343
بالنسبة لإي هيون، لم يكن ذلك الجناح المنفصل سوى مسكن أقام فيه لفترة مؤقتة فحسب.
ففي اليوم الأول الذي فتح فيه عينيه بهذا الجسد، تعرض للتسمم بنبات مانغجو وبقي فاقداً للوعي لشهر كامل، لذا فإن الأيام التي قضها فعليًا هنا لا تتجاوز عشرة أيام ونصف.
ولهذا السبب، عندما عاد إلى سيتشوان هذه المرة لم يشعر قط بأي غرابة تجاه مسكنه الجديد الذي دخله لأول مرة.
ولكن بالنسبة لبانغ سوول، لابد أن هذا الجناح المنفصل كان مكانًا محملاً بالذكريات.
'ذكريات تجمعه مع دانا سا هيون…….'
فجأة، بدا هذا الجناح الفارغ وكأنه يتداخل مع صورة دانغ سا هيون الذي لم يتبقَ منه سوى قشرته الفارغة، مما دفع اي هيون للتراجع خطوة إلى الوراء دون أن يدري.
'……يكفي أنني عرفت أنه هنا.'
كل ما أراده هو التأكد من أن ذلك الوغد بأمان في الوقت الحالي.
حتمًا سيشعر بايك ريم بالاطمئنان أيضًا عندما يعلم أن بانغ سوول في الجناح المنفصل.
وبينما كان يستدير ليهم بالمغادرة دون إصدار أي صوت، التفت بانغ سوول نحوه فجأة.
"......"
"......"
في اللحظة التي تقاطعت فيها نظراتهما، ساد صمت مطبق لفترة وجيزة.
وحين قبض اي هيون على كفيه دون إرادة منه، قال بانغ سوول ببرود وعدم اكتراث
"لو كنت قد انتقلت إلى جناح آخر، ألا يمكنُك إخباري بذلك مبكراً؟"
"......"
كانت نبرته طبيعية للغاية.
أخذ إي هيون نفسًا قصيراً ورد عليه بفظاظة مباشرة
"لم أكن في وعيي أصلاً وبفضل من يا ترى؟"
"ماذا؟"
"- السيد الأكبر، بسبب تورط شخصٍ مثلك واختطافه في مزاد للعبيد، لم أكن أمتلك متسعًا من الوقت للتفكير في أمورٍ كهذه."
"هاه! ما زلت تحتفظ بضغائنك حتى الآن."
تقدم بانغ سوول بخطوات واسعة متجاوزاً إي هيون.
وعندما ظنّ أنه سيعود متوجهًا إلى قاعة الضيوف، توقف في منتصف طريقه
"ماذا تفعل واقفًا هكذا شارداً؟"
"هاه؟"
"ألا تفكر في إطعام ضيفٍ جاء لزيارتك، أم إنك تنوي حرمانه من الطعام أيضًا؟"
يبدو أنّه كان يقصد حديثهما السابق عن تناول العشاء معًا في المسكن الجديد.
"لم أخبر الطاهي مسبقًا بأنك ستأتي لذا قد لا تجد على لسانك سوى الأطباق شديدة الحرارة والمليئة بالتوابل."
"ماذا؟! لا، هذا غير مسموح أبداً يجب أن أذهب فوراً وأطلب منه تحضير طبق واحد على الأقل غير حار."
"أتعلم حتى أين يقع المسكن الجديد لتتقدم الصفوف هكذا؟"
وهكذا، عاد اي هيون إلى مسكنه برفقة بانغ سوول.
في الحقيقة، كان قد أوصى الطاهي مسبقًا بتحضير أطباق تناسب ذوق بانغ سوول وتوافق ما يفضله في الطعام، لكن السيد الشاب أبدى ملامح بدت وكأنها تشي بشعور بالخيانة لسبب ما.
"لقد خدعتني."
"أتراني أترك السيد بانغ ينام من دون عشاء؟ لقد كان مزاحًا بالطبع."
"ومن يمزح بتلك التعابير الجادة؟"
"وما عيب تعابير وجهي برأيك؟"
"اسأل أي شخص آخر إن كان ما تقوله يبدو مزاحًا عندما تتحدث هكذا."
وهكذا، طوال فترة تناول الطعام وتبادل الحديث الخفيف غير المجدي، لم يأتِ أي منهما على ذكر اسم دانغ سا هيون بحرف واحد.
***
في اليوم التالي
"هل سمعت تلك الشائعة؟ قيل إن رجال الشرطة قد اقتحموا فرع شركة تجارة هوا بيونغ!"
"ماذا؟! لمااذا؟!"
"لست متأكداً تمامًا ولكن يُقال إنهم كانوا يعقدون مزاداً للعبيد هناك أو ما شابه."
"مزاد للعبيد؟!"
"آه... الآن بعد أن ذكرت ذلك، كانت هناك همسات منذ فترة طويلة تقول إن الأجواء هناك مريبة بعض الشيء."
"انتظر، ماذا عن أموالي إذن؟ ماذا سيحل بأموالي التي أودعتها في تلك الشركة؟! لا، ليس هذا وقت الوقوف مكتوف الأيدي يجب أن أذهب إلى شركة تجارة هوا بيونغ فوراً!"
اشتعلت مدينة تشنغدو رأسًا على عقب .
ففي صباح أمس، اقتحمت السلطات الرسمية المقر الرئيسي لشركة تجارة هوا بيونغ وبدأت عمليات التفتيش واعتقال المتورطين الواحد تلو الآخر.
أما سبب التفتيش الذي أعلنه رئيس الشرطة في الموقع، فقد كان تجارة البشر وما شابهها.
وحين أُضيفت إلى ذلك شائعة إضافية تفيد بأن الابن الأكبر لعشيرة بانغ في هابوك قد تم العثور عليه معروض للبيع في مزاد العبيد، كانت شوارع مدينة تشنغدو بأكملها تعج بالحديث عن هذا الأمر بلا توقف منذ الأمس.
وما إن سمع دانغ جايل أك تلك الأخبار حتى شعر وكأن دمه يتبخر من شدة القلق.
وبما أن حادثة بحجم هذه قد وقعت، فمن الطبيعي أن يتساءل بطريرك العائلة تانغ تشونهوا عما إذا كان أي شخص من عائلتهم متورطًا في تجارة البشر أم لا، أليس كذلك؟
بل والأكثر من ذلك، فقد سمع أن قوة الهجوم التي داهمت المزاد من الأساس لم تكن سوى فرقة القوة القتالية التابعة لعشيرة دانغ وكان هدفهم إنقاذ بانغ سوول.
'تبًا لك أيها الوغد بانغ سوول لماذا تم اختطافك وتورطك في مكان تافه مثل ذلك!'
وبما أن الأمور قد وصلت إلى هذا الحد، فلن يكون غريبًا أبداً أن يسأل بطريرك العائلة السلطات عما إذا كان هناك أي شخص من عشيرتهم قد أقام تعاملات مع شركة تجارة هوا بيونغ.
صحيح أنه لا يُعرف إن كانت السلطات ملزمة بالإجابة على استفساره أم لا، بيد أن أمراً واحداً كان مؤكداً تمامًا
وهو أنه لا توجد في أرض سيتشوان كائن من كان يجرؤ على تجاهل كلمات بطريرك عشيرة دانغ...
'اللعنة...'
لم يسبق له أن تورط في تجارة العبيد، لذا لا داعي للقلق بشأن هذه الناحية،ة لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في تلك الصفقة السرية.
فما أقدم عليه يعد محاولة لتسريب إحدى التقنيات شديدة السرية الخاصة بالعشيرة إلى الخارج.
'لو اكتشفوا ولو بالصدفة أنني حاولت إفشاء طريقة استخراج سم الجيم لأشخاص خارجيين، إذن…….'
أخذ صوت نقر سبابته على مسند الذراع في كرسيه يتسارع تدريجيًا دون أن يشعر.
تك، تك، تك، تك، تك، تك، تك، تك.
وما إن بدأ الصوت الناجم عن أطراف أصابعه يثير إزعاجه، حتى انتفض دانغ جايل أك واقفًا وأخذ يذرع الغرفة جيئة وذهابًا
في الواقع، كانت هذه الليلة هي الموعد المحدد للالتقاء بطرف الصفقة والمبادلة بين طريقة استخراج سم الجيم وبين السم نفسه.
ورغم أن رغبته في إلغاء الصفقة كانت عارمة بعد كل تلك الضجة التي حدثت في شركة تجارة هوا بيونغ، إلا أن مجرد الإلغاء لن يحل موقفه الحالي أبداً.
'لأن السجلات التي تفيد بموافقتي على الصفقة لابد وأنها قد دُوّنت بالفعل في دفتر الحسابات……!'
"اللعنة!"
طقطق!
تحطمت قطعة الفخار الثمينة التي ألقاها بدفعٍ من نزواته إلى شظايا متناثرة.
أخذ دانغ جايل أك يمسح وجهه بكفيه الجافتين، محاولاً ترتيب أفكاره بشدة.
أجل، وبتفكير في الأمر تبين أن ثمة أمراً يدعو للاطمئنان على الأقل.
وهو حقيقة أن دفاتر الحسابات الخاصة بالصفقات السرية تُدوّن بشفرات ولا تُحفظ أبداً في المقر الرئيسي.
بما أنه سأل مراراً وتكراراً قبيل إبرام الصفقة، فلا بد أن هذا الأمر مؤكد ولا شك فيه لذا فمن المفترض أن دفتر الحسابات المشفر لم يقع بعد في قبضة السلطات.
ولكن لا يمكن المرء معرفة متى سيحدث ذلك خاصة مع استمرار التحقيق مع المرتبطين بشركة تجارة هوا بيونغ.
فمع استمرار الاستجواب، قد ينتهي الأمر بمصادرة دفتر الحسابات المشفر ذاته.
لهذا السبب، كان لزامًا عليه إما تهريب دفتر الحسابات قبل حدوث ذلك أو على الأقل مسح سجل صفقته الخاصة.
وقد تبادرت إلى ذهنه طريقتان على الفور
أولاً: رشوة القاضي.
لكن هذه الطريقة كانت تنطوي على مخاطرة كبيرة.
ألم يكن احتمال أن يكون بطريرك العائلة قد سبق بخطوة وقام بالترتيب مسبقًا أمراً واردأ؟
ألا يحتمل أن يكون قد أمر بإبلاغه إذا ما حاول أي شخص من عشيرة دانغ تقديم رشوة بسبب هذه القضية؟
لذا، لم يكن بإمكانه استخدام هذه الطريقة.
فضلاً عن أن معظم أمواله كانت مجمدة في شركة تجارة هوا بيونغ بالأصل مما يجعل من الصعب تدبير مبلغ ضخم فجأة.
إذن، لم يتبقَ سوى الطريقة الثانية، وهي لقاء الطرف الآخر في الصفقة والطلب منه حذف سجل المعاملة.
"......"
وفقًا لما قاله أحد موظفي الشركة، فإنه بمجرد إتمام الصفقة أو إلغائها باتفاق متبادل، يتوجه الطرفان إلى المكان المخصص لإبلاغهم بذلك فيُحذف سجل المعاملة من دفتر الحسابات.
ولكن مع حالة الفوضى العارمة التي تعصف بشركة تجارة هوا بيونغ هكذا لم يكن متأكداً مما إذا كانت هذه القاعدة لا تزال سارية أم لا.
وعلى أي حال، وبما أنه لا يملك وسيلة للوصول إلى الدفتر بمفرده فهذا يعني أنه مضطر للقاء الطرف الآخر في الصفقة على أية حال.
"هوف."
إذن، فقد حُسم الأمر وتوجب عليه الذهاب إلى مكان اللقاء.
أما ما تبقى فهو ما إذا كان سيأخذ معه طريقة استخراج سم الجيم فعليًا أم لا.
'……بما أنني لا أعرف كيف ستؤول الأمور، فالأفضل أن أكتبها معي وأخذها.'
بعد تفكير طويل وعميق، جلس دانغ جايل أك أخيرًا أمام طاولة الكتابة وشرع في طحن حبر الكتابة
***
قبل أن تغرب الشمس، غادر دانغ جايل أك القصر بحجة وجود موعد يجمعه بشخص يعرفه.
وأثناء سيره، انتابه شعور غريب وكأن الناس يحدقون في ظهره بتمعن.
رغم أنه لم يكن هناك سبب يدعو لذلك أصلاً.
كبح دانغ جايل أك شتيمة كادت تخرج من فمه وأسرع بخطواته دون مبرر.
ولم يطلق أنفاسه التي حبسها طويلاً إلا بعد أن اجتاز السور الخارجي تمامًا
لقد تعمد عدم استقلال عربة؛ فلم يكن ليسمح لأي سائق عربة برؤية موقع الصفقة.
ولكن ركوب الخيول كان سيلفت الأنظار لا محالة، لذا انتهى به المطاف سيراً على الأقدام حتى وصل إلى شوارع مدينة تشنغدو.
وباعتبارها منطقة شديدة الصخب والحركة كانت الشوارع لا تزال تعج بالمارة رغم ميل الشمس نحو الغرب
توقف دانغ جايل أك عند أحد محلات الأقمشة العشوائية واشترى ثوبًا أسود من القطن الخشن لكي لا يلفت الأنظار.
'……أشعر بالقلق رغم تبديل ملابسي فقط.'
في النهاية، توجه إلى بسطة تجارية قريبة والتقط قبعة مخروطية من الخيزران وألقى بقطعة فضية إلى التاجر المتجول.
"يا الهي! أ-أيها السيد النبيل! مثل هذا المبلغ الكبير... لا يمكنني رد الباقي لك!"
"احتفظ بالباقي."
لفظ كلماته بضجر واستدار راحلاً، فتبعته من خلفه نبرة التاجر المتحمس
"شكراً لك، أيها السيد النبيل! أتمنى لك الكثير من البركات!"
وعندما التفت حوله ليجد الناس يرمقونه بنظراتهم، فرقع دانغ جايل أك لسانه واندفع مسرعًا ليختلط وسط حشد البشر.
وبما أنه كان لا يزال لديه متسع من الوقت حتى موعد اللقاء المتفق عليه فقد دخل مقهى شايًا قريبًا واستأجر غرفة خاصة وطلب أي شيء باقتضاب.
أحضر الموظف الشاي وبعض الحلويات لكنه لم يشعر برغبة في لمسها على الإطلاق.
أخذ يعبث بفنجان الشاي وهو يحدق في داخله بعين حارقة.
'ماذا يجب أن أقول؟ هل أطلب إلغاء الصفقة وأرجو تعاونهم في محو سجل المعاملة؟'
بما أنهم أشخاص يسعون خلف تقنيات استخراج سم الجيم، فمن المؤكد أنهم ليسوا أفراداً عاديين.
فهل يا ترى سيوافق أمثال أولئك بسهولة على طلبه الذي سيكبد عناء سفرهم عبثًا؟
ولمواجهة مثل هذا الاحتمال، أخذ معه سندات مالية لكنه لم يكن متأكداً مما إذا كان هذا المبلغ كافيًا ليمر الأمر بسلام.
بل على العكس، ربما يغضبون ويسعون لقتله.
كان يود لو استطاع جلب حارس واحد على الأقل، لكن ذلك كان سيخلق شهوداً لذا انتهى به المطاف بالقدوم إلى هنا بمفرده.
عضّ دانغ جايل أك على شفتيه.
"......ألا إنّه لمن المستحيل وجود شخص بهذه الجرأة ليجرؤ على قتلي."
ألم يكن حفيد رئيس مجلس الشيوخ في عشيرة دانغ الكبرى؟
وفي أسوأ الأحوال، كان بإمساكه بكشف هويته لينجو بحياته على الأقل.
لكن المشكلة تكمن في أنه لو فعل ذلك، فإن الطرف الآخر في الصفقة سيعلم حينها أن "حفيد رئيس مجلس الشيوخ حاول تسريب طريقة استخراج سم الجيم".
أخذ دانغ جايل اك يلقي بفنجان الشاي بعنف وعصبية.
طقطق!
شعر وكأن رأسه على وشك الانفجار من شدة التعقيد.
'تبًا ما الذي يجب علي فعله بحق الجحيم……!'
وبينما كان غارقًا في تفكيره، غربت الشمس تمامًا في غضون ذلك مما يعني أن الوقت المحدّد للموعد قد اقترب.
"هوف."
خلع دانغ جايل أك ثيابه الحريرية، وارتدى بدلاً منها ثوبًا أسود من القطن الخشن اختاره عشوائيًا من محل الأقمشة.
كان قماش الثياب خشنًا ومزعجًا لكن لم يكن هذا هو الوقت المناسب للاهتمام بمثل هذه التفاصيل.
وعندما غادر دانغ جايل أك مقهى الشاي على عجلة من أمره بعد أن أنزل قبعة الخيزران لتغطي وجهه بعمق.
كان هناك صبي يتناول الشاي في الطابق الأرضي قد وضع ثمن الشاي على الطاولة ونهض واقفًا
لقد كان يوو جان.
فقد كان يراقب قصر رئيس مجلس الشيوخ، وعندما رأى دانغ جايل أك يغادر اليوم دون اصطحاب أي حارس قام بتعقب أثره.
"يا صاحب المتجر! الزي الذي غادر للتو كسر فنجان الشاي!"
"ماذا؟!"
'يبدو أنه في حالة من التوتر الشديد.'
أن يغير ملابسه لإخفاء هويته، ثم يقوم بمثل هذا التصرف الملفت للأنظار فهذا أمر متهور.
حرص يوو جان على الحفاظ على مسافة آمنة بينه وبين دانا جايل أك لكي لا يتم كشف أمره وتابع تعقبه.
وبعد أن سار دانغ جاي أك لفترة طويلة التفت يمينًا ويساراً ليتفقد محيطه وتوقف أخيراً أمام منزل مهجور.
كئييييييك.
وهو يراه يفتح البوابة الكبيرة ويدخل للداخل، أطلق يو جان لسانه بانزعاج.
'……سيكون من المستحيل تعقبه إلى داخل ذلك المكان.'
لم يجد يو جان بدّاً من صعود شجرة قديمة خارج السور بهدوء وبدون أي صوت.
وحين ألقى نظرة خاطفة من فوق الجدار، رأى دانغ جايل أك يقف بمفرده في الفناء الأمامي متبوعًا بنظرات قلقة ومضطربة وهو يلتفت يميناً ويساراً.
وفي تلك اللحظة بالضبط
"لم أكن أظن أبداً أن يظهر شخص غبي كهذا."
انبعث صوت منخفض من خلف باب المبنى الرئيسي المحطم.