ظلي الذي يسبقني
"في النهاية.. يمكن للبشر أن يكونوا أي شيء."
كانت هذه آخر جملة في الفيلم قبل أن يغرق المكان في سواد "التتر". كنت لا أزال غارقاً في تحليل الدوافع النفسية للبطل، لكن صوت ألبرت الجهوري قطع حبل أفكاري كالعادة:
— "آه، هذا رائع حقاً!"
التفت إليّ، وعيناه السوداوان تلمعان بذلك الحماس الذي لا يملكه غيره:
— "يا إلهي، لم أعتقد أبداً أن النهاية ستكون صادمة هكذا، ما رأيك إلين؟"
أخذت نفساً، وحاولت صياغة رؤيتي للأمور بهدوء:
— "حسناً، بالنظر إلى عدة جوانب، فكتابة الشخصيات الثانوية كانت مدروسة بعناية، حتى أنني بت أحس أن البطل مجرد واجهة."
ضحك ألبرت بسخريته المعهودة، وكأنه لا يفهم لم أعقد الأمور دائماً:
— "هاه! وها أنت ذا الآن تدعي الفهم أيها السخيف. العمل كان رائعاً ولا تهمني الشخصيات الثانوية، إنها فقط تدعم قوة البطل.. انظر كم هو رائع، لقد فعل كل شيء في النهاية!"
لم أستطع منع نفسي من المجادلة، فهذا هو عالمي الذي أفهمه:
— "حسناً، أتفق معك، لكن الشخصيات الأخرى كانت درامية ومنسقة أكثر. أفضل الشخصيات المكتوبة بمثالية غير زائدة، والبطل.. إنه فقط.."
مال ألبرت نحوي بابتسامته المستفزة التي تجعلني أرتبك:
— "هيا أيها الخجول، ماذا كنت ستقول؟ لا داعي للخجل من ذلك، لكل شخص ذوقه."
نظرت إلى الأسفل وتمتمت:
— "البطل! إنه فقط سخيف ومندفع!"
انفجر ضاحكاً وهو يضرب كتفي:
— "أنت مضحك حقاً.. قلها من الأول أيها الجبان!"
حاولت تغيير مجرى الحديث لأهرب من تعليقاته، سألته عن الأمر الذي يشغل باله منذ مدة:
— "بالحديث عن العمل، ما هي أخبار نتائج قبولك في نادي كرة القدم؟"
هز كتفه بلامبالاة أثارت قلقي:
— "ليس بالأمر الجلل، تعاركت مع المدرب والمسؤول عن اختبار القبول.. إنه فقط ثرثار غبي!"
شعرت بقلبي يسقط، كيف يمكنه أن يكون بهذا الاندفاع؟
— "هاه! أنت مخيف يا ألبرت! ذهبت إلى هناك وتشاجرت؟ فرصك ذهبت سدى!"
رد علي بتلك الثقة التي أحسده عليها دائماً:
— "هيا، لا أهتم حقاً. هناك الكثير من الفرص في أندية أخرى، ناهيك عن أنني محترف ويمكنني التألق في أي مكان."
قلت له بصدق، وأنا أتأمل قوته التي تفتقدها بنيتي الضعيفة:
— "ها قد بدأت مجدداً.. لو كان عندي غرورك فقط لاحتللت العالم."
— "ثقة! إنها تسمى ثقة وليس غروراً!" صحح لي بزهو، ثم أضاف ساخراً: "أوو، وانظر من يتكلم الآن؟ القط الصغير يقول إنه سيحتل العالم! ههههه."
شعرت بالغيظ وقلت:
— "تباً.. وأنت مجرد متبجح أيها.. الأرعن!"
— "أواااه!!"
بلمح البصر، وجدت نفسي محاصراً بين ذراعيه القويتين وهو يمزح:
— "أمسكت بك أيها المشاكس! والآن، من المغرور؟ هاهاها!"
حاولت التنفس بصعوبة وأنا أضحك من بين يديه:
— "هااي.. أفلتني.. رقبتي.."
— "لن أدعك أبداً أيها الأنوثي!" قالها وهو يشدد قبضته بمرح، "هاهاها، حتى جسمك هش وضعيف أمامي، لا تستطيع حتى الهروب!"
صرخت محتجاً على وصفه المستفز:
— "تباً لك! من تنعت بالأنوثي؟"
تركني أخيراً، وجلس يحدق في وجهي بنظرة غريبة، ثم قال:
— "حسناً حسناً سأتركك، لكن.. أليس وكأنك خارج من مشهد سينمائي لفيلم من الذين نتابعهم؟"
— "هاااه! ما الذي تقوله؟"
تابع بتمتمات بدت وكأنه يمدح فيها نفسه قبل أن يصفني:
— "أعني، لديك كل المقومات لتكون أشبه بممثل وما إلى ذلك. (امم لدي موهبة في الوصف حقاً.. جيد)."
— "توقف عن قول هذا الهراء!"
لكن ألبرت دخل في طور "الروائي" وبدأ يصفني بكلمات جعلت وجهي يشتعل خجلاً:
— "الأمير الخجول.. الأشقر القمحي الأبيض الفاتن.. صاحب العين البنية الداكنة القاتلة.. الخجول المدلل.. زير النساء.. آه يا حضرة الملك، لقد فتنتني هذه العذراء.. قلبي الصغير لا يتحمل!"
صرخت فيه محاولاً إيقافه:
— "هاااا! توقف عن هذا الهراء، أنت مغفل حقاً!"
لم يكتف بذلك، بل ختم "وصفه الملحمي" بضربة لكرامتي كشاب:
— "أوه نسيت، كان علي أن أذكر أنك قزم، طولك لا يتجاوز حتى الـ 170 سم."
رددت عليه فوراً، محاولاً استغلال ضخامته ضده:
— "حسناً، على الأقل لست غوريلا يستغل طولي لألعب في نادي كرة السلة في الثانوية."
— "على الأقل أطول منك، طولي أصبح 180 سم."
— "لازلت غوريلا."
— "أوه، أليس هذا منطقياً؟ أنا أصفك بشكل روائي في قصة خيالية، عليك أن تشكرني!"
تذكرت شيئاً قد يجعله يتوقف عن ملاحقتي، فنظرت للساعة وقلت بمكر:
— "حسناً أيها الروائي، أليس لديك واجب منزلي غداً يجب عليك تسليمه؟"
قفز من مكانه كمن أصابته صاعقة:
— "ااااه تباً! لقد نسيت.. لم أنجز أي معادلة، وذلك الأستاذ المتعصب يريد فقط سبباً لكي يوبخني."
— "ليس حقاً، أنت فقط مهمل."
بدأ بجمع أغراضه بسرعة وهو يتجه للباب:
— "حسناً إلين، أظن أنني سأذهب. شكراً على استضافتي في منزلك ومشاهدة الفيلم، لقد كان ممتعاً بحق. أراك غداً في الثانوية."
ابتسمت له برضا:
— "أوه، لا بأس.. حظاً موفقاً، رافقتك السلامة."
— "إلى اللقاء!"
بمجرد أن أغلق الباب، عاد السكون ليحتل غرفتي. وقفت مكاني أفكر فيه.. في ألبرت. إنه فعلاً شخص رائع، الأكثر شهرة في المدرسة، بطوله وشعره الأسود وعينيه اللتين تشبهان ظلام الليل.. لا عجب أنه "زير نساء" في مدرستنا، ومع بنيته المتناسقة تلك، يمكنه حقاً أن يصبح لاعباً كبيراً.
[ بعد يومين ]
كنت أقف في الممر، حين وقعت الكلمات على مسامعي كأنها انفجار. صرخت دون وعي، والكون كله يدور من حولي:
— "ما الذي تقوله فجأة!!!"