل الانحدار، ونوافذه الطويلة تواجه البحر، وفي الجهة الأخرى مرآب مغلق الباب.
توجه إلين أخيراً إلى داخل المنزل، حيث استقبلته خادمة شابة بيضاء البشرة، ذات شعر اشقر ذهبي ، رقيقة القوام والملامح، ترتدي زي خدم أسود. ومع هبوب الرياح الخفيفة، تحركت خصلات شعرها القصيرة أمام عينيها، بينما كانت تبتسم بحفاوة مرحبة بإلين.
"مرحباً أيها السيد الشاب! تفضل إلى مكتبة جدك، إنه مشغول هناك، لكنه ينتظرك منذ الصباح".
هرعت إليه وهي تحمل عنه أغراضه بابتسامة جذابة.
"شكراً جزيلاً، سأذهب إليه"، رد إلين بهدوء.
لكن داخل رأسه كان يفكر
"أوه.. إنها جميلة حقاً، ولا تزال في العشرينيات فقط. يا لسوء الحظ، فارق العمر بيننا سنوات كثيرة.. ربما الخدم ذوق جيد أيضاً."
ابتسم ابتسامة ماكرة وهو يمضي، كاتماً ضحكته. كان يلقي بعض النكات داخل رأسه ويضحك عليها.
بعد أن طرق الباب عدة مرات دون أن يتلقى استجابة، أقبل إلين على فتحه دون إذن.
"مرحباً جدي..."
لم يكمل إلين كلامه فقد شده شرود طويل وصمت مطبق نحو جده.
كان الجد ذا ظهر عريض وشامخ، وشعره الأشقر المصفف إلى الخلف جعله يبدو كتمثال ضخم. كان ممسكاً بصورة قديمة، يتأملها بعمق وحزن شديد، واقفاً بجانب النافذة.
نظر إلين أيضاً إلى الصورة من بعيد، وهو يقف بجانب رف الكتب. ضيّق عينيه وظل يحدق فيها طويلاً، وكأنها هاوية تبتلعه في صمت.
"لماذا تضع هذه الصورة في إطار داخل مكتبك؟... أهناك شيء مميز أو مشرق فيها؟"
تكلم إلين مع جده بنبرة حادة ممزوجة ببعض الغضب.
حمل الجد الصورة ووضعها جانباً على المكتب، ثم رفع رأسه محدقاً في النافذة، حيث امتد مشهد البحيرة في الخلفية. رفع نظارتيه قليلاً، فانعكست عليهما أشعة الشمس الخافتة.
أطلق تنهيدة ثقيلة وطويلة، ثم أخرج صفيراً يائساً قبل أن يلتفت إلى إلين، وهو يفرك لحيته التي بدأ الشيب يتخللها.
"لا تزال حساساً كما عهدتك".
رفع رأسه قليلاً، ومع هذه الكلمات أخذ يحدق في إلين بحدة واضحة.
كان المشهد مربكاً بقي الاثنان يحدقان في بعضهما بعضاً بحدة كبيرة، لا تشوبها شائبة، ولا تظهر على أي منهما ملامح المودة.
ومع تبادل النظرات، دوى صوت طرق خفيف ورقيق على الباب.
كانت الخادمة نفسها تحمل صينية عليها أكواب الشاي وبعض الكعك الطازج. تغيرت ملامحها قليلاً إلى الارتباك والقلق، مدركة أنها تقاطع لقاءً عائلياً، وفي أسوأ الأحوال.. لقاءً جاداً.
"أ.. آه! عذراً سيدي لعدم استئذاني! أه.. هذا هو الشاي الذي طلبته، وهذا هو الكعك الذي تفضله سيدي! استمتعا به، رجاءً، وعذراً على مقاطعتكما!"
كانت تتلعثم قليلاً أثناء حديثها، وقد بدا عليها القلق والارتباك الشديدان.
مع ذلك، قاطع الجد كل ما حدث بابتسامة، وهو يشير بيديه إليها.
"لا عليك يا غريشيا، أخبرتك سابقاً أن تناديني جدي بدلاً من سيدي، فأنت جزء من هذه العائلة. أم أنك خجلت بمجرد حضور إلين؟ لا بأس، إنه مجرد فتى شقي، تجاهليه فحسب".
أطلق ضحكة مبحوحة ساخرة، وهو ينظر إليهما.
"هاه؟"
رد إلين بتهكم واضح، وكأنه محبط من كلام جده.
"لا، لا أيها الجد! أنا آسفة حقاً، لم أقصد ذلك!.. السيد إلين، أنا أيضاً أستميحك عذراً، سأغادر بسرعة!"
امتلأ وجهها باللون الأحمر، وقد بدت مفزوعة بشدة وخجولة، ولهذا غادرت بسرعة وأغلقت الباب خلفها.
"حسناً، إنها خجولة بطبيعتها. يحدث هذا كثيراً عندما تكون هنا"، أردف الجد وهو يحمل الشاي ويجلس على الأريكة.
"هاي، أنت لا تورطني في مسرحيتك السخيفة.. أنا جدك؟ لا تجعلني أضحك! يبدو أنك أصبحت شاعرياً كثيراً مع تقدمك في السن!"
قال إلين ذلك مستهزئاً بجده.
"هون عليك، اجلس واشرب الشاي يا إلين. أنت تعلم أنني تبنيتها منذ أن كانت صغيرة، وأنا فقط أمنحها عملاً هنا لكي لا تشعر بأي ثقل أو دين تجاهي".
قال الجد ذلك وهو يرتشف الشاي.
"هييه.. حسناً، حسناً".
ثم أكمل وهو يجلس على الأريكة المقابلة لجده
"لكنّك لم تجب عن سؤالي، أم أنك تتهرب؟"
رشف الجد رشفة طويلة، ثم وضع كوبه واتكأ إلى الخلف.
"إذاً، هل تريد معرفة ذلك بشدة، أم أنك ببساطة غاضب من الماضي؟"
رد الجد بلهجة حادة.
"لا أهتم بما حدث سابقاً، فالحياة لن تتوقف عنده، لكنني ملزم بالحصول على إجابة واضحة أيضاً".
رد إلين بهدوء وحدة.
"سأجيبك، الأمر بسيط.. كل عائلة طبيعية، أو كل فرد من أفراد العائلة، يضع صورة لأقاربه الراحلين في منزله أو شقته أو حتى ساعته.. ألم تقرأ ذلك يا دودة الكتب؟"
رد الجد بسخرية.
"نعم، لكن الأمر غريب عندما يكون الشخص الذي يقوم بذلك شخصاً لم تكن له أي صلة حقيقية بتلك العائلة.. والأسوأ أنه لم يُبدِ أي اهتمام حتى في مراسم دفن أقاربه".
قال إلين ذلك.
"تسك.."
أصدر الجد صوتاً ضاجراً.
"يبدو أنك لا تتعلم".
وضع الجد يده في جيب معطفه المنزلي، وأخرج ورقة بيضاء مطوية، ثم وضعها على الطاولة بهدوء وأخذ يدفعها نحو إلين.
"إذاً.. إلين أولافسون، إن كنت تريد الإجابة بشدة، فلك ذلك".
هز الجد رأسه ووقف بجانب النافذة محدقاً في السماء.
حدق إلين في الورقة لوهلة، متردداً في فتحها، لكن كما هي عادته، ساقه فضوله إلى فتحها وقراءتها.
"هذه وصية والدك أولاف، كتبها قبل وفاته.. يمكنك التصديق أو التكذيب كما تشاء، نظراً إلى شكوكك الكبيرة. لكن الحقيقة واحدة، وهي أن ما كُتب هناك موجه إليك.. اقرأها بتمعن، رجاءً".
قبل أن يكمل الجد كلماته، واجهه صوت حاد من خلفه
"هراء!"
وبكلمة واحدة، رمى إلين الورقة إلى الجانب الآخر من الطاولة.
"لقد استهنت بي بحماقة كبيرة حتى أصدق مثل هذه الحيلة الرخيصة.. الابتزاز؟.. أم تثمين جهودك في إيصال الكلمة؟ كلها سخافة سيؤمن بها من هم في سني.."
وفي أعماقه، كان يضحك على أداء جده.
"أوه.. ماذا تقصد بكلمة هراء؟ أبهرني معك".
التفت الجد قليلاً نحو إلين.
"ليس لدي متسع أو طاقة كافية لشرح كل شيء لك. أنت تعلم بالفعل ما أقصد، لذا ليس عليّ إضاعة الوقت في مجاراتك بسخافتك".
بلهجة لامبالية وتعابير جامدة، نهض إلين من مكانه واتجه نحو الباب.
دوّى صوت تصفيق في الغرفة.
"رائع، رائع! هنيئاً لك.. فطن كعادتك. يبدو أن سنوات تعليمي لك لم تذهب سدى".
ردد الجد هذه الكلمات بنبرة ضاحكة وابتسامة باهتة.
"لا يجب عليك أن ترهق نفسك بلعب هذا الدور يا فرانز.. قلها ببساطة لقد فشلت في محاولة التلاعب بي عبر حيلة رسالة رخيصة. يا لبؤسك في آخر أيامك".
قال ذلك وهو يمسك بمقبض الباب، بلهجة باردة لا يشوبها تردد.
"لا بأس بذلك، لربما ظهرت عليّ أعراض الخرف والجنون في هذا السن.. أولاد هذه الأيام غير صبورين، أدرك ذلك. لذا، هل بإمكانك أن تكتب لي شيئاً على الأقل؟ مثل كتاباتك التأملية سابقاً؟ سأكون مبتهجاً بذلك في آخر أيامي".
قال الجد بلهجة ودودة.
ابتسم إلين ابتسامة صغيرة ماكرة بينه وبين نفسه، لم تكن واضحة لفرانز.
"إذاً، قلت كتابات؟ لم أعد كما كنت سابقاً، ولم أعد مهتماً بالكتابة حقاً. يمكنني، على أقل تقدير، إظهار وصف بالٍ على شكل كلمات في مسودة صغيرة. هل ترضى بذلك على الأقل وتتركني أذهب للاستحمام، أم أنك ستبقى تثرثر؟"
قال إلين ذلك وهو يلتفت إلى جده، رافعاً رأسه قليلاً، ومتّكئاً بظهره على الباب، ومادّاً ساقيه بضجر.
"حسناً، تفضل. أتطلع إلى تميزك".
ردد الجد ذلك.
أخذ إلين قلماً كان موضوعاً في منتصف رف الكتب، وبدأ الكتابة على الجهة البيضاء الفارغة من الورقة المطوية.
لم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة حتى أكمل الكتابة. أكانت كتابة سخيفة أم جادة؟ كل ذلك يعود إلى تفسير القارئ، حسبما يراه إلين.
القارئ هو مرآة الكاتب!
"حسناً، خذ وأرحني".
تنهد إلين بضجر شديد.
أخذ الجد الورقة وبدأ يقرأ، وهو يفرك لحيته الشائبة.
"همم!"
اتسعت عيناه بوضوح، ورفع نظارته قليلاً، ثم بدأ بالضحك.
"هاهاها.. رائع، رائع! أنت تتحدى بهذه الكلمات نصف البشر الآن يا إلين!"
رد الجد بسخرية واضحة.
"ليس بالأمر الجلل، هذه أشياء نراها كل يوم، وقد كتبتها في مقطع صريح وركيك".
رد إلين.
نهض إلين وتحرك مغادراً الغرفة، لكنه قبل ذلك سمع كلمات أخيرة كانت قد حركت شيئاً في داخله
"تحتاج هذه الكلمات إلى شيء من الصقل.. صقل في الواقع".
كانت كلمات هادئة من الجد، لكنها اخترقت مسامعه.
ارتباك أم قلق أم حيرة؟ يمكن للبشر تفسير الأمور على أي نحو يريدون، بما يتناسب مع أهوائهم، لكن في تلك الأثناء، كانت هذه الكلمات تعني الكثير من الأمور المتشابكة والمعقدة بالنسبة إلى إلين.
ومع ذلك، أكمل إلين خروجه برفق.
وبقي يكرر في أعماق نفسه
"إن الكلمات هي شر.."
بعد وقت طويل، أخذ إلين حماماً دافئاً، وهو يفكر ملياً فيما دار بينه وبين جده.
من الجانب الآخر، كانت غريشيا متوترة وقلقة مما حدث بين إلين وجده. فقد كانت تتنصت وتستمع إلى بعض الكلمات المتبادلة بينهما، وهذا ما دفعها إلى التفكير ملياً في طبيعة علاقتهما المعقدة.
أكمل إلين بقية اليوم نائماً. فبعد الاضطراب الكبير الذي عاشه في شقته، كان نومه سيئاً بالتأكيد، ولهذا، ومع شعوره بالتعب الشديد، غط في نوم عميق.
حضّرت غريشيا العشاء، الذي كان مزيجاً من عدة أطباق شهية مناسبة لفصل الشتاء حساء ساخن باللحم والخضار، وسمك السلمون، وبعض المقبلات والمشروبات.
لكن لسوء الحظ، لم يرغب إلين في تناول العشاء. لم يكن ذلك غضباً مما حدث بينه وبين جده، بل لأن النوم المريح الذي ينشده كان أثمن من أي شيء آخر.
جلس الجد وغريشيا فقط على المائدة كالمعتاد، في صمت وهدوء، إلى حد سماع صفير الرياح خارج المنزل.
وبابتسامة ممتنة، صبت غريشيا بعض الشاي للجد فرانز. ارتشف الجد قليلاً منه، ثم بدأ الكلام
"يبدو أنك قلقة مما حدث بيني وبينه قبل قليل".
تكلم وهو يرتشف الشاي مرة أخرى.
اتسعت عينا غريشيا في فزع تام بعد سؤاله، وكانت خجولة للغاية، مما دفعها إلى الكلام بسرعة وتوتر
"الجد!.. آه، أنا آسفة! لكنني كنت فضولية بعض الشيء بشأن ما الذي أزعج السيد إلين في تلك الصورة".
سألته بفضول، محاولة فهم طبيعة العلاقة بينهما.
"أوووه.. إذاً كنت تتنصتين علينا؟ هيهي، يا لك من شقية!"
ضحك الجد باستخفاف، ثم أكمل
"لكن لا بأس، سأحكي لك السبب. فأنت بالفعل جزء من العائلة، ومن غير اللائق إخفاء الأمر عنك".
احمر وجه غريشيا من شدة خجلها من نفسها. لقد شعرت بتأنيب الضمير تجاه تجسسها على ما جرى، لكن فضولها الشديد جعلها تنصت بتركيز إلى ما سيقوله الجد.
"نعم! سأستمع إليك أيها الجد".
أجابت بحماس شديد.
وضع الجد الشوكة المغروزة في قطعة اللحم على جانب الطبق، ثم أخذ يشرب كأساً من الماء وبدأ بالكلام
"في الحقيقة، لقد كان غاضباً بسبب أنه لم يحضر أي شخص من العائلة مراسم دفن والديه عندما كان صغيراً. لم يكن متألماً من ذلك بقدر ألمه من عدم معرفة السبب. على الأرجح أنه خمّن الخطيئة التي ارتكبها والداه حتى يُتركا وحيدين، حتى في موتهما".
أكمل الجد
"لكنني أنا تحديداً واحد من هؤلاء الأشخاص. في ذلك الوقت، كنت في أواخر أيام قوتي، ولهذا لم أكن أهتم بأي شيء. كان انشغالي منصباً حول هذه الحياة المملة، ولهذا السبب تحديداً انزعج إلين كثيراً. والأسوأ أنني الشخص الذي تولى تربيته بعد ذلك.. كم هذا سخيف".
كانت غريشيا تستمع بإنصات، قبل أن يخطر ببالها سؤال أثار فضولها بشدة
"أيها الجد، لكن ما سبب وفاة والدي إلين وترك الناس لهما؟ هل فعلا شيئاً سيئاً جعل الناس ينفرون منهما؟"
ارتفع حاجبا الجد وضحك قليلاً، ثم أجاب
"لا، هاها! على العكس تماماً! أولاف فرانزسون وزوجته كانا أنقى من الثلج الأبيض".
تعجبت غريشيا وردت بحماس وقلق
"إذاً ما سبب ذلك؟ كيف توفيا؟"
اندفعت إلى الأمام قليلاً، وقد بدت عليها علامات التوتر الشديد.
فوش!
اقترب الجد بحزم كبير، وضرب الطاولة بيديه الضخمتين. كانت عيناه الغليظتان موجهتين نحو الفتاة، ثم همس بنبرة جادة وباردة
"هل تريدين معرفة ذلك حقاً؟ إنها قصة مؤلمة بعض الشيء بالنسبة إليك".
ابتلعت غريشيا ريقها في فزع وخوف شديدين من ردة فعل الجد.
"آه.. نعم—"
"تسك!"
قبل أن تكمل كلامها، لمحت بسرعة شخصاً واقفاً أمام باب المطبخ، مستنداً بظهره إلى الحائط، وقد عقد ساقيه ووضع يديه في جيبيه، بينما ارتسمت على وجهه نظرة اشمئزاز وانزعاج واضحة وقاتمة.
"أترككما قليلاً فتكثران الحديث عني! اهتما بأموركما الشخصية، لماذا عليكما تضييع الوقت في شؤون الغير بلا فائدة؟"
صرخة مدوية في الأرجاء
"هيييه!.. إلين!"
"منذ متى وأنت تستمع إلينا؟"
كانت غريشيا مفزوعة من ظهوره المفاجئ.
تقدم إلين بروية نحو المائدة، منزعجاً بعض الشيء.
"أيها العجوز، أنت كثير الكلام حقاً!"
ألقى هذه الكلمات على مسامع الجد فرانز بعد جلوسه على المقعد.
لربما هنالك أشياء يجب على المرء أن يخفيها، بينما هنالك أشياء أخرى تستوجب إظهارها. بالنسبة إلى إلين، كان ذلك تفكيراً عقلانياً وطريقاً صحيحاً في الحياة.
"هاه.. حسناً، لك ذلك".
تنهد الجد بضجر.
...
ريكيافيك، السابعة صباحاً، عند ضفاف نهر أولفارسا.
كان البرد القارس في فصل الصيف عند هذا المجرى أمراً اعتيادياً. أما المروج الخضراء الممتدة في كل مكان، فقد زينتها أشجار الصفصاف الأصفر والورود المزهرة. ومن جانب آخر، كان بإمكانك رؤية الحقول المخصصة للرعي على بعد أميال، هنا وهناك.
كان صيد الأسماك بمثابة تقليد بسيط في هذا النهر.
"وأخيراً اصطدت واحدة!"
شعر إلين ببهجة كبيرة وامتنان في داخله.
"آه، مرت أربع سنوات بالفعل، ولا أزال أتذكر تلك الأحداث الغريبة.. يا لبؤسي، أتساءل ماذا حل بالرفاق الباقين، وكيف أصبحت غريشيا الآن".
تمدد إلين واستلقى على ضفة النهر بين الحشائش الخضراء، وهو يفكر فيما مضى من الوقت وما مرّ به خلال حياته.
"لا يهم.. لدي بعض الانشغالات في الجامعة الآن، لذا ليس عليّ التفكير كثيراً بشأن ما حدث سابقاً".
أن أمضي إلى الأمام.. هذا ما أتعلمه وأدركه أكثر فأكثر كل يوم.
رنّ الهاتف.
"هاه؟ إنهم لا ينفكون عن تركي أرتاح.. مجدداً! إنهم نادي الكتاب. لأسبوع كامل وهم يُلزمونني بحضور اجتماع التدقيق والتصحيح لكتابي القادم. ألا يستطيعون فعل ذلك بأنفسهم؟ سحقاً!"
في ظل سنواته الأخيرة، أكمل إلين طريقه ككاتب مستقل. ورغم استيائه مما آل إليه وضعه، فإنه لا يزال يواصل الكتابة.
"أن أكتب إذاً.. آه.. أمر سخيف".