إليكم عالمنا
صوت بكاء... نحيب متقطع... أنفاس متسارعة... وفرقعة أصابع
"ههه يا لكِ من جبانة هيا ردي علينا ألا تستطيعين فعل ذلك أيتها البشعة ، أوه ! أنتِ مزعجة بحق ارفعي رأسكِ وأنا أتحدث!"
قالتها الفتاة بسخرية لاذعة وهي تشد شعري إلى الأعلى بعنف بينما كان وجهي مغمورًا بالدموع والعرق المتصبب وعيناي محمرتين من كثرة البكاء، أما أنفاسي فكانت تخرج متقطعة بصعوبة وسط حصار ثلاث فتيات من زميلاتي في المرحلة المتوسطة ندرس جميعًا في الفصل نفسه
كم يبدو ذلك بعيدًا الآن رغم أن الخوف الذي شعرت به حينها ما زال حاضرًا بوضوح
شخص ما أرجوك أوقفهن-
" مرحبًا، عذرًا على المقاطعة لكن ماذا تفعلن هنا"
انطلق الصوت من خلفهن فجأة فاستدارت الرؤوس نحوه، ليظهر فتى بشعر قمحي وعينين بنيتين داكنتين تحملان برودة أقرب إلى الصقيع كان أقصر مني بقليل كما أنه أحد زملائنا في الفصل
"ها وما الذي تريده أنت أيضًا؟"
ردت إحدى الفتيات بنبرة تهكمية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وكأن وجوده يزعجها أكثر من أي شيء آخر
"ماذا تقصدين بماذا أريد هذا مقعدي أريد الجلوس حالًا"
أجاب ببرود تام ثم أشار إلى المقعد الواقع خلف مقعدي مباشرة بمحاذاة النافذة
"نحن نلعب مع صديقتنا المضحكة هنا أظن أننا سنقضي وقتًا ممتعًا وطويلًا معها أليس كذلك؟"
قالتها الفتاة التي كانت تشد شعري وقد ازدادت ابتسامتها استفزازًا وسخرية
"أنا لا أهتم بلعبتكم السخيفة هذه فقط تنحوا جانبًا عن مقعدي"
قاطعها بالنبرة نفسها التي دخل بها إلى الفصل وكأن ما يحدث أمامه لا يعنيه أصلًا إلا أن الضيق ظهر واضحًا على وجوه الفتيات وهن يتبادلن النظرات فيما بينهن
"حسنًا توقف عن هذا التهكم سنذهب!"
تنهدت إحداهن بضجر ثم أتبعت ذلك بتمتمة حادة
"آخ! أولاد هذه الأيام مزعجون"
بدأت الفتيات بمغادرة الفصل لكن قبل أن تخرج إحداهن التفتت نحوي لتمنحني ابتسامة خبيثة بينما كانت عيناها مشبعتين بالازدراء، الأمر الذي جعلني أخفض نظري إلى الأرض بشكل تلقائي، بعدها بلحظات اختفين جميعًا من المكان
ساد الصمت أخيرًا ومع ذلك لم أستطع تجاهل رغبتي في شكره فقد تدخل بطريقة غريبة لكنه أنهى ذلك الموقف على الأقل
"شكرًا لمساعدتي"
خرج صوتي خافتًا ومترددًا عندها رفع نظره نحوي وكانت نظرته الحادة المعتادة كما هي غير أن شيئًا ما بدا مختلفًا هذه المرة
"أنتِ مخطئة لا علاقة لي بما يحدث لكِ كنت أريد الجلوس على مقعدي ليس إلا"
قالها بنبرة تحمل شيئًا من التهكم لكن خلف تلك الكلمات كان هناك إحراج خفيف أحسست به رغم محاولته إخفاءه كما أن شيئًا من الغطرسة امتزج بطريقة حديثه حتى بدت ملامحه وكأنها تناقض كلامه تمامًا ومع ذلك لم أرد بناء استنتاجات من خيالي
"عذرًا أنا آسفة على كلامي"
حتى الاعتذار البسيط كان كافيًا ليجعلني أشعر بالارتباك
كم أنا سخيفة-
"لا بأس"
توقف لثوانٍ قليلة وكأنه يفكر في شيء قبل أن يضيف
"لكن"
عندها أدار رأسه نحو النافذة متجنبًا النظر إلي ثم أردف بصوت أكثر هدوءًا
"إن تعرضتِ للتنمر مجددًا يكفي أن تطلبي المساعدة من أحد ما لذلك لا تترددي"
قيلت الجملة ببساطة شديدة إلا أن هدوءه منحها طابعًا غريبًا حتى بدت لي كنصيحة صادرة من رجل حكيم أو أب أكبر سنًا ولسبب لا أفهمه وجدت ذلك مضحكًا بعض الشيء في داخلي فلا أعلم إن كان يتقن لعب هذا الدور فعلًا أم أن تلك شخصيته الحقيقية منذ البداية لكن النتيجة واحدة في النهاية
بدا شخصًا لطيفًا رغم أسلوبه الجاف
"معك حق لكن الأمر ليس سهلًا حقًا كما تعلم"
خرجت الكلمات من فمي دون تفكير بينما كانت ملامحي تعكس مقدار الضعف الذي أحاول إخفاءه-
"لا عليكِ"
قاطعني في هدوء وهو يضع دفتره فوق الطاولة ثم بدأ يرتب أقلامه بعناية قبل أن يتابع
"أنتِ بالفعل شخص جيد متفوقة في الدراسة وحسنة الخلق مع الجميع لذا يجب أن تدركي أن أكثر ما يزعج الناس في الشخص هو الشيء الذي عجزوا عن امتلاكه"
بعدها فتح دفتره وأمسك قلمه كأن الحديث كله أمر عابر بالنسبة له ثم أكمل
"لكن مع ذلك يجب أن تدركي أيضًا أنكِ سيئة في التعامل مع ضعفك ومواجهة من يؤذيك"
"نعم أدرك ذلك"
تمتمت وأنا مطأطئة الرأس ربما بسبب الخجل من وصفه لي وربما لأن جزءًا مني كان يعلم أنه محق أكثر مما أريد الاعتراف به
"مع ذلك عندي لكِ طريقة ربما ستفيدك لا أدري حقًا"
قالها وهو يرسم بضع خربشات ومسارات وخطوط على الورقة أمامه وكأنه يرتب أفكاره من خلالها ثم رفع عينيه قليلًا قبل أن يتابع ...
"حسنًا نحن نعلم أن التنمر شيء سيء أليس كذلك؟"
"لكن ماذا لو رأيناه بطريقة أكثر سخرية وإيجابية؟"
أضاف ذلك باهتمام وقد بدأت أشعر بالفضول تجاه ما يريد قوله
"ماذا تقصد؟"
"في الحقيقة أفترض فقط من رأسي وهي نوعًا ما فلسفة غريبة مني لكن..."
توقف للحظة بينما استمر قلمه في التحرك بين الخطوط العشوائية
"التنمر في الحقيقة مصدر نضج"
رفعت نظري إليه باستغراب فتابع حديثه بنبرة هادئة
"بالفعل هو فعل سيء لكن إن جاء في وقت جيد وحساس من نمو الفرد وصوحب بمعالجة جيدة للموقف وأدى ذلك إلى تغيير عقلية المرء فهذا أمر يصب في مصلحته أكثر"
بقي يرسم على الورقة وكأن أفكاره كانت تتشكل أمامه مع كل خط يضيفه
"لنفترض أن شخصًا ما كان يقوم بعدة أشياء غبية أو ربما مثيرة للإحراج له ولغيره ربما لن يفهم ذلك عن طريق النصح أو على الأقل قد يخاف أصدقاؤه من قول الحقيقة له حتى لا يجرحوا مشاعره"
توقف قلمه للحظة ثم أكمل
"مع ذلك إن تمت مواجهته بالتنمر والسخرية منه فلربما سينضج أكثر ويتعلم ، خاصة إذا كان الأمر في مرحلة المراهقة حينها سنتحصل على كثير من الدروس القيمة والتجارب المفيدة رغم قسوتها"
ثم أضاف باهتمام وكأنه وجد الفكرة أكثر وضوحًا الآن
"أعني أن الإنسان لا يتعلم دائمًا من الكلمات اللطيفة ربما يحتاج أحيانًا إلى تجربة تجعله يرى ضعفه بنفسه"
ظل يرسم دوائر عشوائية وهو يستمع إلي وكأنه لا يريد أن يقاطعني
"فهمت وجهة نظرك لكن ماذا عن حالتي؟"
توقفت يده فوق الطاولة قبل أن أجد نفسي أمام نظراته فجأة فقد رفع رأسه نحوي بطريقة أربكتني وهو يوجه قلمه نحوي
"حسنًا الأمر بسيط غيري طريقة تفكيرك ليس الأمر وكأنكِ حقًا لا تستطيعين مواجهتهن"
التفت إلي بتلك السرعة التي جعلتني أرتبك أكثر فقلت بتردد
"لم أفهمك حقًا-"
"مثلًا اعتبري التنمر عليكِ طريقة لاختبار مدى تحملك وقوتك"
أعاد نظره إلى الورقة ووضع قلمه ثم تابع بصوت ثابت
"أو اجعليه سببًا لمواجهة ضعفك وطريقة لتغييرك ، في النهاية أكثر الطرق تعليمًا وصدقًا لنا كبشر هو الألم لا غير"
بقيت صامتة للحظة وأنا أحاول استيعاب كلامه ثم خرج اعتراضي بصورة تلقائية
"إذن أنت تقول لي إنه يجب علي فقط أن أتألم؟ هذا أمر سيء أنت تعرف بالفعل مقدار الأذى الذي سأحصل عليه"
لم يتغير تعبير وجهه كثيرًا ولم يبد عليه الانزعاج من كلامي بل قاطعني بصوت هادئ
"الأمر راجع لكِ لا أحد سيفرض عليكِ فلسفة محددة للعيش لكن النتائج هي من ستخبرك بمدى صحة طرقك وأنتِ بالفعل قد اختبرتِ ذلك"
توقف قليلًا ثم وضع القلم على الورقة ونظر إلي مباشرة
"لذلك التغيير لا يبدأ من أفعالك فقط بل من فهمك للأمور جربي فلا أحد سيلومك وإن قررتِ ألا تتحركي فهذا خيارك أيضًا ، لكن ضعي في الحسبان أن كل وقت يمضي وأنتِ متمسكة بمثلك العليا سيجعلكِ أسيرة نفسك فقط"
ساد الصمت فجأة وكانت كلماته أهدأ من النسيم العليل الذي يتسلل من نافذة الفصل
لم أجد ردًا حقيقيًا أقدمه له وظللت أكرر كلماته في رأسي محاولة استيعاب ما قاله بينما كنت من جهة أخرى حائرة من سلاسة حديثه وسرعة طرحه لأفكاره، لم يكن الأمر شيئًا يدعو للذهول فعلًا لكنني شعرت أن هناك شيئًا غريبًا في كلامه وكأن هذه الكلمات لا يمكن أن تصدر بسهولة من صبي في مثل عمره
رفعت عيني قليلًا نحو وجهه فوجدته لا يزال يحدق في الورقة أمامه متكئًا على راحة يده اليسرى بينما يرسم دوائر وخربشات عشوائية بهدوء وكأن حديثه السابق لم يكن أمرًا يستحق كل ذلك التفكير...
تمعنت في عينيه البنيتين لوهلة كانتا جافتين تمامًا أو هكذا افترضت على الأقل لكنني شعرت منذ البداية أن فيهما شيئًا غريبًا شيئًا لم أستطع فهمه وربما كان ما قاله سببًا في ملاحظتي لذلك الآن أكثر من أي وقت مضى
موت... أسى... ندم...
كانت تلك الكلمات أول ما خطر في بالي وأنا أحدق في عينيه، ربما كنت أسقط مشاعري عليه دون أن أدرك وربما لم يكن هناك شيء من ذلك أصلًا لكن إحساسي أخبرني بعكس ذلك وإحساسي لا يخطئني عادة
مع كلماته تلك نسيت نفسي تمامًا ولم أجد أي رد يمكنني تقديمه فاكتفيت بالصمت ثم وجهت نظري نحو النافذة قبل أن ألتفت إلى الأمام وأبدأ بإخراج أغراضي المدرسية
أكره بالفعل كل هذه الأيام التي أمر بها
أكره السخرية التي أتعرض لها وأكره أكثر أنني عاجزة عن تغيير شيء
حتى في المنزل لا يرونني إلا كآلة للأداء والنتائج لا أحد ينظر إلي كشخص لديه رغباته وأفكاره وأشياء يريد تحقيقها ، بالنسبة لهم أنا مجرد فتاة يجب أن تكون جيدة بما يكفي دائمًا
إنني أكره كل هذا
شعرت بغصة تختنق في حلقي وببكاء عالق في داخلي يحاول الخروج ببطء وكلما حاولت تجاهله ازداد ثقلًا حتى لم أعد قادرة على احتجازه
لم أتمالك نفسي مجددًا
كنت حينها في غرفتي منهمرة بالبكاء وقد اختفى كل ما حاولت إظهاره من تماسك
لا أريد أن أبقى هكذا إلى الأبد
سأتغير بالفعل
سأسحق كل هذه الحياة السيئة...
...
ريكيافيك بالقرب من حي هيلذار...
الآن وقد بلغت السادسة عشرة أصبحت طالبة في ثانوية هامراهليذ (Menntaskólinn við Hamrahlíð - MH)
اخترت هذه المدرسة لسبب واحد فقط الاستقلالية التي سأحصل عليها هنا فقد فعلت المستحيل حتى أصل إليها بإرادتي وتفوقت في جميع الامتحانات والمتطلبات المحددة للالتحاق بها وها أنا الآن في صف العلوم الاجتماعية وقد حصلت على المركز الأول في امتحانات القبول
كان شتاء آيسلندا قاسيًا كعادته الثلج يغطي الشوارع والبرد يلسع الوجوه ومع ذلك لم تعد هذه الأجواء تعني لي الكثير بل على العكس كانت تمنحني شعورًا غريبًا بالتقدم إلى الأمام
منذ الحادثة الأخيرة تجاوزت كل تلك السخريات والضحكات بل يمكنني القول إنني تغلبت عليهن في النهاية وكنت السبب في نقلهن إلى مدرسة إعدادية أخرى
ذلك الولد ربما كان محقًا في كلامه
كان علي أن أفعل ذلك منذ البداية
أن أتغير
أن أصبح أقوى بدلًا من الاستمرار في تحمل ذلك الهراء
نعم ربما كنت في الماضي مجرد فتاة تبكي كثيرًا وتخفض رأسها أمام كل من يرفع صوته عليها لكن تلك الفتاة انتهت الآن
علي أن أسحق كل من يحاول إنهاك حياتي
شيئًا فشيئًا بدأت أبتعد عن عائلتي أيضًا فهم لا يرونني إلا كشخص يجب عليه تحقيق كل شيء والوصول إلى أفضل النتائج ولهذا لم أعد أهتم بإرضائهم من الآن فصاعدًا
أنا أعرف جيدًا مكانتي هنا
في هذه الثانوية أصبحت الطالبة المتفوقة الأولى وهذا لم يأت من فراغ فقد أخذت ذلك بنفسي بعد كل ما بذلته من جهد
ينظر إلي البعض الآن باعتباري متكبرة أو غير مبالية بالآخرين
لكنها ليست مشكلتي
أنا محاطة بالحمقى وضعاف العقول وليس لدي أدنى وقت حتى أنحدر إلى مستواهم وأشاركهم تفاهاتهم
أنا ببساطة لا أنتمي إلى كل هذه السخافة
بعد انتهاء الحصص المسائية في الفصل يبدو أنني سأذهب لشراء بعض حاجياتي ثم أعود إلى المنزل لأدرس وبعدها سأكمل النشر عبر حساباتي في مواقع التواصل
نعم منذ أن تغيرت عزمت على نشر محتوى لا يكشف هويتي عبر مختلف المنصات أقدم فيه أفكارًا عن كيفية تجاهل هؤلاء الحمقى في العالم ومن لا يفهموننا وكيف نريهم معنى القوة الحقيقية للفكر والوعي الذي لا يملكه أمثالهم
مجرد أشخاص يضحكون ويبتسمون طوال اليوم
مناظرهم مقرفة فعلًا
حتى أولئك الذين لا يؤذون الآخرين ليسوا مختلفين كثيرًا في نظري إنهم مجرد أفراد داخل قطيع آخر
"مرحبًا أليس كيف حالك اليوم؟"
تقدمت نحوي فتاة من الفصل كانت واحدة من تلك النماذج التي تتحدث طوال اليوم وتتغلغل بين مجموعات الفتيات حتى يمضين يومهن بأكمله في اللهو والضحك والتفاهة
مجرد النظر إليهن يثير اشمئزازي
"كالعادة مرحبًا كيف حالك أنتِ أيضًا؟"
أجبتها بلا مبالاة ودون أن أظهر اهتمامًا حقيقيًا بحديثها
"أنا بأتم صحة وعافية يا أليس جئتك اليوم لأدعوك إلى نادي تنس الطاولة للبنات ما رأيك بالانضمام معنا؟"
تنس الطاولة؟
تبدو حمقاء أليس كذلك؟
ماذا سأفعل بهذه السخافة معها ومع مجموعتها؟
سأرفض قطعًا!
"أنا أرفض ذلك ليس لدي وقت لمثل هذه السخافة"
أجبتها بتهكم واضح ثم أضفت دون أن أكلف نفسي عناء تلطيف كلامي
"طبعًا لا حاجة لي في شيء لا يفيدني"
"حسنًا أنا أعتذر حقًا يا أليس إن كنتِ ستغيرين رأيك يومًا ما فالباب مفتوح لكِ"
" فهمتك مع أن ذلك لن يحصل"
لم أحتج حتى إلى التفكير في الأمر
انضمت إلينا مجموعة من الفتيات كن يتحدثن مع الفتاة التي أمامي وقد التقطن آخر كلماتنا فتدخلت إحداهن دون تردد
"هيا أنتِ ما الشيء الذي يستحق الاعتذار بشأنها إنها فقط متعجرفة ألا ترين ذلك؟"
وأضافت فتاة أخرى وهي تنظر إلي مباشرة
"نعم لا حاجة لنا بأشخاص لا يندمجون مع الآخرين حتى لو انضمت ستكون مشكلة لنا ! "
قلن ذلك أمامي دون أي حاجة لإخفاء كلماتهن أو تخفيفها كانت نظراتهن وحدها كافية لتوضح مقدار استيائهن مني
لم أهتم
لم يعد لدي سبب للاهتمام بآراء كهذه
أما الفتاة التي دعتني إلى النادي فأخذت تحاول تهدئتهن ثم أومأت لي برأسها في حركة صغيرة بدت كأنها اعتذار عن كلامهن، كانت ابتسامتها مرتبكة قليلًا قبل أن تستدير وتذهب معهن وهي تقودهن نحو النادي الرياضي
أضعن وقتي وأثرن بعض الإزعاج في الرواق
سأذهب فقط وأنسى ما حدث ...
لن يغير ذلك من خططي لهذا اليوم في شيء
...
ذهبت لشراء بعض الحاجيات واذا بي التقي بصديق قديم
انه صديق الاعدادية بالفعل .. لكنه على غير عادته مالذي اتى به هنا ..؟
مرحبا إلين ....
[ ذهبت بشكل مسرع أركض لمنزلي بدلا من أن أستقل الحافلة... ]
[إذن هذا معدنك الحقيقي، لن أسامحك، أكرهك للأبد ...]
-
بمجرد عودتي إلى المنزل أخذت بعض الوقت في إعداد أموري المنزلية بينما كان والداي قد ذهبا لزيارة جدتي المريضة خارج ريكيافيك قليلًا ويبدو أنني سأبقى وحيدة لهذا اليوم
وهذا ما أريده
متسع من الوقت الهادئ بعيدًا عن أي إزعاج
أخرجت حاسوبي المحمول ووضعت هاتفي أيضًا في الشاحن ثم بدأت بإكمال واجباتي المنزلية بسرعة وعلى أكمل وجه ، كانت واجبات بسيطة بالنسبة لي ومع ذلك كان علي أن أسرع لأنني أريد نشر محتواي وتفقد ما يحدث في مواقع التواصل هذه الأيام
بعد ساعة أكملت كل شيء...
وها أنا الآن سأبدأ
"كيف تكونين فتاة مميزة"
ربما يكون هذا عنوان المنشور القادم الذي سأنشره سيكون مزعجًا قليلًا
لكن الحمقاوات أمثالهن ستجذبهن مثل هذه العناوين أما البقية مثلي ممن يفكرن بمنطق أكبر فسيفهمن ذلك ويضحكن بالطبع
ارتسمت على وجهي ابتسامة ساخرة وأنا أتخيل مقدار التفاعل الذي سيحصل عليه المنشور بعد قليل
حسابي بالفعل يحصل على أكثر من ثلاثة آلاف متابع وأطمح إلى المزيد بالطبع، أنشر الكثير من النصائح للفتيات من حولي عن كيفية التعامل مع هؤلاء الحمقى ولهذا سأضع اليوم هذا المنشور كحكاية من شأنها حصد التفاعل وتعليمهن درسًا أيضًا
( الفتاة المميزة هي القوية التي لا تأبه لأحد ولا تهتم لسخافات الآخرين...)
أمضيت وقتًا في كتابة عدة مواضيع ثم نسقتها ونشرتها بالفعل وسرعان ما بدأ التفاعل بالارتفاع بشكل كبير وبالنظر إلى أوقات النشر والفئة التي أستهدفها سأكون في المقدمة دائمًا
حسنًا لماذا لا ألقي نظرة على التعليقات؟
إنها مضحكة بالفعل
مما أرى لا تزال هناك كالعادة تعليقات من الأولاد تكون ساخرة ومسيئة أحيانًا وهناك أخرى من فتيات يتابعنني ويمدحن ما أنشر بينما تنتقدني أخريات ويصفنني بأنني مزعجة أو مجرد مسكينة
صمتًا أيتها الحمقاوات...
سأحظرهن بالفعل مجرد تشويه لما أكتب ولن أتراجع عن حذفهن
لكن سرعان ما لفت انتباهي تعليق خاص من حساب غير معروف يبدو أنه أُنشئ حديثًا وما أثار استغرابي أكثر كان مضمون كلامه
"أنتِ تمرين بظروف صعبة بالفعل العالم واسع بكثير لذا الأمر لا يقتصر على ما ترينه من بعض الأشخاص الذين يؤذونك لا تزال الفرص والآمال متاحة للجميع لذا أتمنى أن تتغيري وتعتذري لنفسك عما تنشرينه أتمنى ذلك حقًا"
كان ردًا مختصرًا ومهذبًا بالفعل ولم أعرف من كتبه ولا حتى إن كان صاحبه فتى أم فتاة لكن كلماته...
بقيت أحدق فيها لثوانٍ وكأنني أحاول العثور على معنى يستحق التوقف عنده
حسنًا مجرد حماقة
نعم واجهت نماذج غبية بما يكفي لكنني لن أحاول الحصول على رضا العالم مجددًا
فليذهب أيضًا إلى الجحيم معهم
سأحظره فقط
...
حسنًا سأغير الحساب وأذهب إلى حسابي الرئيسي
علي أن أرى إن كان هناك أي جديد بخصوص الفصل في مجموعة المدرسة لربما يكون هناك شيء ممتع أيضًا
ما هذا!
لم أستوعب الأمر في البداية...
توالت الرسائل أمامي بسرعة حتى امتلأت الشاشة بالإشعارات والمنشنات الموجهة إلى حسابي الرئيسي لم أفهم ما يحدث للحظة ثم بدأت أنظر إلى العدد المتزايد من الرسائل بذهول !
ما هذا؟!
حسابي لا يضم سوى عشرة متابعين وأنا أتابعهم جميعًا
فكيف للجميع أن يراسلني؟!
انتقلت إلى صفحة الرسائل بيد مترددة وما إن فتحتها حتى وجدت عشرات الرسائل تتدفق أمامي
"هل هذه أنتِ؟ حقًا! @ahc"
"إذن هذه أنتِ أيتها الغبية ههه! @ahc"
والكثير من الرسائل المشابهة التي لم أستطع حتى قراءتها كلها
تجمدت عيناي أمام الشاشة بينما بدأ قلبي يخفق بعنف
كيف وجدن حساب المحتوى الخاص بي؟!
كيف؟!
لقد فعلت كل شيء حتى أخفي هويتي لقد حرصت على ألا أربط الحساب بحسابي الرئيسي وتركت أقل قدر ممكن من المعلومات التي يمكن أن تقود إلي
فكيف استطعن الوصول إليه؟!
شعرت بضغط شديد يتجمع داخل صدري وكأن شيئًا ثقيلًا يستقر فوقه بدأت أنفاسي تضيق شيئًا فشيئًا وصرت أتنفس بصعوبة بينما بقيت أحدق في الشاشة غير قادرة على استيعاب ما يحدث
لمحت رسالة أخرى تحمل اسم فتاة أمقتها وأكرهها أشد الكره
إنها هي...
الفتاة التي كانت تتنمر علي في المرحلة الإعدادية
تراسلني الآن...
+4 رسائل مرسلة
ترددت يدي فوق الشاشة وبقيت أحدق في الإشعار لثوانٍ وأنا أشعر بالخوف مما قد أجده خلف تلك الرسائل لكنني في النهاية ضغطت عليها
ظهرت الكلمات أمام عيني واحدة تلو الأخرى
"أيتها السخيفة هل تعتقدين بالفعل أنني سأسامحك على تبليغك علينا وإرسالنا إلى إعدادية أخرى؟"
شعرت بانقباض في صدري وأنا أواصل القراءة
"لقد وجدت حسابك السخيف هذا بالفعل أيتها المزيفة تنشرين حماقة مثل هذه لمجرد أنني ضحكت عليك في الإعدادية ههه "
توقفت أنفاسي للحظة
ثم ظهرت الرسالة التالية
"سأنشر هويتك عبر كل ثانويتك..."
أغلقت الهاتف بسرعة قبل أن أتمكن حتى من إكمال بقية الرسائل
ارتجفت يدي وأنا أضعه جانبًا وكأنني كنت أحاول إبعاد شيء مؤذ عني
لقد وجدوا حسابي بالفعل
كل ما بنيته...
كل ما فعلته طوال هذه الفترة...
سيذهب سدى
ماذا سأفعل بحق؟!
كل الناس سيعرفون
أصدقائي
الطلاب
حتى عائلتي...
سيعرفون كل شيء!
بدأت أفكر في الاحتمالات واحدًا تلو الآخر حتى شعرت بأن رأسي يضيق من كثرة الأفكار
لم أفعل شيئًا خاطئًا
لم أقترف جريمة
كنت فقط أعبر عما أريده
فما الخطأ في ذلك؟
[ مشكلتك مع التنمر... ومشاكلي أنا أيضا... مقارنة بما يحدث في العالم ليست سوى قصة سخيفة متكررة عندما نكبر سنضحك على كل هذا ]
نعم!
علي فقط أن أتواصل معهن وكأن شيئًا لم يحدث
الأمر ليس بهذه الصعوبة
مددت يدي نحو هاتفي مرة أخرى وأمسكته بسرعة ثم فتحت الرسائل محاوِلة إقناع نفسي بأنني سأرد عليهن فقط وأوضح كل شيء وأن الأمر سينتهي عند هذا الحد
اتجهت مباشرة إلى رسائل تلك الفتاة
سأتماشى معها فقط
لا يوجد شيء يدعو للذعر
( مرحبًا أعتذر عن كل ما بدر مني لنبدأ صفحة جديدة كان شيئًا لم يحدث وبإمكانك أيضًا أخذ ذلك الحساب )
لم تمر سوى لحظات حتى ظهرت علامة المشاهدة
كان ردي سيئًا بالفعل لكنني كنت صادقة وبمجرد أن تقبل اعتذاري سأتجاهلها وينتهي كل شيء
ظهرت رسالتها بعدها مباشرة
( ههههه إذن أنت تعترفين حقًا أن ذلك حسابك يا لك من ساذجة! )
شعرت بضربات قلبي تتسارع من جديد وكأنها ترتطم بصدري بعنف وعاد الارتجاف إلى يدي
ثم ظهرت رسالة أخرى منها
( إذا أردت أن نعفو عنك حقًا أرسلي صورة وأنت قد قصصت ذلك الشعر الطويل القذر )
توقفت للحظة وأنا أحدق في الكلمات أمامي
إنهن بالفعل يبتززنني
لكن ما باليد حيلة
أريد أن أنهي هذا الأمر فقط
الآن...
إن كان هذا ما يردنه حتى يصمتن فسأقوم بذلك
[كلامك ليس نابعاً من رغبة حقيقية في مساعدتي، بل من رغبتكِ في الهروب من حياتك المثالية الخانقة، تفترضين أن الآخرين لم يفهموكِ أبداً، وهذا بحد ذاته ظلم لهم]
"لا لا..."
توقفت للحظة وكأنني أحاول طرد الكلمات التي تدور في رأسي لكن صوت إلين لا يزال يعود إلي بلا توقف، تبا لذلك الولد كلماته تدور في رأسي مرة بعد أخرى وكأنها عالقة هناك ولا تريد الرحيل...
لا أهتم سأقص شعري...
مددت يدي بسرعة نحو المقص دون أن أسمح لنفسي بالتفكير أكثر ثم أمسكت شعري وقصصته بلا ترتيب ولا تردد، تساقطت الخصلات على الأرض واحدة تلو الأخرى وبقيت أحدق فيها للحظات دون أن أهتم حتى بمظهره، أردت فقط أن ينتهي الأمر
أخذت هاتفي بسرعة والتقطت صورة لي ثم بقيت أحدق فيها قليلًا قبل أن أرسلها إليهن
حسنًا... والآن سيرضين عني أليس كذلك؟
لن يبقى هناك شيء آخر بعد ذلك
مرت دقيقة كاملة ثم ظهرت علامة المشاهدة وظهرت الرسالة بعدها مباشرة
( يا لك من حمقاء! أحقًا قصصت شعرك بهذه السهولة! أنت مجنونة بالفعل! )
شعرت بشيء بارد يمر في جسدي لكنني حاولت تجاهله وأجبت بسرعة
( حسنًا لا بأس إن كان الأمر ينهي كل شيء... والآن هل تقبلن اعتذاري؟ )
لم أنتظر طويلًا حتى وصل الرد
( اعتذار؟ عن أي اعتذار تتكلمين ههه لن نسامحك أبدًا حياتنا وسمعتنا تدمرت بسببك! سننشر هذه الصورة إلى جميع أنحاء ثانويتك أيتها السخيفة وستندمين على فعلتك بالتبليغ عنا! )
توقفت أصابعي فوق الشاشة وشعرت بأن شيئًا في داخلي انكسر فجأة، كتبت بسرعة وكأنني أبحث عن أي مخرج يمكن أن ينقذني
( لا لن تستطيعوا فعل ذلك أنت تكذبين أيضًا لقد أرسلت صورة مؤقتة لا أكثر لن تستطيعي حفظها )
جاء الرد سريعًا
( توقعت أن تقولي ذلك أيضًا هل كنت تتوقعين أن الآخرين لن يكونوا بمثل ذكائك؟ لقد قمت بتصوير الصورة بمجرد أن أرسلتها من هاتف آخر ههه )
ثبت نظري على الشاشة ولم أرمش حتى
هي تمزح... صحيح؟
كيف يمكنهن توقع كل ذلك؟ كيف استطعن دفعي إلى الاعتراف بأنني صاحبة الحساب وفوق ذلك جعلني أقص شعري كالغبية من أجلهن؟
بقيت أنظر إلى الصورة التي أرسلتها وأنا أشعر بثقلها وكأنني لم أعد أرى فيها مجرد صورة لشعري المقصوص بل أرى أمامي كل القرارات الغبية التي اتخذتها خلال الدقائق الماضية
[أليس... ألا ترين أنكِ أنانية؟]
لا لا لست كذلك أبدًا كنت فقط أحاول المضي قدمًا
[ لا تدّعي فهم الآخرين، ولا تدّعي أن الآخرين يفهمونك، في هذا العالم عيشي لنفسك فقط]
نعم هذا ما قاله لي أن أدرك أن أكثر ما يزعج الناس في الشخص هو الشيء الذي عجزوا عن امتلاكه
نعم هذه هي الحقيقة معه حق
سأراسله وأبلغه بالأمر أيضًا لربما يساعدني
[عليك أن تتقبلي أنني ساعدتك سابقًا بدافع الشفقة لا أكثر... ليس لأنني اهتممت فعلًا]
سحقا لن أذهب إليه لقد كان يكذب علي طوال ذلك الوقت
...
حسنًا أليس تنفسي بهدوء علي فقط أن أنسى كل هذا وأحذف الحساب أو ربما لا لو حذفته سيشكون بي أكثر
ذهبت إلى سريري وجهزت نفسي للنوم لكن بعد نصف ساعة كاملة لم أستطع فعل ذلك ظللت أفكر في كل ما حدث حتى جفت الدموع التي كانت تنهمر من عيني وبقي التعب وحده يسكن جسدي، كنت منهكة ومتعبة وأشعر بالنعاس لكن النوم بدا بعيدا عني كأنه شيء لا يخصني
أخذت هاتفي مرة أخرى وبدون سبب واضح وجدت نفسي أتصفح مقاطع الفيديو القصيرة مرارا وتكرارا
واحد اثنان ثلاثة أربعة
ثم فقدت العد
لم أعد أعرف كم مقطعا شاهدت ومع ذلك واصلت التمرير بإصبعي وكأنني لا أبحث عن شيء محدد ولا أنتظر شيئا من الشاشة
كل مقطع يحمل مشاعر حزينة أو أفكارا سوداء تتكرر أمامي مرة بعد أخرى ربما كانت تلك نتيجة خوارزمية التطبيق التي لا أعرف كيف تعمل أصلا لكنني لم أهتم حتى بمحاولة فهمها
كنت أشعر براحة غريبة وأنا أشاهد
ليس لأنها تسعدني بل لأنها لا تطلب مني شيئا
لا تحتاج مني أن أكون قوية ولا متفوقة ولا مختلفة ولا أن أثبت شيئا لأحد
فقط شاشة مضيئة في غرفة هادئة وإصبع يتحرك ببطء من مقطع إلى آخر
ومع مرور الوقت ..
لم أعد أشعر بالغضب
ولا بالحزن
ولا حتى بالخوف
كان كل شيء قد انسحب مني بهدوء دون أن ألاحظ متى حدث ذلك
بقيت واعية تماما لما يحدث حولي أرى الغرفة وأسمع الأصوات البعيدة وأشعر بثقل جسدي فوق السرير لكن شيئا في داخلي بدا وكأنه ابتعد عن كل ذلك مسافة لا أستطيع الوصول إليها
كان الفراغ هادئا على نحو مخيف لا ألم حقيقي فيه ولا راحة حقيقية
فقط مساحة واسعة وخالية تركت فيها كل الأشياء التي كنت أظن أنها تعنيني حتى أفكاري لم تعد تتصارع كما كانت
هدأت
هدأت أكثر مما ينبغي
ولأول مرة لم أشعر أنني بحاجة إلى إيجاد تفسير لكل ما يحدث أو البحث عن مخرج أو إقناع نفسي بأن الغد سيكون أفضل
لم يعد هناك شيء أريد فهمه ولا شيء أريد انتظاره ولا شيء أخشى فقدانه
ليس لدي سبب للاستمرار
ومع ذلك بقيت ساعتين كاملتين أحدق في شاشة هاتفي وأتململ في فراشي
[تتحدثين عن لامبالاتي بينما أنت أيضا لم تكوني تبالين بشيء]
نعم
لم أكن أهتم لأي شيء
إذا لماذا أحاول التصرف كشخص قوي ومتعجرف؟
لقد احتقرت الناس بما فيه الكفاية كما احتقروني منذ البداية
لكن الآن... لم أعد أملك حتى شعورا تجاههم
لا كراهية
لا ندم
لا سعادة
لا شيء
كأنهم جميعا أصبحوا بعيدين عني بالقدر نفسه الذي أصبحت فيه أنا بعيدة عن نفسي
إن كان هذا الجسد الذي أنا فيه لا يشعر بأي شيء فما فائدته؟
فلأبق كما أنا بدونه
نعم...
سأحدق في السماء للمرة الأخيرة
ثم أنهي كل شيء
شعري المتناثر بعد قصه ودموعي التي جفت على وجنتي، حتى هذه الأشياء لم تعد مهمة
سأكتب رسالتي الأخيرة في ملاحظات هاتفي
ربما ستكون قصة جيدة للإعلام بعد موتي ولربما تصبح قصة مخيفة تروى في الأفلام
نعم...
هذا ما يحدث حقا في هذا العالم
إذا لماذا أهتم؟
سأكون مثل فرجينيا فقط
حتى هي وصلت إلى مكان لم يعد فيه الحفاظ على نفسها كافيا
إذا سأفعل مثلها وحسب
نعم...
سينتهي كل شيء
[لأن الحقيقة ببساطة... أنك لا شيء]
إلين...
[وأنا كذلك]
قد كان محقا...