نور ساطعة مُعمية
عدت إلى فراشي بعد انقضاء يوم طويل ومرهق. نعم، هو مرهق فقط في كوني أمضي مراهقتي بطريقتي الخاصة، بين متابعة الأفلام والأنمي، وغمس ذهني في قراءة بعض الروايات والكتب. شيء من هذا القبيل، لأن هذه هي واحاتي التي أستريح فيها.
"النقد كتابيا"
.. أو هذا ما أطلقت عليه من تسمية على الأقل، حيث أقضي ساعاتي في منتديات وصفحات تقيم عملا، أو تنصح بآخر، أو تحلل فكرة فلسفية انبثقت من بين سطور كتاب ما.
لا يسعني التفكير قبل النوم إلا بشيء واحد حاليا: امتحانات القبول. أدرك جيدا أنها هي التي ستحدد مصيري المستقبلي، وكيف سأقضي بقية أيامي هنا في آيسلندا، تلك البقعة التي أسميها "
البقعة الميتة بدفء تدرج الصقيع".
أتمنى حقا الحصول على قبول في جامعة متوسطة، فذاك سقف طموحي الكافي حاليا.
لكن، ما يشغل بالي حقا هو "
ألبرت
". صديقي الذي تربطني به آصرة قوية منذ نعومة أظفارنا. أحيانا أتساءل، رغم أننا درسنا معا.. وتربينا في الحي ذاته معا.. وارتدنا الحضانة ذاتها معا.. معا، معا، معا.. لكن هل كنا حقا "معا"؟
ثمة شيء يحيرني كلما نظرت إليه ونظرت لنفسي، نحن حتى اللحظة لم نتصادق على شيء حقيقي. أتذكر حين كنت صغيرا وحساسا جدا، كلما انفجرت باكيا، كان ألبرت يمثل أمامي، لا ليمسح دمعي أو يساندني، بل ليضحك علي بملء فيه، ثم يلقي كلمات غيرت تفكيري تدريجيا:
(هاي أنت، إلين.. انهض! أنت تبكي من أجل لا شيء. كن شخصا سيئا ولا تقلق بشأن أحد، هيا انهض أيها المدلل!)
لا أعلم لماذا، لكن كلماته تلك لم تبد أبدا ككلمات طفل في مثل عمري. كنت صغيرا على الغوص في أعماق التفكير آنذاك، لكنني كنت يقظا بما يكفي لأدرك أن ثمة خطأ ما في منطقه.
ألبرت بشخصيته المشاكسة تلك.. حسنا، من يهتم؟ ربما أنا أبالغ فحسب. علي الخلود للنوم، فهذه الأفكار ليست سوى نتاج "تأثير الترفيه" لا أكثر.
هه.. سخافة! فيلم واحد يكفي ليمنحك إحساس بطل القصة.
[بعد يومين]
وقعت تلك الكلمات على مسامعي بثقل رصاصي، لم أدرك معه أنني كنت في حالة من الهلع الشديد:
— "ما الذي تقوله فجأة؟! ما الذي حل بألبرت؟!"
— "اهدأ يا إلين، أعلم أن الأمر صعب، لكن ألبرت في المستشفى حاليا.. لا تقلق، ليس في حالة حرجة."
لم أستطع التحكم في أعصابي، شعرت كأن عقلي قد فقد مني فجأة:
— "أخبرني أين هو الآن؟ أي مستشفى يا إريك؟!"
— "هو حاليا في لاند سبيتال، سنذهب باتجاه كنيسة هاتل غريمس كيركيا وسنرى المجمع الطبي هناك. لا تقلق، هو في مركز العناية الآن بحالة جيدة."
ملحوظة:
(Hallgrímskirkja) هي كاتدرائية ضخمة بتصميم يشبه صخور البركان، تستخدم كعلامة طريق لأنها ترى من كل مكان في المدينة.
— "لا! لنستقل سيارة، بما أننا في الحي السكني هنا فالشارع الرئيسي أمامنا مباشرة وسنصل في غضون 5 دقائق، لقد ذهبت إلى هناك سابقا!" كنت مرتبكا بشدة.
— "توقف، لن نصل في الوقت المحدد. اليوم هو الجمعة والساعة الرابعة عصرا، إنه وقت الذروة حيث يختلط السياح بالعمال. لنذهب سيرا على الأقدام."
بمنتهى الاتزان والهدوء اتخذ قراره.. هذا هو إريك الذي أعرفه.
— "تبا لـ هليذار! أليس مكانا هادئا؟ حسنا، لنذهب بسرعة، سأجلب دراجتي." قلتها وأنا أهرع عائدا.
(
Hlíðar
) حي سكني مركزي في ريكيافيك يشتهر بالهدوء والتنظيم.
— "وأنا كذلك، سألحق بك لنلتقي في محطة الحافلات القديمة هليمور."
— "حسنا."
بعد دقائق، عدت مسرعا بدراجتي الزرقاء. كانت "النخلة البنية" المحمولة على الغصن الذي يبلغ طوله 180 سم كافية للفت الأنظار:
— "هيا لنذهب.. وأخبرني، لماذا أنت قلق لهذه الدرجة بشأن ألبرت؟"
التقيت به، ذو النظارة الطبية الحادة، والعينين البنيتين القاتمتين، ووجهه الطويل الأبيض كأنه مرآة لثلج ريكيافيك.
— "هاه؟ ما هذا السؤال؟ إنه صديقي، الأمر واضح!"
— "لا أقصد ذلك.. أعلم أنكما صديقان، لكن ألا تشعر أن قلقك المفرط عليه غريب نوعا ما؟" سأل بغرابة.
— "ماذا تقصد؟" رددت بخفوت.
— "ألبرت ليس شخصا يندر حدوث هذا له، لقد اعتاد على المشاكل وإصابات كرة القدم كما تعلم. ربما هي مجرد إصابة أخرى أو حماقة ارتكبها كالعادة.. لماذا تفرط في القلق؟"
— "لا أظن ذلك.. أعتقد أن من واجبي القلق على صديق يقبع في المستشفى." حاولت منح إجابتي قالبا أخلاقيا لتفادي فضوله.
— "حسنا، حسنا.. أنت حقا تختلف عن الطبيعة الآيسلندية هنا بالرغم من أنك ابنها."
— "تقصد الـ لاندسلوغ؟ أوه.. قاعدة سخيفة."
(
Landslög
) هو "قانون الأرض"؛ سلوك آيسلندي ينص على الاحترام وعدم الاكتراث المفرط بشؤون الآخرين.
— "وصلنا، لنسرع لقسم الإقامة الداخلية."
كان يقودني بدلا من أن أقوده، لكن هيبته وشخصيته اللافتة سمحت له بلعب هذا الدور.
— "إصابة؟ هل كسر ذراعا أخرى؟ ذلك الأحمق.." تظاهرت بالسخرية.
— "إذا كنت تتوقع ذلك، فلم القلق؟"
— "ألست أنت من يخالف الـ 'لاندسلوغ' الآن؟" قلبت الطاولة عليه.
— "في حالتك أنت تعتبرها سخيفة، لذا تماشيت معك." رائع، لديه رد لكل شيء، لهذا هو رئيس الفصل.
— "إذن.. لا أعلم." تهربت مجددا.
— "عجبا.. كما تريد. لقد وصلنا، سأنتظرك في قاعة الاستقبال."
— "ألن تدخل؟ قطعت كل هذا الطريق لتنتظر فحسب؟"
— "لا أريد حقا مقاطعة لقاء الحبيبين!"
— "هاي أنت! من تنعت بالحبيبين؟! تعال إلى هنا!"
تظاهرت بالخجل لكسر قتامة الجو، لكنني أدركت أنه لا يريد لقاءه لسبب ما.
— "أوه.. علي الذهاب للحمام.. إلى اللقاء يا زوجته!"
أنت.. أيها المزعج!
حسنا، سأدخل، على كل كالعادة ألبرت مجرد طائش لن يحدث الكثير حقا.
خطوت داخل الغرفة ملقيا التحية عليه: "مرحبا ألبرت.."
وجدته مستلقيا مضمدا بلفائف وجبيرة حول كلتا يديه، لكن الأمر الأغرب قطع لي رتابة كلامي:
— "أوه مرحبا إلين، كيف حالك؟" رد بمرح وحماس.
— "هااه! بحقك كيف تقرأ الكتاب بهذه الطريقة؟ تحمله بقدمك؟!"
لا أدري كيف يفكر! يمسك كتابه بأصابع قدمه اليمنى.
— "هاها أليس هذا ممتعا؟ إنها رواية فانتازيا تتكلم عن رجل بعث من جديد في عالم سحر حيث يطمح للانتقام، لم أستطع كبح نفسي!" ويجيب بكل ثقة!
— "لازلت مهووسا بهذا؟ كم قلت لك إن مثل هذه القصص هذه الأيام مكررة بشكل ممل، إن حدث ووجدت شيئا جيدا فسيكون فقط بعضا من فلسفة داكنة ينسقها الكاتب بشكل رهيب ويبعث في الشخص مشاعر الكبرياء والقوة." أبديت رأيي بنقد لاذع.
— "أوه بحقك! الفانتازيا ممتعة حقا، لا اهتم أنها تمنح لك خيالا واسعا وتبعدك عن كآبة الواقع. تذكر جيدا أننا كبشر نحب الهروب من الواقع ونقدس ونفضل كل ما يثير فينا الخيال والوجدان."
ضرب نقطة حساسة في المواضيع التي أهتم بها:
— "نعم نعم، ثم عندما تتحطم أحلامنا نلوم الآخرين والعالم ونقوم بدراما حمقاء، ثم يفرض علينا الواقع المعاش ونتقبل ذلك وننام بعد وجبة حلوة المذاق أو يسمع أحدنا أغنية كئيبة لكي يخفف عن نفسه. لهذا لا فائدة لا تحاول إقناعي بدورة سخيفة."
— "ياللعجب أنت تشاؤمي جدا، هل ارتبطت بفتاة ما وخانتك؟ هيهي." لازال يأخذني كسخرية.
— "هل تظن أنني من ذلك النوع؟ لا أحتاج فتاة تجعلني أتوهم وأتفاعل فوق ما أحتمل وأربط سعادتي بسعادتها. جديا لماذا يفضل الناس العيش في الأوهام بالرغم من إدراكهم أنها زائلة؟"
— "هون عليك يا نيتشه! ربما فقط لأننا بشر، مهما كان سنبقى ضعفاء في قلوبنا، سيأتي يوم تخوض الأمر وتدرك ذلك."
سخريته كانت مضحكة بالنسبة لي، أضافها وهو يكتم ضحكه.
— "لا تحتاج حقا رمي نفسك من جرف لكي تتأكد من صدق الموت." رميت الحقائق.
— "ههه، تلعب دور الحكيم بأناقة.. فعليا يا إلين عش حياتك ببساطة، الأمر لا يستحق."
بالرغم من مرحه، ظننته يتحدث باستهتار. لكن جملته الأخيرة خرجت مختلفة.. صادقة على نحو أربكني. تسللت أشعة شمس باهتة من النافذة، وانعكست على وجهه الشاحب، بينما السماء الشتوية الرمادية تمتد خلفه، والثلج ساكن في الخارج. كانت ملامحه متناقضة، ابتسامة خفيفة، وعينان تحملان شيئا أثقل من المزاح.. ألما قديما ربما، أو ذكرى لا تخص أحدا سواه. لست خبيرا، لكنني أجيد قراءة التعابير، ومع ذلك عجزت عن فهمه.
ألبرت وينشستر.. ما الذي تكونه حقا؟
— "هوي أنت! لماذا تبدو شاردا، هل تريد شيئا ما؟" برد فضولي يبحث.
— "آه لا شيء حقا كنت فقط أفكر كيف انصابت كلتا يديك، ألديك تفسير أيها الأرعن؟"
أغير الموضوع قليلا لكسر جو الغرابة.
— "هاها.. كنت ألعب قليلا كرة القدم وكما تعلم لعبتها في مكان غير صالح للعب، انزلقت وانكسرت يد والأخرى مصابة قليلا، وهكذا أنا هنا." مرتبكا أضاف.
— "حقا؟" هناك شيء يدعو للريبة.
— "هاي أنت هل تشك بصديقك؟" رد ممازحا.
[لست متأكدا فعليا من مدى صدقه أو إخفائه لشيء ما، أن تنكسر يد وتصاب يد أخرى أيضا بسبب انزلاقة أمر غير مرجح حقا. ناهيك عن أن ألبرت حتى لو لعب كثيرا فإنه ذو بنية بدنية جيدة وليست هشة، حتى أسلوبه في اللعب ليس متهورا، وأن تلعب في مكان غير مخصص مع علمك بذلك ليس دلالة على تهور شخصيتك فقط بل هناك سبب آخر. حسنا سأسأله سؤالا يزيل الشك لكن علي تزيين السؤال لكي لا يكذب].
— "آه تذكرت، كنت أفكر بأن ندرس معا من أجل الامتحانات القادمة لكنك قلت إنك مشغول. بجدية متى تتفرغ؟ أو أنك كذبت علي بأنك مشغول وذهبت للعب البارحة؟" (أنقب عن ثغرة ما).
— "هاها هذا ليس.." محررا ومترددا.
— "تكلم!"
— "حسنا حسنا لا تغضب، لم أكن أتهرب أو ما شابه من الدراسة معك، لكنني كذبت بشأن أنني مشغول.. هيهي أنا آسف، ذهبت البارحة للعب وحصلت على إصابة." مطأطئا رأسه بابتسامة زائفة.
[كاذب هذا هدفي من السؤال، كنت أريد تضييق احتمال متى لعب، إذا كان حقا قد لعب البارحة فمن غير المرجح فعل ذلك. صحيح أنني لم أخرج يوم الخميس من المنزل أبدا، لكن يكفي أنني أرى نشرة الطقس وأنظر من نافذتي، الجو البارحة كان مستحيلا حتى على الموظفين بسبب الرياح الشديدة والبرد. ناهيك أننا في فصل الشتاء وإمكانية لعب كرة القدم فقط في "أورايجو"، أي أنه لا توجد أي احتمالية للعبه خارجا، إنها كذبة ملفقة. كنت سأبعد عيني عنها سابقا بالنظر إلى أن ألبرت يصاب كثيرا، لكن من قصته إصابته لا تقع في احتمالية الخميس أبدا. إذن، إما أنه تعرض للإصابة في مكان آخر ذلك اليوم، أو أنه ببساطة قد حدث شيء ليلة الأربعاء عند مغادرته من منزلي.. لكن بجدية، لماذا يكذب؟ ما الذي يخفيه؟]
مجمع أورايجو
(Origo-höllin) هو المقر الرياضي لنادي "فالور" بحي هليذار، وهو منشأة عصرية مغلقة تضم صالات متعددة الأغراض للتدريب والمباريات بعيدا عن البرد.
ساد الصمت الأرجاء قليلا، واستمر ألبرت في الهمهمة وهو يقرأ الرواية وأنا بقيت أحدق في النافذة أتأمل كالعادة. لم يكن هذا تصرفا غريبا فعلى الرغم من أننا أصدقاء إلا أننا أحيانا نبقى صامتين ونقوم بما نعتاد عليه ونحن مع بعض، هذا هو الجانب البسيط والمريح في صداقتنا، أننا لا نحتاج حقا للعب أدوار لا نريدها.
لكن.. بداخلي عقل مشوش ومشاعر مختلطة حول حقيقة أن ألبرت قد يكذب علي. أعلم أنه ليس دليلا قاطعا، استنتاجات وافتراضات مني، لازلت أريد سؤال إريك حول ما إذا قد رأى ألبرت يوم الخميس خارجا أم لا، لكن هذا لايزال أيضا موضوعا مربكا للتحدث عنه.
نور شمس ساطعة لحد أن تعميك عن الرؤية.. إذن هذا أنت يا ألبرت.
لازال ذلك يذكرني بالماضي المشوه.. لن أدع ذلك يحدث مرة ثانية.