هبة
حصد ايثان هارت كل الفوائد الممكنة ، و زادت قوته بشكل كبير ، بل و انتهى به الامر الى الحصول على اثنين من أقوى الاسلحة على الاطلاق ، واحد من آرس فارس الفجر الذهبي ، و آخر يسمى الدارك سيستر ، سلاح جرى صقله على يد الحداد الاسطوري غانيشكا .
سدد الضربة القاضية التي اطاحت بفارس الفجر ، و هزم آلدريتش بنفسه بعدما جعل هذا الأخير يرتجف امامه .
كان السبب الرئيسي في هزيمة سيد الفرسان آلديباران ، و قدم دورا كبيرا طوال فترة تواجده داخل اشفارن القديمة ، بل و كان هو من جعل جاكسون الصياد القديم ينضم اليهم .
لم يسر كل شيء كما اراد ، و كانت هنالك بعض الامور التي استطاع تحسينها بشكل عام ، خصوصا لو امتلك معلومات مسبقة دقيقة عن الاعداء و المخاطر القادمة .
لكن و بشكل عام و بالنظر الى المعلومات المتاحة لديه و التحضير الشحيح الذي استطاع القيام به ، ادرك ايثان انه لم يكن ليقدم اداءا افضل من هذا ، فلو كان هنالك من جائزة MVP لمنحت إليه بكل تأكيد .
عقل ايثان استحضر الاشهر القليلة الماضية ، بينما تأرحج من مبنى الى آخر بواسطة حبل الخطاف ، ميزة ذراعه الآلية الاولى .
بعد هزيمة آلدريتش و تحصيل المكافآت ، رأى إيثان بأن العودة الى رفاقه خيار أفضل بكثير من مغادرة الزنزانة بمفرده .
"لابد أن الموجودين بالخارج قد ادركوا بالفعل أن الغارة هنا قد انتهت .."
تصفية آشفارن القديمة تعني بأن الشعلة الام ستتقد أقوى من اي وقت مضى بعدما كانت مهددةً بالانطفاء .
ما حققه ايثان و من معه كان كافيا ليتم اعتبارهم ابطالا تخلد اسماؤهم كمنقذين للعشيرة ، بل إمبراطورية آردين باكملها .
فما كانت عائلة آردين الحاكمة لتصمد امام تفشي اللعنة ، خصوصا عندما يتحول كل الهارت الى وحوش دامية ..
مجرد تخيل فيلق وحوش يقوده فارس الفجر الذهبي رفقة آستيريون الإمبراطور غير المتوج جعل قلب ايثان يغرق داخل صدره .
هم حقا تجنبو الكارثة ...
"اريد مغادرة هذا المكان الكئيب باسرع وقت ممكن ، لكنني لا اعلم مالذي ينتظرني بالخارج ... الانضمام للاخرين و المغادرة معا هو الخيار الصحيح على الارجح "
بينما عبر المدينة المحطمة ، كانت اعين ايثان تنجذب تلقائيا لزوايا الشوارع المظلمة ، و المباني المدمرة التي عبرها عدة مرات طيلة الاشهر المنصرمة .
الان و بعد زوال اللعنة ، باتت مدينة آشفارن اصغر بكثير مما كانت عليه بالماضي ، فهي بدت كمتاهة لا نهاية لها سابقا بحيث ان المباني تستمر بالظهور كلما حاول المرأ الهرب منها .
اما الان فهي اصبحت أصغر حتى من اشفارن الموجودة بالاعلى ... العديد من المباني اختفت ، لكن برج الساعة الذي صادفه بالماضي ، و الكولوسيوم حيث قابل جاكسون .. كلها اماكن لا تزال موجودة .
رائحة الدم تفشت في المنطقة بشكل أكبر ، و كانت السيوف المشتعلة مغروزة بكل مكان بعدما قام هو و الاخرون بتصفية كل الوحوش . بالإضافة لسيف ذهبي هائل برز بوضوح نظرا لحجمه الكبير ..
"هذا غريب .. أنا راغب بمغادرة هذا المكان بكل تأكيد ، رغم ذلك ... اجد نفسي معتادا على هذه البيئة المزرية و كأنني انتمي اليها .."
كان ايثان منزعجا من شعوره بالالفة تجاه المكان ، فالوحوش وحدها من تعيش بوسط ملعون مثل آشفارن القديمة حيث رائحة الموت و الدم تنبعث من كل ركن .
ايثان قرر تجاهل الامر ببساطة ، لان سرعة تنقله بحبل الخطاف جعلته يعود سريعا الى الكاتيدرائية حيث خاضوا غارتهم الاخيرة ..
أول من تبادر الى ذهنه بمجرد وصوله قد كان عجوزا سكيرا قاتل الى جانبه و رآه بتعرض لجروح غير إنسانية ، اصابات لم يكن لينجو منها اي بشري طبيعي .
كان يعلم بأن آستيريون قوي ، بل وحش حقيقي احد القابه هو الشيطان الاحمر ، لكن حتى ذلك الشيطان يملك قلبا واحدا ، و اذا ما توقف ذلك القلب عن النبض فيسيموت لا محالة .
و بينما تقدم و وجه العجوز يغمر باله ، تجمد ايثان فجأة عند بوابة الكاتيدرائية المدمرة ، بعدما وجد شخصا آخر بانتظاره .
جسده توتر قليلا إزاء رؤيتها امامه لوحدها ، لكنه حافظ على حدته بما فيه الكفاية ليتخذ وضعية دفاعية و عيناه مثبتتان عليها .
خافضا مركز ثقله قليلاً ، كان ايثان مستعدا للرد على أي حركة عدائية مفاجئة .
المرأة الماثلة امامه حدقت نحوه بفضول مبرزةً وجها اظهر ملامح السذاجة و اللامبالاة ، لكن تعابيرها تغيرت بالكامل في اقل من ثانية و كأنها ازالت قناعا و وضعت آخر ، فضحكت بخفة .
"لما كل هذا التأهب يا ايثان ؟ هل من وحش يقف خلفي دون علمي ؟" إستدارت المرأة متفقدةً ما وراءها معطية ايثان ظهرها . و لوهلة ، هو فكر حقا بمهاجمتها في تلك اللحظة .
لكنه كان اذكى من ذلك ، فالغبي وحده من يسقط بفخ شديد الوضوح .
"و كيف لا اظل متأهبا بينما أحد الرسل القذرين تقف امامي ؟"
"ياله من اتهام خطير ." مغمضة عينيها بهدوء رغم خطورة ما قيل .. تقدمت شيروكي للامام بضعة خطوات مقتربة من ايثان ، فتراجع هو الاخر للوراء بعدد مماثل من الخطوات .
"لما تهرب مني ؟" هي سألت بنبرة حملت لمحة من السخرية ، قبل ان تتعمق أكثر . "أخائف ؟"
ردا ، ابتسم ايثان هو الآخر بمرارة .
"سأكذب إذا ما قلت انني لست كذلك ."
خائف .. و كيف لا يخاف ؟ فإذا اتضح ان شيروكي رسولة حقا لاحد سادة الليل ، ذلك يجعلها اخطر من زعماء الزنازن الارثية امثال آلدريتش .
"لما لا تهرب إذا ؟ ام انك واثق من قدرتك على قتالي ؟" امالت شيروكي رأسها قليلا بينما برز ضوء خفيف من اعينها القرمزية .
"لست جريئا بما يكفي لاعطيك ظهري بينما اولي هاربا "
"اجل اجل ، انت من النوع المخطط و كل شيء ، إستنتجت هذا القدر بالفعل ." تنهدت شيروكي .
ايثان ابتلع ريقه ببطء بالمقابل بينما كانت اعين الغراب الحكيم خاصته تحلل ما يراه امامه ..
الفتاة المسماة شيروكي .. كانت مليئة بالثغرات .
مهما نظر اليها ، هو لم يجد ما يثير القلق بل راى عشرات المسارات المناسبة للهجوم ، كلها ستنتهي بفوزه على الارجح لو صدق ما كان يراه .
لكنه لم يفعل لسببين .. لعلمه بمدى خطورة الرسل ، و أيضا بسبب ما حدث اثناء المعركة ضد فارس الفجر الذهبي .
"تلك السلاسل الغريبة .. كانت انت اليس كذلك ؟"
"لا فائدة من تأكيد ما هو واضح ."
"أنا ارى .." تصلبت ملامح ايثان بعد ذلك ، فلم يعد هنالك شك حيال هوية الماثلة امامه .
يده الآدمية توهجت بضوء ازرق شديد النقاء ، مستحضرة سيفا أسود فريدا امسكه بقوة ، بينما جهز ذراع الفيلق ليستخدمها عند الحاجة .
"أوه هيا ! أحقا هذا ما تريده ؟ ظننتك اذكى من هذا ." هزت شيروكي رأسها يمينا و يسارا خائبة الامل بينما حافظ ايثان على موقفه .
"لن نعلم مالم نجرب ."
"لنسهل الامر عليك اذا ." رفعت شيروكي يدها و فرقعت اصابعها دون مبالاة ، ثم و على الفور -
سمع ايثان صوت جلجلة السلاسل ، و باقل من ثانية واحدة .. كان مقيدا بالكامل محاطا بافاعي حديدية اجتاحت جسده بالكامل و لم تترك سوى وجهه بارزا بالكاد .
السلاسل كانت تعتصر جسده بقوة مروعة ، و لم يستطع الاتيان باي حركة مهما حاول...
"تبا .." تعرق ايثان بغزارة بعدما حوصر بالكامل ، اما شيروكي فاقتربت منه ببطء محافظة على نفس موقفها السابق .
ايثان ايقن بان السلاسل نابعة من سحر ، فلا شك بأن الماثلة امامه ساحرة ، لكنه لم يرى تعويذة كهذه من قبل .
'بالكاد رأيت شيئا ..'
رغم استخدام بصيرة الغراب الحكيم ، هو لم يتمكن من رصد السلاسل و هي تحيط به .
السلاسل ظهرت من العدم ، و قيدته فورا .. و كأنها كانت موجودة منذ البداية .
"هل افهم من هذا انني فشلت بالمحنة ؟" سأل ايثان بعصبية ، بينما وازن بين الخيارات المتاحة امامه .
ردا ، اجابت شيروكي بالنفي .
"على العكس تماما ، لقد نجحت بجدراة ، رغم أنني اضطررت لمساعدتك قليلا ، لكنني افعل اي شيء من اجل اميري المستقبلي ~" قالت شيروكي بوجه مخيف جعلها تبدو كالمجانين ..
"مالذي تتحدثين عنه بحق خالق السماء ؟"
بالنظر الى وجه المرأة الماثلة امامه ، شعور مشؤوم اعترى قبل ايثان .
"المحنة لا تزال طويلة ، و ما هذه سوى مرحلتها الاولى ... من الان فصاعدا ستبدأ الكوابيس بالانهيال عليك ، ستجد نفسك مضطرا للتنازل عن الكثير ، و ستضحي بالكثير أيضا . ثم ستجد نفسك امام خيار مرير بالنهاية ."
بينما تحدثت شيروكي بحرية تامة دون مبالاة ، رمشت اعين ايثان لجزء من الثانية ، فإذا بامرأة عجوزة تظهر امامه بدل الفتاة التي بدت من سنه سابقا .
كانت هذه هي تلك المرأة التي رآها في جنة الصيادين ، السيدة اللطيفة التي توزع الطعام ... امرأة لن يصدق احد انها قادرة على ايذاء احد .
قدرة شيروكي على التنكر كانت مرعبة بكل المقاييس ، قادرة على اخفاء نفسها بالكامل خلف قناع سميك ..
حتى آستيريون الإمبراطور غير المتوج فشل باكتشافها رغم انها كانت امامه مباشرة ، في الواقع ... لو لم تظهر نفسها امامه عن عمد لما تعرف ايثان عليها هو الآخر .
"لاحظت اليس كذلك ؟ انني لم اتكبد عناء اخفاء نفسي عنك منذ البداية ، فلو اردت قتلك حقا لما ادركت وجودي من الاساس ."
مشت شيروكي ببطء حول ايثان ، و اخذت هيأتها تتغير مع كل خطوة تتخذها ..
ظهرت كسيدة عجوز بالبداية ، ثم امرأة بالغة بشعر احمر و ملامح ماشبهة لافراد عشيرة الهارت ، ثم اخذت الامر لما هو ابعد من ذلك و تغيرت بنيتها الجسدية بالكامل لتتحول الى رجل بالغ عريض الكتفين اطول من ايثان حتى ..
هذا الاخير شاهد مصدوما ، فحتى بصيرة الغراب الحكيم فشلت بالرؤية من خلال تنكر المرأة المتقن ، هذا ما إذا يمكن اعتبارها امراة من الاساس ، فايثان بدأ يشك فعلا حيال هيأتها الحقيقية .
شيروكي غيرت شكلها بضعة مرات بعد ، متخذةً هيأة طفل يبدو بالكاد في العاشرة من عمره تارةً ، و هيأة فتاة لطيفة تارة أخرى .
"كن حذر بمن يجب ان تثق عزيزي ايثان ، فالاشخاص الذين تعرفهم حق المعرفة يمكنهم إيذاؤك أكثر من اي شخص آخر ."
تزامنا مع كل كلامها الاخير ، اتخذت شيروكي هيأة أشخاص يعرفهم ايثان جيدا .
بينما كانت تدور من حوله في دوائر ، اخذت هيٱة مون هارت .. قائدة فرقة الصيد التي ينتمي اليها ، ثم غيرت الى رايدن .. و تشاي من بعده ، ثم آليسيا و لونا .
حتى انها اخذت هيأة آستيريون العجوز السكير ..
بكل مرة ، ملامحها ، إيمائتها ، تصرفاتها و الطريقة التي حملت نفسها بها ... بدت مماثلة جدا للاشخاص الذين تقمصت اشكالهم ، و لم يستطع ايثان ايجاد اي فرق مهما حاول .
كانت هذه طريقة شيروكي لاخباره ، بانها قادرة على النيل منه في اي لحظة تشاء ، سواءا بالماضي او الحاضر .. و حتى المستقبل .
'اذا ما أخطأت ، إذا ما فشلت بالمحنة .. ستكون هي من تنهي امري ..'
عالقا بين السلاسل ، لم يكن لدى ايثان ما يفعله سوى التحديق باعصاب مشدودة ، الى ان ينتهي الامر .. لكن شيئا ما ازعجه بشدة .
"أتكدبت عناء الظهور امامي .. فقط من اجل هذا ؟"
"بالطبع لا " درت شيروكي فورا ، ما زاد من مخاوف ايثان بعدما ادرك ان شكوكه صحيحة ..
"جئتك اليوم لاسلمك هبته ... هبة شيطان التوازن ، فانا احد رسله و هذا ما يفعله الرسل اليس كذلك ؟"
ابتسمت شيروكي من خلال وجه لونا ، ابتسامة لاذعة قد توصف بالجمال في الاحوال العادية ، لكنها بدت كابوسية بعد ذكرها لاسم كيان خبيث يثير الرعب بقلب ايثان .
شيروكي مدت يدها ، فاخذت اصابعها النحيلة تتحول من اللون الابيض للاسود ، بينما تشكلت دوائر ذهبية عجيبة فوق جلدها و كأنها وشوم قديمة ..
كانت دوائر معقدة جدا و غير مفهومة ، رؤيتها جعلت نبض ايثان يتسارع ، فقلبه لم يكن الجزء الوحيد من جسده الذي تفاعل مع تلك الدوائر .
كلما اقتربت تلك اليد منه ، كانت الحرارة بمؤخرة رقبته تزداد ، مصحوبة بألم اشبه بوخز الابر ..
الدماء بدأت تقطر من علامة اللعنة ، و أخذت تتفاعل مع الدوائر الغريبة المنقوشة على ذراع شيروكي .
كان لدى ايثان شعور مشؤوم تجاه تلك الدوائر .
"توقفي مكانك ! لا تلمسيني !" هو صرخ مذعورا ، بعدما ادرك بأن شيروكي كانت تمد يدها نحو علامة الكسوف الدموي .
حاول ايقافها ، لكن دون فائدة فالسلاسل حاصرته بالكامل و لم يكن هنالك من قدرة او سلاح بجعبته تخوله كسر ذلك التقييد .
"تقبل الهبة ، فهذا مصيرك ." توسعت ابتسامة شيروكي المريضة ، بينما لمست يدها مؤخرة عنق ايثان أخيرا .
بمجرد تلامس يدها السوداء المليئة بالدوائر مع علامة اللعنة .. شعر ايثان و كأن عالمه قد انقلب رأسا على عقب .
و كأن احدهم حقن حمما بركانية لاذعة داخل جسده ، و كأن سما فتاكا تفشى بداخله ، الالم كان عظيما .. عظيما جدا .
"آرررعغ .. آاااااه !!!" بدأ ايثان بالصراخ ، بعدما لم يتمكن من كتم انفاسه بعد الالم الفظيع الذي تعرض له .
اما شيروكي ، فضحكت بسعادة و اعينها تنظر اليه بنظرة سادية مرعبة .
"لديك احد الطف اصوات الصراخ التي سمعتها في حياتي ، يالها من صرخة حلوة "
كانت رسولة التوازن تمدح صرخات العذاب واصفة إياها بالجمال ، لكن إيثان لم يتمكن من سماع ايا مما قالته ، فعقله كان لا يزال يحاول استعاب ما يحدث له حاليا .
رؤيته تشوشت ، و الدموع تشكلت بزوايا اعينه ..
شعر برغبة عارمة من اجل البكاء ، و كأنه طفل رضيع حساس لاتفه الاشياء ..
مقاوما رغبة ذرف الدموع ، تماسك ايثان بوعيه قدر المستطاع متجاهلا صوت النواح الصادر من اعماقه ..
صوت بكاء طفل رضيع مشؤوم تردد صداه بداخله عدة مرات ، لكنه بات اقوى بكثير الان ..
'صوت بكاء الطفل مرة أخرى ... مالذي يجري لي بحق الجحيم ؟ من اين يأتي هذا الصوت ؟ و من يكون هذا الطفل الرضيع الذي يرفض التوقف عن البكاء !!'
بكاء الرضيع ظل لغزا ارق ايثان كثيرا ، و لم يجد له إجابة أبدا .. لكنه ادرك شيئا واحدا كان متيقنا منه .
'جسدي يتغير .. شيء ما يتغير بداخلي ، شيء ما .. يحاول أن يولد بداخلي ..'
كان شعورا مشؤوما ، و كأن جسده بؤرة مظلمة تملؤها الشرور ، و ما هو سوى وعاء لها .
الدوائر الذهبية اختفت من يد شيروكي تدريجيا ، وشم الكسوف الدموي امتصها بطريقة مرئية ، مبتلعا اياها بالكامل و كأنها طعام له .
و بمجرد اختفائها و زوالها بالكامل ، ذابت يد شيروكي المظلمة و سقطت فوق الأرض بينما ظلت مادة سوداء تتقاطر من جذع اليد التي فقدتها .
"آه .. ياللقرف ، لقد احببت تلك اليد حقا ."
رغم فقدانها لذراع كاملة ، لم تبدو شيروكي متألمة ، فقط منزعجة لا أكثر ولا أقل..
اما ايثان فبالكاد تنفس الصعداء منهارا بين السلاسل غير قادر على حشد اي قوة داخل جسده .
شيروكي رأت ضعفه هذا كعلامة لتحريره أخيرا ، و بفرقعة واحدة من اصابعها بيدها الاخرى السليمة ، اختفت السلاسل و كأنها لم تكن موجودة و سقط ايثان ارضا امام اقدامها .
محدقة به من الاعلى بابتسامة واسعة ، بينما مد يده المرتعشة متمسكا بساقها .
"م-مالذي .. فعلته لي ؟" هو سأل ، ما جعلها تميل رأسها جانبا .
"اخبرتك اولم افعل ؟ لقد نقلت الهبة اليك ، إذا ما اردت معرفة ماهيتها حقا فسيكون عليك النجاة من المحن القادمة ، هذه هي الطريقة الوحيدة ."
"تبا للمحنة .. و تبا لك ."
"لا تنظر الي هكذا ، فأنا بصفك الان . أظهر بعض اللطف لي " ربتت شيروكي على رأس ايثان بلطف ، قبل ان تتراجع خطوة للوراء بعيدا عنه .
"أظنه وقت الوداع للآن ، لن نلتقي مجددا لفترة لكن تأكد من انني سأكون قريبة منك دوما ."
شيروكي أوصلت الرسالة ، و منحت الهبة لحامل اللعنة .. بالتالي لم يعد هنالك ما يبقيها .
دور الرسل كان المراقبة ، و ايصال ما يريد سادة الليل ايصاله لا أكثر ولا اقل .. و قد بدأ ايثان بفهم اي نوع من الاشخاص يكونون .
فكرة ان يكون هنالك مخلوق دنيء يراقبه بوجه شخص مقرب منه دون علمه قد جعلت ايثان يشمئز ، خصوصا و أنه لا يملك طريقة يكتشف شيروكي من خلالها .
اراد البقاء بعيدا عنها قدر المستطاع ، و عقله كان بحالة فوضى كاملة من بعد ما جرى قبل قليل ، فهو شعر و كأن جسده يتحول ببطء الى شيء آخر مختلف تماما ..
لكن و رغم كل ذلك ، تمكن ايثان من المحافظة على ما يكفي من ثباته العقلي ، من أجل مناداة رسولة التوازن مرة أخرى .
"إنتظري !!" هو صرخ مناديا ، بعدما اعطته شيروكي ظهرها .
"هممم ؟" هي استدارت نحوه ببطء ، بينما وقف على قدميه مرة أخرى .
"أنا اريدها ." هو قال بصوت مرتعش . " اريد النصيحة ."
"واو .. ظننت انه سيغمى عليك على الأقل بعد تلقي الهبة ، لكنك لم تحافظ على وعيك فحسب ، بل تملك ما يكفي من الثبات لتتاجر معي أيضا .."
شيروكي لم تتمكن من اخفاء معالم الاثارة من على وجهها . فالرجل المعلون امامها تجاوز توقعاتها .
في تلك اللحظة ، ايثان كان يحاول الاستفادة من الموقف قدر المستطاع رغم كل ما حدث .
بعيدا عن دورها كأحد رسل سادة الليل ، شيروكي كانت معروفة بدور آخر .. فهي اشبه بعرافة تسدي نصائح دقيقة للاعبين مقابل ثمن معين .
سابقا ، هي اعطت ايثان ثلاثة نصائح مجانية ، و كانت كلها تشير لاحداث مستقبلية.
"نصائحك الثلاثة الاخيرة كانت .. عدم الاقتراب من أشفارن القديمة ، عدم التورط مع فرقة الصيد الثانية ، عدم محاولة اكتشاف ما يوجد تحت الأرض .. "
النصائح كانت مخادعة ، فالابتعاد عما تحذره عنه لا يجلب افضل النتائج دوما ، بل على العكس تماما .
لكن ايثان امتلك من الخبرة ما يكفي ليرى من خلال النصائح ، او هذا ما ظنه . نصيحة ما تحت الأرض كانت تتعلق بماثيوس ، اما اشفارن القديمة قد اتضح المقصد منها .
بقيت النصيحة الخاصة بفرقة الصيد الثانية ، و لم يكتشف ايثان حقيقتها حتى الان .
"أريد نصيحة أخرى ، موجهة أكثر قدر المستطاع " طالب ايثان بينما توسعت ابتسامة شيروكي .
"نصائحي غالية الثمن ، اواثق من قدرتك على تحمله ؟"
"لا تكوني بخيلة .. اعتبري النصيحة كتعويض على الهبة اللعينة و الالم الذي سببته لي ."
"ليس كافيا ." رفضت شيروكي قطعا ، فتنهد ايثان .
"مالذي تريدينه إذا ؟"
رسولة التوازن لم تجب فورا .. بل اخذت بعض الوقت تفكر بجدية بما تريد ، تفكيرها لم يدم طويلا و سرعانما وجهت نظرتها السادية نحو ايثان من جديد .
"سأمنحك نصيحة جيدة ، بالمقابل .. سيكون عليك تنفيذ مهمة من اجلي ."
مستمعا اليها ، توقف ايثان عند الجزئية الاخيرة .
"اي نوع من المهام ؟" سأل بحذر ، فأظلم وجه شيروكي تدريجيا .
"مهمة اغتيال ."
و كانت اجابة لم يتوقعها ايثان بتاتا ، لدرجة اظهاره لعبوس عميق عاقدا حاجبيه ، فالقتل كان احد الاشياء القليلة التي يفضل تجنبها قدر الامكان خوفا من الاعتياد عليه خصوصا بعدها بدأت مشاعره تفتر ..
فذكرى قتله لجايمس هارت كانت لا تزال عالقة بذهنه ، يومها هو لم يشعر بأي شيء رغم سلبه لحياة شخص آخر ..
و كان هذا امرا بغاية الخطورة ، فإذا ما اصبح قادرا على القتل ببرود و استمر بالامر فسيبلغ نقطة اللاعودة سريعا .
ايثان كان يميل لرفض الثمن ، لكن شيروكي اضافت المزيد من التفاصيل بعدما رأت تردده .
"لن اطلب منك قتل شخص بريء ، ولن اجبرك على استهداف احد افراد عشيرتك ، بل سأجعلك تقتل شخصا يمكن اعتباره عدوا لك ، ما رأيك ؟"
"عدو ؟ و ما ادراك من هو العدو و من الصديق بالنسبة لي ؟"
"انا اعرفك أكثر مما تظن يا عزيزي ايثان ، و الان .. ما قرارك ؟ هل ستقبل ؟ ام سترفض ؟"
كان سؤالا صعبا تطلب تفكيرا مليا .
'شخص يمكن اعتباره عدوا لي .. قد يكون هذا مجرد تلاعب منها ..'
ادرك ايثان بأنه لن يكون هنالك عودة للوراء في حال قبوله ، و لن يتمكن من الغاء المهمة بعد الحصول على النصيحة .
المخاطرة بدت كبيرة ، لكن شيروكي كانت رسولة التوازن و هذا ما جعله يميل للقبول أكثر من الرفض .
'التوازن قائم على المساواة بين الثمن و الفائدة .. إذا ما كانت المخاطر عالية ، فسيكون المقابل كبيرا ايضا ..'
هذه هي فلسفة شيطان التوازن و كل ما ينتمي اليه .. لهذا السبب ، ايثان قرر ان ..
"انا اقبل . اعطني النصيحة و هوية هذا الذي تريدين مني قتله ." حاول ايثان وضع أكبر قدر ممكن من القوة خلف صوته ، لكنه لم يتمكن من اخفاء توتره بالكامل .
شيروكي بدت سعيدة جدا باجابته ، فالتعابير المريضة التي ابدتها زادت سوءا مع كل ثانية تمر .
"احسنت الاختيار ." هي أومأت مرارا و تكرارا ، قبل ان تمنحه اجابته أخيرا.
"كل يوم ، و بعد غروب الشمس مباشرةً .. احمل وردة حمراء و اذهب بها الى الاميرة الرابعة لعائلة آردين . اذا لم يحدث شيء في المرة الاولى كررها باليوم الموالي الى ان يحدث شيء ما ."
اعطت شيروكي النصيحة ، و كان ايثان متفاجئا ..
"نصيحة مفصلة و مباشرة .. لم اتوقع هذا .."
"ما رأيك ؟ انا حقا قادرة على اعطاء نصائح جيدة عندما ارغب بذلك ."
وضعت شيروكي يدها الوحيدة فوق خصرها متفاخرة بالنصيحة التي منحتها له .
ايثان حافظ على هدوئه بالمقابل ، بانتظار سماع الثمن .
"من يجب عليك قتله ؟"
"لن اعطيك اسما واحدا ، بل سأجعلك تختار من بينهم جميعا ." قالت شيروكي ما اثار عبوس ايثان .
"مالذي تعنينه ؟"
"الامر بغاية البساطة ، قبل اكتمال القمر القادم عليك قتل واحد من امراء عائلة آردين الحاكمة . سواءا امير او اميرة ، الاختيار يعود لك بالكامل ."
تجمد ايثان مكانه بعد ادراكه لهوية من يجب عليه قتله .. شيروكي اعطته الخيار بين عدد كبير من الاسماء ، لكن المشكلة لم تكن هنا .
"تريدين مني قتل شخص لا أستطيع ان اعصي له امرا ؟ كيف يفترض بي النجاح بشيء كهذا ؟"
"عليك ايجاد طريقة بنفسك ." قالت شيروكي بلا مبالاة ، بينما بدأ جسدها يتلاشى تدريجيا .
"اعطيتك النصيحة ، و اخبرتك بالثمن . كل شيء يعود اليك الان . ايثان هارت ."
ضحكت شيروكي بخفة امام ايثان العابس ، بينما تردد صدى كلماتها الاخيرة .
"ليكن التوازن في صالحك... في الوقت الراهن"