خطة البحث عن المفقودين (1)
𝓒𝓱𝓪𝓹𝓽𝓮𝓻 28
الوجود الذي بدا وكأنه اختفى من هذا العالم.
تبخر دون أن يترك وراءه صورةً واحدة، ولم يبقَ منه سوى ما في ذاكرتها.
أمسكت جو-هي ببطاقة الموظف، الدليل الوحيد على أن ذلك الشخص كان موجودًا، كما لو كانت شيئًا ثمينًا.
كان واضحًا لأي شخص أن العلاقة بينهما لم تكن مجرد علاقة عادية بين موظفة ورئيسها.
فرك سو-ميون جسر أنفه بانزعاج، وتنهد قائلًا:
"لقد كان هناك. أردتُ إنقاذه إن استطعت، لكن الوضع كان خطيرًا جدًا."
لم يضف أي اعتذار.
لقد فعل كل ما كان ممكنًا ضمن حدود قدرته.
عند سماع كلماته، جلست جو-هي ببطء وقد ارتسمت على وجهها ملامح الحيرة.
قال يونغ-تشول وهو يساندها:
"لنسترح جميعًا أولًا. الجميع مرهقون. لنتابع الحديث عندما تهدأ رؤوسنا قليلًا."
دون أن ينتبه أحد، بدأ خيط الفجر الباهت يشق الأفق.
وفي أكثر ساعات المدينة هدوءًا، حمل كل واحدٍ منهم اضطرابه الداخلي، وافترقوا عائدين إلى حياتهم اليومية.
في الحقيقة... لم يُحل شيء على الإطلاق.
ومع ذلك، عاد الجميع بطريقة ما إلى حياتهم المعتادة.
***
عاد سو-ميون إلى منزله، وأخرج الأشياء التي أحضرها من المخرج الرابع، محاولًا أخيرًا ترتيب أفكاره.
خمس من عملات الورد لا يتذكر أنه التقطها.
والأغرب من ذلك...
الدُّمية المحشوة التي بقيت متشبثة بكتفه حتى بعد عودته إلى العالم الحقيقي.
تشيشاير.
قال وهو يضعها برفق على طاولة غرفة المعيشة:
"عفوًا؟"
حاول مخاطبته عدة مرات.
لكن تشيشاير لم يقل شيئًا.
لم يستطع سو-ميون معرفة إن كان لا يريد الكلام... أم لا يستطيع الكلام.
في الوقت الحالي، لم يكن يبدو سوى دمية محشوة عادية.
بعد قليل من التفكير، غطى عينه اليمنى برفق.
كانت عدسة السايكلوب اللاصقة لا تزال في عينه اليسرى.
كان يأمل أن يرى شيئًا مختلفًا كما حدث عند المخرج الرابع...
لكن لم يظهر أي شيء غير مألوف.
بعد تردد، نزع العدسة ووضعها داخل علبتها.
لم تكن العلبة مختلفة عن أي علبة عدسات عادية.
الاختلاف الوحيد أنها كانت مخصصة لعدسة واحدة فقط، بدلًا من العلب المعتادة ذات الحجرتين.
عدا ذلك، لم يكن فيها شيء مميز.
فكر دون قصد:
"هل يجب أن أنظفها كما أنظف أي عدسة لاصقة؟"
وأثناء شروده، وقع نظره على سترة السوكاجان التي رماها جانبًا بإهمال.
العدسة...
وتشيشاير...
بعكس العالم الغريب، لم يتغير أيٌّ منهما بعد العودة إلى الواقع.
إذا كان الأمر كذلك...
فماذا عن السترة المصنوعة من جلد أسد نيميا؟
بدافع الفضول، حمل السترة المطرزة بعناية.
ثم دخل المطبخ، وعاد وهو يحمل مقصًا كبيرًا للمطبخ.
"إن كانت تعمل في العالم الحقيقي أيضًا... فالإمكانيات لا حدود لها."
حتى عدسة السايكلوب...
ربما لم تُظهر شيئًا الآن لأنه لا يوجد شيء لتُظهره.
ولو كانت تعمل في الواقع، فقد تكشف أمورًا عندما يقترب من مكان مرتبط بإحدى الأساطير الحضرية.
أما تشيشاير...
فإن كان نائمًا فقط، فربما ينبغي الاعتناء به بانتظام.
وأما السترة...
فلا حاجة للكلام عنها.
مجرد ارتدائها كان يمنح مناعة ضد أي قوة جسدية.
يا لها من طمأنينة.
قال وهو يوجه المقص نحو السترة:
"شق صغير فقط..."
لكن حتى وهو يضع نصل المقص على سترة جلد أسد نيميا...
ظل مترددًا طويلًا.
هذه هي السترة نفسها التي لم تُصب بخدش واحد حتى أمام هجمات سان-هيوك الوحشية.
لم يظن أن قطعًا صغيرًا سيؤثر عليها.
"القوة في الجلد نفسه... ليس من الضروري أن يبقى على شكل سترة كاملة."
بعد أن أقنع نفسه بذلك، تجنب مناطق التطريز الكثيفة، ووضع النصل برفق على كتفها الأيسر.
مرر المقص بخفة فوق القماش.
خُدش الجلد... ثم انقطع بسهولة تامة، دون أدنى مقاومة.
"آآه!"
شهق سو-ميون لا إراديًا، وأخذ يفرك المكان بأصابعه بسرعة.
كان يظن أنه لامسها لمسًا خفيفًا فقط...
لكن قطعة بطول مفصل إصبع قد انفصلت تمامًا.
"أي مناعة هذه؟!"
بل كانت أضعف حتى من قميص عادي!
رغم أنه أتلف سترته الثمينة...
إلا أنه تأكد من حقيقة واحدة.
الأدوات الغريبة لا تعمل بقدراتها إلا داخل الأساطير الحضرية.
***
دينغ دونغ.
في اللحظة التي وصل فيها إلى هذا الاستنتاج...
رن جرس الباب.
نهض سو-ميون، وطوى سترة جلد أسد نيميا بعناية.
وقد قرر أن يعاملها بحذر ما دام في العالم الحقيقي.
ثم نظر إلى شاشة الإنترفون.
"جو-هي؟"
كانت الزائرة غير المتوقعة هي غو جو-هي.
حك مؤخرة رأسه، واتجه نحو الباب.
كانت تقف في الخارج، ويبدو عليها الإرهاق بوضوح.
قال متفاجئًا:
"ألم يكن من المفترض أن تذهبي إلى العمل اليوم؟"
فتح سو-ميون الباب بدهشة، فابتسمت جو-هي ابتسامةً باهتة وأومأت برأسها.
"كنتُ سأذهب... لكنني أخذت إجازة مرضية. لا أظن أنني قادرة على العمل وأنا بهذه الحالة."
وبعد الليلة التي مروا بها، لم يكن ذلك مستغربًا.
أومأ سو-ميون، فترددت جو-هي قليلًا قبل أن تسأله:
"هل يمكنني الدخول؟"
"آه... نعم، بالطبع."
بدعوته لها، دخلت جو-هي إلى الشقة وأخذت تتأملها بهدوء.
كانت هذه المرة الثانية فقط التي تزور فيها منزل سو-ميون.
علّقت على الجدار عدة صور.
صورٌ في أماكن تُعلَّق فيها عادةً صور العائلة.
لكن...
كلها أصبحت صورًا فردية.
كان سو-ميون يقف وحده في منتصف كل صورة، بابتسامة محرجة.
منذ طفولته...
حتى صورة حديثة نسبيًا له بزيه العسكري.
كل صورة كانت واضحة أنها التُقطت كتذكار عائلي...
ومع ذلك، لم يبقَ فيها سوى سو-ميون وحده.
تأملت جو-هي الصور بصمت، ثم جلست ببطء في غرفة المعيشة.
قالت فجأة:
"ألا يبدو الأمر سخيفًا؟"
ثم تابعت:
"أن تفقد شخصًا عزيزًا من حياتك... ومع ذلك تضطر إلى استخدام إجازة مرضية فقط حتى تتمكن من التغيب عن العمل. أليس هذا... سخيفًا؟"
وفي خضم ذلك الواقع العبثي...
أطلقت ضحكةً خافتة.
حينها فقط لاحظ سو-ميون أنها ترتدي ملابس رياضية.
فسألها:
"هل ركضتِ حتى هنا؟"
كان يعلم أن المنطقة التي تعيش فيها تبعد عن منزله ما لا يقل عن عشرين دقيقة بالمترو.
ولو جاءت سيرًا على الأقدام لاستغرق الأمر قرابة ساعتين.
ومع ذلك، بدا أنها ركضت المسافة كلها.
قالت:
"كنتُ أركض معه كلما سنحت لنا الفرصة. كان ذلك الهواية الوحيدة التي اشتركنا فيها نحن الاثنان... الجري."
لم يكن هذا ما سأله...
لكنه لم يجد ما يقوله.
ولأنه عجز عن إيجاد الكلمات المناسبة، اتجه إلى المطبخ وأحضر لها كوبًا من القهوة سريعة التحضير.
بعد أن ارتشفت قليلًا من القهوة الساخنة الحلوة...
دخلت في صلب الموضوع.
"أريد أن أعود إلى المخرج الرابع."
في الحقيقة...
حتى في القصة الأصلية للعبة UTG، كانت جو-هي من الشخصيات التي تموت دائمًا.
ولم يكن سو-ميون يعرف عنها سوى ما أخبرته به بنفسها.
كان يستطيع أن يستنتج أن الشخص المفقود كان عزيزًا جدًا عليها...
لكنه لم يكن يعرف إلى أي حد.
قالت:
"كون الأسطورة معروفة إلى درجة أن الناس يتحدثون عنها على الإنترنت... فهذا يعني أن كثيرين دخلوها وعادوا منها، أليس كذلك؟"
ظل سو-ميون ينظر إليها بقلب مثقل.
أما هي فواصلت بصوت حازم:
"أنت وهان-سو دخلتما... ثم عدتما سالمين."
بدا أنها وجدت في ذلك بصيص أمل.
إمكانية إنقاذ شخصٍ عالق داخل إحدى الأساطير الحضرية...
وإعادته إلى العالم الحقيقي.
ثم قالت مجددًا:
"أريد أن أدخلها مرة أخرى."
غرق سو-ميون في التفكير بعد سماع طلبها المتكرر.
كان ذلك قرارها.
ولم يكن يملك الحق في منعها...
ولا في السماح لها.
ومع ذلك...
فقد جاءت إليه وكأنها تطلب موافقته.
قالت:
"إذا كان لديك أي نصيحة... أي شيء على الإطلاق... فسأكون ممتنة جدًا."
تمتم سو-ميون:
"النصيحة... حسنًا..."
لم يكن قرارها مدفوعًا بالعاطفة وحدها.
كانت قد هيأت نفسها لتقبل قدرٍ معين من الخطر.
لكنها لم تكن تنوي الاندفاع دون خطة.
بل كانت تنوي الاستفادة من نصائح سو-ميون، الذي كان دائمًا يضع حلولًا عقلانية لكل ظاهرة خارقة للطبيعة يواجهونها.
وتحت وطأة نظرتها المليئة بالإصرار...
انزلقت عينا سو-ميون نحو حاسوبه.
كانت ملفات UTG لا تزال هناك...
دون أن يمسها أحد.
ثم قال:
"إذًا... امنحيني لحظة."
اتخذ سو-ميون قراره بجمع كل ما يعرفه ونقله إليها.
فإذا نجحت جو-هي في إنقاذ شين هيون-سوك، فهذا يعني أن هناك طريقة لاستعادة والديه أيضًا.
ولم يكن من السيئ اختبار هذه الإمكانية على حالةٍ أخرى قبل أن يحاول العثور على والديه.
إضافةً إلى ذلك، وبمعرفته بشخصية جو-هي، فإذا ساعدها في العثور على ذلك الشخص، فلن تنسى هذا الدين.
جلس سو-ميون أمام حاسوبه وقال:
"قد لا يكون هناك بعد الآن."
لم يكن يهم أن الآخرين لا يستطيعون رؤية أي شيء يتعلق بـ UTG.
فبعد كل ما مروا به من تجارب خارقة للطبيعة، لم يعد التصرف الغريب أمرًا يستحق الاستغراب.
بحث سو-ميون في ملفات حاسوبه وفتح أحدها.
راقبته جو-هي قبل أن تسأله بحيرة:
"ماذا... تقصد بذلك؟"
استعاد سو-ميون في ذهنه اللحظات الأخيرة.
الممر الذي تغيّر أثناء مطاردتهما لشين هيون-سوك.
والمنشورات التي ظهرت على هاتف القلب وعلى الإنترنت.
وعندما جمع كل تلك الخيوط، توصّل إلى أمرٍ واحد.
"هل تتذكرين المنشور الذي رأيتِه على الإنترنت أثناء بحثكم عنا؟"
كان نص المنشور يقول:
[اليوم وُلدتُ من جديد.
تحررتُ من حياةٍ يومية مملة.
حتى وداعي الأخير تخطّيته.
وداعًا أيتها الحياة البائسة.
إلى مكانٍ لا تغيب فيه الشمس.
امنحني حريتي.]
تذكرت جو-هي المنشور وأومأت برأسها.
فقال سو-ميون:
"تعلمين تلك الحيلة الشائعة، أليس كذلك؟ حين تقرئين الحرف الأول من كل سطر، فتظهر رسالة مختلفة."
عقدت جو-هي حاجبيها.
كيف لم تنتبه إلى ذلك؟
وعندما قرأت الحرف الأول من كل سطر، ظهرت الرسالة بوضوح.
م.م: اذا حاولتوا تاخذوا اول الاحرف بالعربي مارح تظبط معكم~
واصل سو-ميون تحليله:
"كون الرسالة الحقيقية مخفية... فهذا يعني أن هناك شيئًا يراقب، أليس كذلك؟"
ثم تابع:
"وأحد الأسطر يقول "
بدأ سو-ميون يبحث بين العدد الهائل من الألعاب الأصلية وألعاب المعجبين، والمحاكاة الساخرة الخاصة بـ UTG المخزنة على حاسوبه.
إلى أن وجد ملف
وكان محفوظًا إلى جانب ملفٍ آخر.
فتح الملف.
المشهد الذي تحوّل إليه النفق أثناء مطاردتهما لشين هيون-سوك...
كان يزداد شبهًا بمدينة ملاهٍ قديمة ومتهالكة.
ألوان وردية وخضراء فاتحة متداخلة.
حتى شاشة البداية كانت تحمل خلفية مطابقة تمامًا لما رآه هناك.
وذلك زاد من قناعته.
قال:
"اتباع صوت الناي حتى الوصول إلى الأرض الموعودة... هو أحد النهايات الموجودة في سيناريو المخرج الرابع."
الأرض الموعودة.
الوجهة الأخيرة لكل من سار في الحلقة اللانهائية داخل المخرج الرابع...
بمن فيهم شين هيون-سوك.
وإذا كانت تلك الوجهة تشير إلى أرض بايكيا...
فإن:
"أرض بايكيا... هي الأرض التي لا تغيب فيها الشمس. وفكرة مدينة الملاهي تتوافق فعلًا مع صورة الحرية والتحرر."
اختصر سو-ميون الأساس الذي بنى عليه نظريته، ثم قال:
"لذلك، هناك احتمال كبير أن الأشخاص الذين ابتلعتهم ظاهرة المخرج الرابع انتهى بهم الأمر هناك."
ازداد ارتباك جو-هي بعد سماع كلامه.
فهي لم تكن ترى أيًا من ملفات الألعاب التي كان يشير إليها.
لكنها قالت ببساطة:
"حسنًا."
ثم أومأت برأسها.
ليس لأنها رأت الدليل...
بل لأنها وثقت بسو-ميون.
فمع تسرب الظواهر الخارقة إلى حياتهم اليومية وتهديدها لها...
كان سو-ميون الوحيد الذي استطاع أن يدلهم على طريقٍ للمضي قدمًا.
وفوق ذلك...
كان هو نفسه قد فقد والديه.
ومع ذلك، فإن أول شخص عثروا عليه لم يكن والديه...
بل الشخص الذي فقدته هي.
كانت جو-هي تدرك تمامًا كم كانت محظوظة بذلك.
وكلما ازداد الوضع يأسًا...
كان عليها أن تتخلى عن عنادها، وتتخذ قرارات عقلانية.
ثم قالت بحزم:
"إذا كان في أرض بايكيا... فلنذهب إلى هناك."
*************************
نهاية الفصــــــــــــــ28ـــــــــــــــــل
~بايكيا بمعنى الليل الأبيض أو الشمس التي لا تغيب وهي ظاهرة طبيعية في بعض المناطق القريبة من القطبين، حيث تظل الشمس ظاهرة حتى منتصف الليل ولا يحل الظلام
لا تنسوا التفاعل☆
ترجمة: يونا~
حسابي الانستا لأي استفسار: manhwa_youna