نداء التاج
-منظور ايثان-
المعلومات التي حصلت عليها من آستيريون هي على الارجح أفضل ما حدث معي مؤخرا ، فقد بت على دراية الان بقواعد اللعنة ، و حصلت على دليل أستطيع من خلاله تنفيذ المهمة .
لعنة الدم المسلطة على عشيرة الهارت هي احد اقوى لعنات الدم التي رأيتها على الاطلاق ، و لابد ان الذي تسبب بها لم يكن عاديا ، فقد صمدت اللعنة لاجيال طويلة جدا دون ان يتمكن احد من فعل شيء حيالها .
لكنها و رغم قوتها لم تخلوا من نقاط الضعف التي يمكن استغلالها .
"لا تحاول الاقدام على فعل متهور ، فانا لم اخبرك بهذه المعلومات لتبدأ تمردا و تتسبب بمقتلك ." حذر آستيريون بجدية ، قبل ان يدير رأسه للاخرين .
"الكلام ذاته ينطبق عليكم جميعا ."
ردا ، أومأ كل الحاضرون بوقت واحد بعدما فهموا مدى جدية كلامه .
"بالحكم على ردة فعل الجميع .. انت حقا اعطيتنا بعض المعلومات السرية .." قلت بعدما ايقنت بأن الاخرين كانوا يجهلون معظم ما قاله ، و هو ما كان بالفعل و لم ينكر آستيريون ذلك .
"يتم اخفاء الكثير عن عمد لكي لا يبدأ افراد العشيرة تمردا يؤدي الى ابادة العديد منا دون فائدة ، بالعادة لم اكن لامنحكم هذه المعلومات و لو علم كيفين بذلك لثار غضبا ."
تنهد العجوز بمجرد تذكره لاعضاء مجلس الشيوخ الذين رآهم كألم بالمؤخرة .
لكن كلامه اثار فضولي أكثر ..
"إذا لم يكن مسموحا لك بالبوح بهذه المعلومات ، فلما اخبرتنا بها إذًا؟"
توجهت الانظار نحو العجوز السكير بعد طرحي لسؤالي ، فالآخرون كانوا فضوليين بنفس الطريقة أيضا .
آستيريون التزم الصمت قليلا ، بينما حك شعره بواسطة يده الوحيدة المتبقية ..
"هذه حالة خاصة ، فأنتم الان اصبحتم بمرمى النار امام عائلة آردين و من يدري ما قد يحدث من الان فصاعدا ."
كلامه أثار المخاوف ، خصوصا بما ان الجميع هنا ما عداه صيادون مبتدئون بمقتبل العمر .
"أفهم من كلامك أن العائلة الحاكمة قد تفعل شيئا ما لنا قريبا ؟"
كانت مون من طرحت هذا السؤال ، و أومأ آستيريون ردا .
"كلامي لا يستند على شيء معقول ، و هو مجرد حدس ."
"حدسك لا يخيب ابدا يا جدي ، و كأن لعنة من نوع ما ." اغمضت مون عينيها قائلة ، قبل ان ترفع يدها جاذبة الانظار .
"بما أننا نناقش قواعد لعنة الدم ، فأود إضافة قاعدة إضافية ."
"أوه ؟ قاعدة حتى انا لا اعرفها ؟" امال آستيريون رأسه متشككا ، فلا شيء يخفى عنه داخل العشيرة و يستحيل ان توجد قاعدة لا يعرفها .
لكن مون أكدت أنه هنالك واحدة .
"بما انك لم تذكرها ، فمن الطبيعي ان استنتج انك لا تعرفها ."
"حسنا اذا .. اخبرينا ما هي ."
"اللعنة لا تختفي بعد الموت ."
إتسعت اعين الجميع بدرجات متفاوتة بمجرد قول مون لما لديها ، آستيريون لم يبدو متفاجئا كثيرا ، و اكتفى بوضع يده تحت ذقنه مفكرا بما سمعه .
"أرى .. و أنت بحد ذاتك دليل على صحة هذا الكلام ."
أومأت مون ردا .
"هذا صحيح ، لا يمكن لأحد غيري تأكيد هذه القاعدة لانني اموت فعلياً قبل ان تبعثني بركة العنقاء ، لو كان الموت ينهي اللعنة لكنت تحرر منذ أمد بعيد ."
"بالعادة لا يمكن للبشر النهوض بعد الموت ، لذا لم افكر اطلاقا بما يحدث من بعده .." اعترف آستيريون بأنه لم يفكر بالامر اطلاقا ، و على الارجح لم يفعل اي من اسلافنا .
حتى لو تحررنا من اللعنة بعد الموت ، فلا فائدة ترجى من ذلك مادمنا لن نكون احياء للاستفادة من الامر .
لكن مون حالة خاصة ، و انا الاخر مثلها .
'اذا .. بركة دماء الآلهة القديمة لن تحررني من اللعنة ..'
سأكذب إذا قلت انني لم افكر بالامر ، لكن الفرصة لم تتح لي لاختباره ، و لم اكن اعلم آلية عمل بركة العنقاء بالضبط . و هل تموت مون بشكل كامل قبل ان تنهض من الرماد ام لا .
دماء الآلهة القديمة تعطي تأثيرا مشابها لبركة العنقاء ، لكن خاصتي ادنى من بركتها هي بكثير .
لانني اضطر لدفع عمري كلما استخدمتها ، اما هي فلا تخسر شيئا و تستطيع تكرار البعث قدر ما تريد .
"كما هو متوقع من قائدة فرقتنا ، لقد جاءت بقاعدة حتى الإمبراطور غير المتوج بنفسه لا يعرف عنها شيئا ." قال رايدن بابتسامة واسعة ، مادحا مون . فهزت هذه الاخيرة رأسها .
"هذه القاعدة تعمل على امثالي فحسب ، لذا لا اظنني اتيت بأي فائدة ."
هي حاولت ان تكون متواضعة قد الامكان ، لكن آستيريون اكد بأن هذه معلومة قيمة حقا ، فهم لا يتعلمون اشياء جديدة عن اللعنة كل يوم .
"وفقا لكل هذه القواعد ، فذلك الصياد القديم .. جاكسون هو الوحيد الذي يملك قدرا من الحرية ، فالعائلة الحاكمة لا تستطيع قتله عن بعد بما انهم لا يدركون وجوده اصلا ." تدخلت لونا بالمحادثة ، آخذةً الفرصة لقول ما إستنتجته .
آستيريون أومأ ردا .
"مادام لا يظهر امامهم على الاقل ، فالاوامر الصوتية لا تحتاج الى معرفة الاسم مسبقا بل يكفي أن يأمره افراد العائلة الحاكمة بشكل مباشر فحسب ."
بعبارة أخرى ، جاكسون لم يكن حرا بالكامل .. بل نجا فقط من القتل عن بعد .
"اممم .. يا رفاق ، هل من الصائب مناقشة كل هذه الامور بصوت عالٍ ؟ " تدخل تشاي طارحا سؤالا بديهيا .
الجميع كانوا يتحدثون دون اكتراث بما يوجد من حولهم ، و قد كان يخشى ان نتعرض للتنصت .
"لا داعي للقلق يا فتى ، فلا احد في هذه الإمبراطورية باكملها قادر على التسلل دون ان الاحظه ." طمأن آستيريون ، مشيرا الى اننا نستطيع التحدث بقدر ما نريد دون الحاجة للقلق .
لكنني كنت اشك بكلامه لاكون صريحا . فهنالك الكثير من الأشخاص الذين قد يهربون من اعينه .
على سبيل المثال .. رسولة معينة لسادة الليل تستطيع تغيير جلدها و كأنها حرباء .
كنت لا ازال قلقا منها ، لهذا التزمت الصمت معظم الوقت و تركت إستنتاجاتي الخاصة لنفسي .
بينما التزمت الصمت ، تبادل الجميع اطراف الحديث لبعض الوقت .
تحدثوا عن الغارة الاخيرة بشكل عام ، و لاي درجة ازددنا قوةً بالمقارنة مع يوم دخولنا لآشفارن القديمة اول مرة .
كنا جميعا حينها صيادين بالرتبة المتقدمة ، بالواقع .. انا لم اكن قد بلغت تلك الرتبة من الاساس حينها .
لكننا الان جميعا صيادون برتبة النخبة .
كان هذا تقدما كبيرا يحتاج في العادة لعدة سنوات من الصيد و التدريب لبلوغه ، لكننا فعلناها في بضعة اشهر نظرا لصعوبة الزنزانة التي واجهناها .
معرفتي بمستويات الاخرين جعلتني مدركا لمدى قسوة الثمن الذي يأتي مع بركة تغيير الكلاس ، رغم انني حصلت على ازيد من 200 الف سولز بفضل قتلي لآرس و آلدريتش .. الا انني بالكاد بلغت مستوى مساويا للجميع رغم انهم لم يحققوا ربع ما حققت .
كل هذا بسبب ثمن التكلفة المضاعفة الذي اضطر لدفعه بكل مرة ..
لكنني لم اشتكي ، فقدراتي الكثيرة تعتبر غشا بحد ذاتها .
فجأة .. و بينما كنت منهمكا بأفكاري ، تغيرت الهالة من حول آستيريون و اعتدل بجلسته تدريجيا ..
حركته هذه جعلتنا جميعا ندرك الشيء ذاته ..
"أحدهم قادم ." قال العجوز ، فالتزم الجميع الصمت مستعدين اماكنهم .
و ما هي سوى ثوان معدودة قبل ان نسمع صوت فتح باب الزنزانة من الخارج .
بمجرد أن فتح الباب ، ظهر شخص بوجه لم اراه من قبل .
"اوه يا إلاهي ، هل يمكن انني قاطعت امرا مهما ؟"
سعل الرجل بحرج ، بينما ارتعشت كتفاه قليلا في ظل كل الاعين التي سقطت عليه فجأة .
كان وجها اراه للمرة الاولى في حياتي ، بدا بمقتبل العمر ، في مثل سني او اكبر مني بعام او عامين .
بدا اطول مني قليلا ، و لم يكن ضخم البنية بل قريبا مني أيضا .
بشرته كانت بيضاء شاحبة بدت و كأنها نثرت بالرماد ، و اعينه كبيرة حمراء اللون. ملامحه حادة و تملك بعضا من الجاذبية لكن الطريقة التي حمل بها نفسه دلت على السذاجة .
و لعل أكثر ما جذب انتباهي ... هو شعره .
سمعت بأن اصحاب الدم النقي في عشيرة الهارت يولدون بشعر احمر ناري ، بينما اصحاب الدماء المختلطة قد يولدون بشعر اسود او بني حسب جينات الابوين ..
لكن الشاب الماثل امامي قد كان مميزا ، فهو لم يكتفي بلون واحد ..
نصف شعره الايمن قد كان احمرا ، مثلي تماما .. اما جانبه الايسر فاسود قاتم مثل لونا .
كانت هذه هي المرة الاولى التي ارى فيها حالة كهذه .
و رغم انني لم اتعرف عليه ، الا ان غير فعل .
"أنت .. مالذي تفعله هنا ؟" سألت مون ، واقفة من مكانها مواجهة اياه .
فحك الرجل شعره بحرج قبل ان يعطيها رده .
"جئتكم كمبعوث من مجلس الشيوخ ، لأوصل الرسالة و ابلغكم بأنكم احرار ."
"أحرار ؟! حقا ؟!" قفزت آليسيا من مكانها بمجرد سماعها للجزئية الاخيرة و الحماس باد عليها بعدما كانت خاملة معظم الوقت .
"اجل ، انتم احرار .." قال الشاب قبل ان يوجه نظره نحو العجوز الجالس بنهاية الزنزانة .
"إنه لشرف عظيم ان اقابلك يا سيدي ، ارجو ان أن تستلم الرسالة ."
مخرجا ظرفا من داخل رداء الصيد الاسود الذي ارتداه ، مد الشاب الرسالة ناحية آستيريون ، هذا الاخير حدق في الشاب لبعض الوقت قبل يمد يده فإذا بهالة غير مرئية تجذب الرسالة ناحيته دون ان يضطر للوقوف و اخذها بنفسه .
"أرى أنك لا تزال تدعي الوداعة ، مرتديا جلد خروف يأوي بداخله ذئبا ." قال آستيريون ، متحدثا بنبرة خطيرة لا اراه يستخدمها عادةً .
و رغم الضغط الذي ولدته هذه الكلمات ، ظل الشاب محافظا على رباطة جأشه غير متأثر بضغط الإمبراطور غير المتوج .
"سآخذ كلامك على انه مديح يا سيدي ، فالذئاب لها هيبتها و بأسها ." ضاحكا ، رد الشاب بينما بدأت اعينه تتجول بالمكان و لسبب ما استقرت علي في النهاية .
"أرى انه يوجد هنا من يستحق لقب الذئب أكثر مني ."
لم أحتج لذكاء خارق لافهم انه يعنيني بكلامه ، فنظرته المريبة تلك لم تترك مجالا للشك ..
"و من تكون انت ؟ هل يجب أن اعرفك ؟" بادرت بطرح السؤال ، بما انه جاء الي بنفسه .
"أوه ! أوه !! اعذر وقاحتي فانا كثيرا ما انسى انك فاقد للذاكرة ."
واضعا يده اليمنى فوق صدره ، عرف الرجل أخيرا عن نفسه .
"إسمي هو ڤيرسو هارت ، قائد فرقة الصيد الثانية و صياد ملعون .. مثلك تماما ."
"هاه ؟ أنت الصياد الموهوب الذي ظلوا يزعجونني به !؟"
"هاهاها!! لست واثقا بجزئية الموهوب تلك ، لكنني الوحيد بإسم ڤيرسو في العشيرة باكملها ، سررت بلقائك يا صاح !"
عابسا مكاني ، وجدت نفسي انظر الى الصياد الماثل امامي من الاعلى للاسفل .
سمعت الكثير عن فيرسو ، و كيف انه صياد قوي جدا تقارن موهبته بمون ، حامل للعنة الكسوف الكامل من المستوى الرابع .. درجة واحدة اقل مني و مساوٍ للعنة آرس ..
كما انه قائد الفرقة الثانية التي نصحتني شيروكي الا اقترب منها .
كان لدي انطباع مميز عنه ، لكن لقاءه على ارض الواقع حطم التصور الذي بنيته له بالكامل .
"اوه ! انت لونا اليس كذلك ؟ سمعت انك ستنضمين الى فرقتي من الان فصاعدا ، ارحب بك نيابةً عن كل الاعضاء الاخرين !"
استدار ڤيرسو ناحية لونا فجأةً ، و لم تستطع هذه الاخيرة اخفاء تقززها .
هي تملك انطباعا سيئا عن الرجال منذ البداية ، و هذا الرجل سيزيده سوءا بكل تأكيد .
مؤكدة شكوكي ، استدارت لونا ناحية اختها الكبرى .
"امممم .. اختي ، هل يمكنني تغيير الفرق ؟"
"تمرد من اليوم الاول ! ياللفظاعة .."
"اخرسوا جميعا ، خصوصا أنت يا دا الشعر المقسوم ، كلمة اخرى و سيصبح ما تبقى منك مقسوما أيضا ." تدخل آستيريون ، واضعا يده فوق وجهه و الانزعاج بادٍ عليه .
ليس بسبب الضوضاء ، بل محتويات الرسالة ...
"مالذي جاء في الرسالة ؟" كنت انا من طرح السؤال ، بعدما انتابني شعور سيء .
آستيريون رفع رأسه قليلا محدقا بي ، قبل ان ينقل الخبر الصاعق .
"لديكم حظ سيء يا فتيان ، فقد تم إستدعاؤكم الى العاصمة ."
بهذا الخبر الصاعق ، تم تحديد الوجهة التي سأقصدها اسرع مما ظننت ..
...
...
...
غارة اشفارن القديمة غيرت كل شيء داخل صفوف الصيادين ، فهي آلت لنتيجتين اساسيتين .
الابرز هو ابادة معظم فرق الصيد ، حيث لم تنجو سوى فرقة الصيد الثالثة و مات الجميع ما عداها ، ابرز الموتى هم الفرقة الاولى بقيادة غوستاف هارت الذي كان اقدم الصيادين نشاطا .
لكن الناجين بالمقابل ازدادوا قوة كثيرة و باتوا جميعا في رتبة النخبة .
فرقة الصيد الثانية بقيادة ڤيرسو هي الاخرى ازدادت قوة كثيرة لانهم اضطروا لتحمل الصيد في العالم الخارجي طيلة الاشهر التي علقت فيها فرق الصيد الاخرى داخل الزنزانة الارثية .
هذه الزيادة بالقوة سرعت عملية الانتقاء الملكي .. و هي عملية يتم فيها استقطاب ابرز المواهب بين الصيادين لخدمة الامراء و العائلة الحاكمة بشكل عام . وهذا ما حدث مع الجيل السابق الذي سبق جيل ايثان .
في العادة ، كان الانتقاء سيحدث بعد وقت اطول بكثير ، لكن الأحداث الاخيرة سرعت العملية بشكل مخيف .
"ستمثلون جميعا امام الإمبراطور ، و ستدخلون مستنقع حرب الخلافة اللعين .." قال آستيريون متنهدا بانزعاج ، و كان من الواضح انه لم يعجب بالقرار .
"إذا ما تم اختياركم ، فستنضم العائلة الحاكمة لاحقا حملة صيد كبرى لقمع اللعنة قدر المستطاع و بعدها ستعلق مهامكم كصيادين و ستصبحون جنودا تستخدمون في الصراع السياسي سواءا الداخلي ، او ضد الإمبراطوريات الاخرى .."
شرح آستيريون الوضع باختصار ، و كان الوضع محبطا بالكامل للجميع .
هم نجوا من اشفارن القديمة بعد شهور من جحيم ، ثم امضوا يوم تحررهم في السجن ، فقط ليتم ارسالهم للعاصمة بمجرد خروجهم منه ليجدوا أنفسهم على وشك الدخول في حرب خلافة لا يعلمون ما هي ادوارهم فيها من الأساس .
و الاسوء هو ان العائلة الحاكمة لم تعطهم وقتا للتفكير حتى ، فرحلتهم للعاصمة خطط لها لتنطلق غدا .
"إنها بداية فصل جديد ..."
فصل سيضعهم امام العائلة التي إسعبدتهم .