فوضى عبث سرمدي
بعد أن اطمأننت على إصابة ألبرت، خرجت من هدوء المستشفى وتسللت إلى الشارع الرئيسي. المساء كان قد حل، والبرودة بدأت تنهش الأجواء. كالعادة، كنت في طريقي للعودة إلى غرفتي، كأي يوم رتيب آخر أمضيه في هذه الحلقة المفرغة.
رفعت عيني سريعا نحو السماء، كانت ضبابية، ثقيلة وداكنة، لكن ندف الثلج الخفيفة التي بدأت تعانق الأرض أضفت على هذا المشهد الموحش دفئاً ضئيلا.. أو وشاحا من السكينة المربكة. تذكرت سهر الليل الصعب الذي ينتظرني فوق أوراق دراستي وتحضيري، فارتأيت أن أعرج على متجر قريب يقع على بعد أميال من الكنيسة، لأبتاع بعض القهوة الداكنة الثقيلة لعلها تسند وعيي.
وسط ذلك الصمت، لمحت طيفا يقترب من بعيد.. فتاة تسير باتجاهي مباشرة. حين اقتربت، استوقفتني تفاصيلها، كانت ملامحها رقيقة، لكنها تخفي عيونا سوداء حادة، ذات نظرة ثاقبة ومبهمة. شعرها الأسود الفاحم كان ينسدل بهدوء من تحت قبعة صوفية دافئة، وقد تراكمت على حوافها طبقة بيضاء خفيفة من الثلج. تثبتت نظرتي عليها لثانية.. نعم، كان هذا الوصف يختصر حضورها المباغت تماماً، فتاة فارعة القامة، تجاوزتني طولا بوضوح.
"تبا.. يبدو أنها رأتني، إنها قادمة."
كانت تتجه أمامي مباشرة عند مدخل المتجر، لم يكن الأمر يبدو وكأنها تريد لقائي حقا، بل تقاطعت سبلنا في هذا المكان فحسب.
ألقت التحية بهدوء شديد
— مرحباً إلين، كيف حالك؟
أجبتها باختصار وحذر، ولا أعلم حقا لم يتملكني هذا الشعور أثناء وجودها
— مرحبا أليس، أنا بخير، ماذا عنك؟
ردت بتساؤل خفيف
— أنا بخير أيضا، لمحتك بالصدفة هنا، هل تحتاج شيئا ما؟
— آه لا شيء حقا، فكرت في أن أحصل على بعض القهوة قبل أن أعود إلى البيت.
— حسنا فهمت، مع أنه من غير عادتك التواجد هنا في هذا الوقت.
نعم، ها قد بدأنا، ولن أعود إلا بعد تمحيص دقيق منها. حاولت التملص
— حقا؟ أحيانا أتجول في هذا الوقت من أجل....
تمت مقاطعتي فجأة. لم يكن بسبب الكلمات، بل لرؤيتي لتعابير وجهها الحازمة.
قالت بكلمة واحدة
— إلين.
كانت تعني بصمتها الحاد عبر ملامحها أن أتوقف عن اللف والدوران. خطر في بالي فجأة "هذا الدور يلعبه الرجال عادة، أليس كذلك؟ الأمر يبدو مختلفاً هنا".
— ...آه.
أضفتها بصوت خافت، كأنني محبط قليلا من ارتباكي المفاجئ أمامها.
أكملت برزانة غاصت في الأساس
— هات ما عندك، لا بأس، ليس وكأنك من النوع الذي يأتي من هيلذار إلى هنا من أجل قهوة.
تنهدت مستسلما
— حسناً، لقد كنت عائدا للتو من المستشفى بعد اطمئناني على إصابة ألبرت.
— نعم، سمعت أنه قد أصيب بسبب كرة القدم، لا زال متهوراً كالعادة.. لكن أهذا حقا سبب قلقك؟
أنكرت بسرعة، وطريقة ردي المتوترة كانت كافية كحجة لها على عكس ما أقول
— قلق؟ ماذا تعنين؟ لست كذلك، أنا طبيعي تماماً.
عقبت على كلامي بنظرة فاحصة
— وجهك شاحب جداً، يبدو أنك لا تشرب الماء جيداً في ظل هذا الجو الذي يشعرك بالاكتفاء.
ثم أضافت وهي تفتح حقيبتها
— تفضل، خذ هذه القارورة من المياه—
وقبل أن تكمل كلماتها، كانت قد أخرجت القارورة ومدت يدها لتعطيني إياها. بمجرد اقترابها مني، وبشكل لا إرادي صدم وعيي المتوتر، دفعت يدها بيدي بسرعة مباغتة أبعدتها عني.
سقطت القارورة وتدحرجت على الرصيف البارد. كان الانزعاج والقلق والإحباط واضحاً جداً علي، وكأنني عريت تماماً في العراء، لقد كان مشهداً مخزياً بالنسبة لي.
بدت أليس منزعجة وقلقة في الوقت ذاته، وقالت بنبرة حائرة
— جدياً إلين، ما الذي يحدث معك هذه الأيام؟ حتى أنك لا تأتي لمجموعة الدراسة هذا الشهر.
انحنيت إلى الأسفل قليلاً لكي ألتقط القارورة من الأرض الباردة وأعيدها إليها، وقلت بنبرة منكسرة
— لا شيء حقاً، أنا آسف على رد الفعل هذا.. سأدخل للمتجر.
أضفتها بسرعة، ثم تجاوزتها وذهبت.
بعد تلك الحادثة القصيرة أمام باب المتجر، خيمت بيننا برودة أشد من صقيع المساء. ساد صمت ثقيل وكأن شيئاً انكسر للتو، شيئاً لم يذكر بصوت عال ولكنه أصبح حاضراً بيننا بوضوح. دخلنا المتجر دون أن ينطق أي منا بكلمة، وكأننا اتفقنا ضمنياً على دفن ما حدث قبل لحظات.
مضى إلين مباشرة نحو الرفوف الخلفية حيث تصف علب القهوة الداكنة، بينما بقيت أراقبه من بعيد. كانت خطواته سريعة ومتوترة، كأنه يريد إنهاء الأمر والرحيل بأسرع وقت ممكن.
اقتربت منه قليلاً وقلت بتردد خافت
— إلين… عذراً، لكن لماذا تقتني هذا النوع من القهوة بالذات؟ لم أرك تشربها من قبل، ألم تكن دائماً تشتري القهوة—
قاطعني فجأة قبل أن أكمل، دون أن يلتفت نحوي حتى، وبصوت حاد
— وما المشكلة في قهوة الروبوستا؟ أشربها كثيراً مؤخراً… بعيداً عن تلك التقاليد الوهمية التي تقول إن عليك شربها مع السكر والحليب.
انعقد حاجباي بدهشة وامتزجت حيرتي بضيق خفي
— انتظر… تشربها كثيراً وبدون سكر؟
كان هذا النوع من القهوة شديد المرارة أصلاً، ولم أعتد رؤيته يشرب شيئاً كهذا من قبل. بدا لي وكأنه يعاقب جسده.
تنهد بضيق وأغلق العلبة بين يديه بقسوة
— أنت تبالغين فقط، الأمر طبيعي… دعينا نذهب، هذا فقط ما أحتاجه اليوم.
…
بعد دقائق، بقي إلين واقفاً خارج المتجر قرب محطة الحافلات، بينما أكملت شراء بعض حاجيات العشاء. وحين خرجت، وجدته كما هو، واقفاً تحت ضوء الشارع الباهت يحدق نحو السماء الضبابية بشرود غريب ومقلق. لم يجلس رغم البرد، وكأن الوقوف بحد ذاته كان يشغله عن التفكير والانهيار.
كان معطفه الأبيض الطويل قد اتسخ قليلاً عند أطرافه بسبب مياه المطر، ولكنه بدا منفصلاً عن واقعه، غير مكترث بذلك إطلاقاً.
اقتربت منه ببطء، وصدري ينقبض تدرجياً
— إلين… أريد أن أسألك شيئاً.
أجاب دون أن يلتفت
— ماذا؟
— هل حدث أمر بينك وبين ألبرت؟
ساد صمت قصير، محفوف بصوت الرياح، قبل أن يجيب
— ليس تماماً… لكنني أعتقد أنه يخفي عني شيئاً.
— ألبرت؟ يخفي شيئاً؟ هذا ليس من عادته، ألا تظن أنك تبالغ؟
خفض نظره قليلاً، وتلاقت عيناه بالأرض الثلجية وقال بهدوء ثقيل
— لا أعلم… لكن أخبريني، هل خرج ألبرت يوم الخميس الماضي أم لا؟
— لم يأت إلى مجموعة الدراسة أصلاً، قال إنه سيذهب إلى المجمع الرياضي ليتدرب من أجل قبوله في أكاديمية ما.
ساد الصمت مجدداً، صمت أكد شكوكه المخيفة. تمتم إلين
— حسناً… إذاً كان يكذب علي.
سألتُه بنبرة مشفقة
— ماذا قال لك؟
— قال إنه أصيب بعدما سقط أثناء اللعب قرب الحي… وليس في أورايجو.
— لكن لماذا قد يكذب عليك؟ ألستما صديقين؟
رفعت نظري إليه قليلاً، وحاولت ملامسة المسافة الباردة بيننا قبل أن أضيف
— كما أنني أشعر أنكما تبتعدان عن بعضكما كثيراً مؤخراً.
أطلق زفرة قصيرة اختلطت ببخار أنفاسه الباردة في الهواء
— لا يهم… مجرد فترة غبية من مراهقتنا كأشقياء، سينتهي الأمر بعد الاختبارات النهائية.
— أتمنى ذلك أيضاً.
وعاد صوته الخافت ليردد خلفي كأنه يواسي سراباً
— …أتمنى ذلك.
كانت نبرته هادئة بصورة غريبة، هدوء يحمل شيئاً أشبه بالحزن المكبوت الذي يمزق صاحبه. راقبته للحظات بصمت، وشعرت بالغربة تتسلل إلي، لم يعد يبدو كشخص أعرفه جيداً.
— إلين… هل تواجه مشكلة ما مؤخراً؟
أجاب فوراً، كمن يرفع درعاً صلبة
— ليس شأنك، أنا بخير… فقط لا أنام جيداً.
عقدت حاجبي بانزعاج واضح من جفافه
— وفوق ذلك تشرب تلك القهوة؟ هل تحاول رمي نفسك للهلاك؟ أنت أكثرنا وعياً بهذه الأمور.
ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة، خالية من أي حياة
— وعياً؟
— نعم، لا تتصرف وكأنك لا تبالي… لا أستطيع رؤيتك هكذا وأنت تعاني من شيء ما.
أخيراً، التفت نحوي.
كانت عيناه البنيتان الداكنتان فارغتين بشكل مخيف، نظرة جامدة لا تشبهه إطلاقاً، وكأن شيئاً ما داخله انسحب بالكامل وترك خلفه قشرة باردة فقط. نظر إلي وقال بجفاء
— ألم تكوني دائماً هادئة؟ رزينة؟ باردة؟ كيف أصبحتِ الآن فجأة شديدة الاهتمام بالآخرين؟
شعرت بانقباض حاد في صدري، وكأن كلماته تضرب جرحي القديم
— ولأنني هادئة يعني أنني باردة؟ ألا ترى أنني قلقة عليك فعلاً؟ مهما بدا مظهري فأنا ما زلت إنسانة…
توقفت قليلاً لأستجمع شتات نفسي، ثم أضفت بصوت أخف
— أنت من قلت لي سابقاً إن أكثر ما يزعج الناس في الشخص هو الشيء الذي عجزوا عن امتلاكه.
للحظة قصيرة اهتزت نظرته، ولمحت في عينيه شرخاً طفيفاً، لكنه أخفى ذلك سريعاً بقسوة أكبر
— ذلك الكلام كان مجرد اقتباس من كتاب قرأته، ليس كلامي.
— وإن يكن، كنت معنا دائماً… أما الآن فأنت تدفع الجميع بعيداً. أنا، إريك، ألبرت، حتى صوفي… كلنا نحاول مساعدتك فقط، أخبرنا بما يحدث.
ابتسم فجأة، لكنها لم تكن ابتسامة طبيعية، بل بدت كشيء مكسور ومشوه يحاول التماسك بصعوبة
— أليس… ألا ترين أنكِ أنانية؟
تجمدت في مكاني، وشعرت بأن الهواء قد سحب من رئتي
— عن أي أنانية تتحدث؟
رفع عينيه نحوي أخيراً، وكانت نظرته الفارغة أكثر إزعاجاً وإيلاماً من الغضب نفسه
— أنتِ لا تحاولين مساعدتي، أنتِ فقط لا تحتملين فكرة أنكِ الطرف الذي يتم إنقاذه دائماً. تريدين كسر صورة الطالبة المثالية الهادئة… تريدين أن يراكِ الناس كشخص عادي يملك مشاعر، لا أكثر.
— توقف…
خرجت الكلمة مني بصوت مرتجف، وشعرت بحرارة الدموع تتجمع في عيني، تلسع جفوني دون أن أستطيع منعها من التدفق. صدمتني حقيقة أنه يرى دوافعي بهذه البشاعة.
لكنه أكمل وكأنه لم يلاحظ انكساري، مستمراً في تشريحي
— كلامك ليس نابعاً من رغبة حقيقية في مساعدتي، بل من رغبتكِ في الهروب من حياتك المثالية الخانقة. تفترضين أن الآخرين لم يفهموكِ أبداً، وهذا بحد ذاته ظلم لهم.
اقترب خطوة أخرى، لتصبح نبرته كهمس القاضي
— ومن يريد أن يُفهم… عليه أن يتكلم منذ البداية.
بقيت صامتة، بينما شعرت بدموعي تنهمر بصمت خفيف على وجنتي رغم محاولتي المستميتة للتماسك أمام قسوته.
أما هو فتابع بصوت منخفض وثابت، يطلق رصاصته الأخيرة
— تتحدثين عن لامبالاتي بينما أنتِ أيضاً لم تكوني تبالين بشيء. الفرق الوحيد أن قناعك انكسر الآن لأنكِ يائسة لمعرفة ما يدور داخل رأسي.
كانت عيناه البنيتان الداكنتان ثابتتين علي، فارغتين بصورة مرعبة، كأنني لا أنظر إلى شخص متعب… بل إلى جثة شخص استنزف كل ما بداخله منذ زمن طويل ولم يتبق منه سوى الصدى.
— أليس… لا تدّعي فهم الآخرين، ولا تدّعي أن الآخرين يفهمونك. في هذا العالم عيشي لنفسك فقط.
هبت رياح باردة شديدة بيننا، وتناثرت الثلوج فوق كتفيه دون أن يتحرك أو يرمش له جفن.
— وعليك أن تتقبلي أنني ساعدتك سابقا بدافع الشفقة لا أكثر… ليس لأنني اهتممت فعلا.
شعرت وكأن الكلمات تخترق صدري كمسامير من جليد، بينما بقي صوته هادئاً بشكل مخيف لا إنسانية فيه.
— مشكلتك مع التنمر… ومشاكلي أنا أيضا… مقارنة بما يحدث في العالم ليست سوى قصة سخيفة متكررة. عندما نكبر سنضحك على كل هذا.
ثم رفع نظره نحو السماء الرمادية القاتمة، وتنهد بصوت فارغ تماما من أي روح
— لأن الحقيقة ببساطة… أنك لا شيء.
ساد الصمت للحظة قصيرة تداخلت فيها أنفاسنا المنهكة، قبل أن يضيف
— وأنا كذلك.
بعد تلك الكلمات لم أستطع حتى أن أتحمل إخفاء دموعي، ذهبت بشكل مسرع أركض لمنزلي بدلا من أن أستقل الحافلة.
إلين.. إذن هذا معدنك الحقيقي، لن أسامحك، أكرهك للأبد.