نحتاج للصقل
تقول الاسطورة ان خمسة اشخاص عاشوا في قرية معزولة قرب جبل يلتف حوله ضباب ابدي محارب وكاهنة وشاعر ونجار وفتاة عمياء كانت تعزف على آلة وترية مع كل هبوط لليل
رغم شتات ارواحهم عرفوا بـ "الخمسة الذين لا يفترقون" قيل انهم اقسموا تحت جذع شجرة عتيقة الا يترك احدهم الاخر مهما اضطرب العالم، فالخارج لم يكن سوى صحراء من الحروب والطاعون والخيانة
لكن في احدى الليالي، ظهر رجل غريب من حافة الضباب والقى في اذهانهم نبوءة ثقيلة، الجبل سيبتلع المكان مع اول قمر احمر ولا نجاة الا لمن سلك طريقا وعرا عبر الغابة المحرمة
انكروا القول اول الامر، غير ان الارض بدات ترتجف شيئا فشيئا ونزل الضباب ككفن يلتهم البيوت
عادوا واجتمعوا تحت الشجرة ذاتها، المحارب اراد الثبات حتى الفناء، اما الكاهنة فرات ان التشبث بالرفاق انتحار محتوم، ثم الشاعر غرق في صمت كمن ادرك النهايات قبل حدوثها، والنجار انكب ينحت خمسة اقنعة خشبية، اما الفتاة العمياء فكانت الوحيدة التي لم تسكب دمعة
وفي ليلة القمر الاحمر افترقوا
المحارب غاب في متاهة الثلج ولم ير بعدئذ
الكاهنة وراء جدران معبد مهجور صارت اسطورة اخرى
الشاعر فقد صوته في عمق الغابة وقيل ان قصائده باتت تتردد مع الريح
النجار عاش طويلا دون ان تصنع يداه سوى تلك الاقنعة الخمسة
اما الفتاة العمياء فتقول الحكاية ان صدى عزفها ظل يتردد عند اطراف الجبل حتى بعد ان انمحت القرية من الوجود
...
اقبل يوم السبت باشراقة دافئة على غير العادة في سماء ريكيافيك، دفء خفيف كان كافيا لتذويب طبقة الثلج الرقيقة على الارصفة. كانت النشرات الجوية عبر المحطات الايسلندية تستبشر بعطلة نهاية اسبوع مثالية، في حين كانت القنوات الاخبارية العالمية تبث وجها اخر للحقيقة، حروبا متفرقة وفوضى رقمية لا تطاق في عصر اجمع خبراء الزمان انه الاشد شؤما في تاريخ البشرية. رغم الرخاء والتقدم، كان العالم يتخبط في دوامة من الاوبئة والنزاعات الناتجة عن تناقض المبادئ التي ارسى الانسان قواعدها بنفسه
لكن كل ذلك الصخب بدا نائيا عن ايسلندا، البقعة البعيدة على حافة الخريطة، وان كانت هشة امام ما قد يخبئه المستقبل
"مرحبا البرت يبدو انك نشيط اليوم كعادتك"
باشراقتها المنعشة وشعرها الاشقر المتدلي، اقبلت صوفي بنظرات زرقاء تنبض بالحياة نحو غرفة البرت في المستشفى
رد البرت بابتسامة متسعة
"رائع صوفي ها انت هنا كم شعرت بالوحدة طوال هذا الوقت كدت اجن"
ضحكت وهي تضع حقيبتها جانبا
"هيا لا تبالغ لقد كانت مجرد ليلتين ثم انني جلبت لك كعك الفينداتير بنكهة اللوز"
"حقا يا للروعة شكرا لك صوفي انت الافضل دائما"
"حسنا حسنا كل بروية ولا تتعجل ما زال هناك المزيد"
تجاذب الاثنان اطراف الحديث، مزاح خفيف وقصص عشوائية تبدد رتابة المكان. كان الجو الهادئ للغرفة المصبوغة بالابيض والازرق الفاتح كفيلا بابراز عمق الصداقة التي تمنحهما السكينة بعيدا عن ضجيج العالم الخارجي وايقاعه المتسارع
قالت صوفي وهي تنظر الى ساعتها
"اظن ان الوقت قد حان لخروجك اليس كذلك يا البرت"
تنهد براحة
"اوه صحيح اخيرا يمكنني الهروب من هذا السرير اليوم"
"هذا ممتاز ساحاول التخطيط ليوم نخرج فيه جميعا ونستمتع بالعطلة"
ثم اضافت بعد لحظة
"تذكرت يا البرت لم ار اليس مؤخرا هل هي بخير"
عقدت حاجبيها بقلق خفيف متابعة
"في الواقع انا قلقة عليها اتفقنا ان ناتي لزيارتك معا اليوم لكن عندما اتصلت بها كان هاتفها مغلقا ربما هي مجهدة من التحضير للامتحانات لذا لم ارد ازعاجها اكثر"
ثم اضافت
"ايضا كيفن هو من اعطاني العنوان واخبرني انك هنا وها انذا قد اتيت"
اجابها بنبرة ممتنة
"انا ممتن حقا مجيئك اليوم كان مفاجاة اثلجت صدري فقد كان الملل يلتهم الوقت"
قالت صوفي بغير تفكير، متفوهة بالاسم الذي ظل عالقا في الهواء
"اتساءل لم لم يات ايلين ايضا ذلك المزعج لا افهمه انه يبتعد عنا مؤخرا بشكل غريب الم يكن صديقك المقرب لم لم يزرك"
سكنت الغرفة فجاة ...
تنهد البرت بابتسامة خافتة، وادار وجهه نحو النافذة كي لا تفضحه تعابير وجهه المبعثرة. مزيج مبهم بين حزن مكظوم وغضب مكتوم وشفقة حائرة. لم يكن الامر واضحا حتى لنفسه، لكن الشك الوحيد المستقر في صدره هو ان اسم صديقه الحميم صار يثقل صدره كحجر ثقيل
حدقت صوفي فيه باستغراب. لم تعهد منه ردة فعل كهذه قط. اخذ المشهد منحى مريبا جعلها تصمت لبرهة في دهشة، بينما اتسعت عينها قليلا وتجمدت امام الغرابة المفاجئة. ادركت بحدسها اللحظي ان ثقل هذا الاسم الغائب يحمل شيئا اعمق مما تظن
(طق طق) ...
طرقات خفيفة على الباب كسرت جمود اللحظة
استفاقت صوفي متوترة من حلم يقظة كانت تتساءل فيه عن سبب ذلك الشحوب المفاجئ على وجه البرت. قفزت بارتعاشة سريعة من مقعدها واتجهت نحو الباب لتفتحه
"مرحبا سيدتي جئتك بخبر سار صديقكم البرت يمكنه المغادرة اليوم"
لم يكن ذلك التوتر الا تصورا مبالغا فيه في ذهن صوفي، فالواقفة عند الباب لم تكن سوى ممرضة شابة رقيقة الملامح، ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة اعادت للغرفة هدوءها
تحرك البرت من فراشه فورا واسدل قدميه نحو الارض جالسا على حافة السرير وهو يشكر الممرضة بارتباك. لم يكن بيده حيلة سوى تقديم ابتسامة زائفة اخرى، فرح مصطنع اعتاد ارتداءه ليستر به ما يدور في داخله
...
مرت الساعات، وحل المساء على المدينة الهادئة. كان الناس يتحركون بهدوء وتنظيم شديدين في شوارع ريكيافيك، فمع البرد القارس لا تمثل ساعات العمل لدى السكان سوى حيز ضئيل من حياتهم، حيث للسكينة والعيش قيمة ترجح على كل شيء
ومع ذلك، لم يكن هذا المساء ليشرق بالهدوء المعتاد. لقد تغير سكون المدينة في لحظة خاطفة
"مراسلنا يوافينا باخر التقارير سقطت فتاة بالقرب من حي هيلذار امام متجر البقوليات"
همهمات متتالية، وحشود تجمعت بكثافة غير معهودة عند زاوية الشارع
"امي ماذا يحدث هناك"
"يا للسيط هذا الامر لم يحدث هنا من قبل"
"(سعال خفيف في الزحام)"
"اخلوا المكان من فضلكم دعونا نعمل"
سيارة اسعاف تنطلق باضوائها الحمراء ونفيرها المتقطع نحو موقع الحادث. كانت الجثة لفتاة في ربيع العمر لا تتجاوز السابعة عشرة، بجسد شاحب وشعر اسود مقصوص بعشوائية. نزل افراد الاسعاف بحركة سريعة لنقل الجثة، بينما ضربت الشرطة شريطا اصفر يمنع الجمهور الفضولي من الاقتراب
حادثة غير مسبوقة في حدود الساعة السادسة مساء، امر فجع سكان ريكيافيك في كل مكان. كان المشهد يشير بوضوح الى محاولة انتحار عبر القفز من بناية لا تتعدى الطابقين، غير ان السقوط كان كفيلا بانهاء حياتها فور ارتطامها بحافة المتجر
كان المطر المتساقط يغسل حمرة الدم عن الرصيف، مخلفا مشهدا مروعا للعيان. بعض النساء من بين الحضور، والاكثر حساسية للدم، اعرضن بوجوههن وتقيأن من بشاعة ما راين. لم يبق السقوط العنيف للجسد سوى هيئة مشوهة يختلط فيها الدم بالمطر والشعر المتناثر على الاسفلت، مشهدا كافيا ليعقد الانفاس ويزرع القشعريرة في الابدان. حتى ان احد ضباط الشرطة لم يستطع اشاحة نظره دون ان يظهر عليه الذهول.
قد يبدو الامر عاديا في اماكن اخرى من هذا العالم، اماكن اعتادت رؤية الدم حتى فقدت قدرتها على الارتجاف امامه.
حتى بعض السياح الاجانب القادمين من دول مضطربة وقفوا مذهولين، لا من الحادث نفسه، بل من حجم الصدمة التي اجتاحت وجوه من حولهم.
كان المشهد وحده كافيا لقول شيء واحد... ان القلوب هنا، في هذا المخبا النائي من العالم، لم تصقل بعد لمواجهة الموت بدم بارد...
لم تصقل ؟
نعم...
لم تصقل بعد .