344
انتفض دانغ جايل أك مفزوعًا واستدار ليلتفت، وإذ بشخص يخرج من بين العتمة الحالكة للمبنى الرئيسي التي لا تكاد تصلها حتى ضوء القمر، دون أن يصدر عن خطواته أي صوت قط.
كان الرجل يلف كامل جسده برداء أسود داكن، معتمراً قبعة مخروطية سوداء عميقة تخفي ملامحه.
وبما أنه كان يرتدي رداءً أسود وقبعة لإخفاء وجهه، فقد يُقال إن هندامه يشبه هندام دانغ جايل أك إلى حد ما إلا أن الهيبة والأجواء التي كان يبعثها كانت مختلفة تمامًا
رغم أن الخصم كان يقف مكانه لا غير، إلا أن دانغ جاي أك شعر برهبة تسري في روحه وتجعله ينكمش خوفًا
'كلا، لا داعي للخوف من مثله أنا حفيد رئيس مجلس الشيوخ من عشيرة دانغ بسيتشوان!'
لكنه رغم ذلك لم يستطيع إيقاف الارتجاف الطفيف الذي سرى في ساقيه دون إرادة منه.
وحتى وإن كان دانغ جايل أك يعتبر أعلى مهارة قتالية إلى حد ما مقارنة بأقرانه، إلا أنه لم يكن أبداً بالمستوى الذي يؤهله لمقارنة نفسه بدانغ هوي.
ورغم أنه أخفى بعض الأسلحة المخفية في حزامه احتياطيًا إلا أنه لم يكن واثقًا قط مما إذا كانت مهاراته في استخدامها ستجدي نفعًا مع هذا الرجل.
فهو لم يسبق له أن خاض معركة حقيقية في حياته أبداً.
نشر الرجل ذو الرداء الأسود هالة طاقته ثم مد يده
"حسنًا إذن، فلتعطني ما وعدتني به."
"أ-أما عن ذلك…… أريد إلغاء هذه الصفقة."
"......"
حدق الرجل ذو الرداء الأسود بصمت في دانغ جايل أك وهو يتمتم بكلام غير مفهوم، ثم أطلق ضحكة منخفضة وساخرة من حنجرته
"نريد إلغاءها، هكذا إذن."
"......"
"أيها الشاب، أتمزح معي الآن؟"
اا لـ-لعنة لو تجرأت على طلب مساعدته في مسح سجل المعاملة أيضًا فمن المرجح أنه سيقتلني حقًا……!
"أنا لا أقول هذا لكي تأخذ ما تريد مجانًا أنا آسف جداً لأنني جعلتك تأتي هكذا سدىً، لذا فهذه التعويضات هي……"
وحين مد دانغ جايل أك الحوالة المالية إليه، دفع الرجل ذو الرداء الأسود يده بعيداً وصفعها سقطت الحوالة المالية تتطاير بخفة نحو الأرض، لكن الرجل لم يلقِ إليها نظرة واحدة حتى.
"برأيك، لماذا أستمع إلى ترهات شاب مثلك من الأساس؟ كان بإمكاني ببساطة قطع رقبتك والبحث في ثيابك وانتهى الأمر."
"إذا قتلتني، فلن تحصل أبدا على طريقة استخراج سم الجيم—"
" لأنك لست سوى ابن لعشيرة دانغ بسيتشوان ولو لم تكن كذلك، لربما قمت بربطك وتعذيبك فور لقائي بك."
في تلك اللحظة هرب الدماء من وجهه، لكن دانغ جايل أك استعاد رباطة جأشه على الفور وسأله بنبرة متظاهرة بالاسترخاء
"……لماذا ظننت أنني ابن لعشيرة دانغ؟"
"أليست الأمور واضحة؟ كم عدد الطوائف في هذا العالم التي تمتلك تقنيات سامة قادرة على الاقتراب من طائر الجيم ؟ وحين يختار الشخص الذي يدعي معرفة تلك الطريقة أن يلتقي بي في تشنغدو تحديداً، فالإجابة تكاد تكون واضحة جلية."
"……هاها ، فكر كما تشاء سأكون ممتنًا لك لو فكرت في الأمر على هذا النحو."
أطلق دانغ جايل أك شتيمة داخل عقله.
لو ابتعد كثيراً فلن يتمكن من العودة في غضون يوم واحد، وهو لا يزال في وضع لا يسمح له حتى بالمبيت خارج القصر دون إذن جده.
لحظة أن ينطق برغبته في القيام برحلة تستغرق أياما عدة، كان من المؤكد أن يلتصق به مراقبون ولهذا السبب لم يكن لديه خيار سوى اختيار مكان قريب.
عندما حدد المكان في البداية، ظن أن معرفة الطرف الآخر بعشيرته لن تشكل فرقًا كبيراً.
فذاك الطرف يملك جوانب مريبة ومظلمة هو الآخر، ولن يجرؤ على إفشاء سر لسانه عشوائيًا ناهيك عن أن ظنونه لن تتعدى كونها مجرد تكهنات؛ إذ لن تظهر أي أدلة تثبتها.
صحيح أن سجل المعاملات في دفتر الحسابات المشفر يُحذف أساسًا عند إبلاغ الطرفين بتسوية الصفقة إلا أنه يُحذف أيضًا بعد انقضاء فترة زمنية محددة حتى لو أبلغ طرف واحد فقط.
وهذا يعني أنه في الظروف العادية، كانت الأدلة ستختفي على أي حال حتى وإن لم يستجب الطرف الآخر.
هذا طبعًا لو لم تقع تلك الفوضى العارمة وتتعرض شركة تجارة هوا بيونغ للتفتيش من قبل السلطات!
'ولكن إن تجرأ هذا الوغد على التفوه بأي هراء في وقت عصيب كهذا…….'
وكما هو متوقع، التوت زاوية شفتي الرجل ذي الرداء الأسود بسخرية
"آه، حقًا؟ إذن لن يضرك لو أخبرتُ عشيرة دانغ بسيتشوان الآن أليس كذلك؟ بأن ابنًا من عشيرتكم قد باع أسرارهم للخارج وبما أنك تعرف سراً بهذا الحجم فلا بد أنك تنتمي إلى فرع مباشر وقريب جداً من العائلة فماذا سيحدث يا ترى لو وصل هذا الأمر إلى مسامع بطريرك العشيرة؟ ها؟"
"……"
انغرست أظافره رغمًا عنه في قبضته التي اعتصرها بقوة.
يبدو أنه لن تكون هناك أي فائدة ترجى من مطالبة هذا الوغد بإلغاء الصفقة.
أغمض دانغ جايل أك عينيه بشدة وقال بصعوبة بالغة
"……إذا سلمتك ما وعدتك به، فهل ستتعاون معي في محو سجل المعاملة؟"
"هاهاهاهاهاها!"
أطلق الرجل ضحكة مدوية جعلت مؤخرة عنق دانغ جايل أك تشتعل حمرة وغضبًا
'تبًا……!'
"إذا أظهرتَ طاعةً وحسن في التصرف، فقد أفعل ذلك."
"……"
أخرج الرجل قارورة صغيرة من داخل ثيابه وأراها له، فكتم دانغ جايل أك أنفاسه في تلك اللحظة.
'……هل ذلك هو سم الجيم حقًا……؟'
"انظر، ألم أُحضر سم الجيم فعليًا كما وعدتك؟ لقد حظيتُ به بشق الأنفس ودون حتى معرفة طريقة استخراجه أظنك تدرك الآن أنني لا أطلق مجرد كلام فارغ."
"……"
لوّح الرجل بأصابعه، فأخرج دانغ جايل أك قصاصة ورقية من داخل كُمّه.
اختطف الرجل الورقة وفي اللحظة ذاتها ألقى بالقارورة نحو دانغ جايل أك.
ارتجفت يداه بلا رحمة وهو يلتقطها بفزع وهلع شديدين.
'يا له من مجنون……!'
لو كان هذا سم الجيم حقًا ألم يكن من المفترض أن يُموت كليهما فوراً بمجرد فتح الغطاء في هذه اللحظة؟
"إن تبين أن طريقة الاستخراج هذه كاذبة، فسألاحقك لأقطع رقبتك مهما كلف الأمر أتفهم ذلك؟"
"......"
اقترب الرجل من دانغ جايل أك وانتزع قبعة الخيزران فجأة وحين انکشف وجه دانغ جايل أك المرتبك بوضوح تحت ضوء القمر، ابتسم الرجل ذو الرداء الأسود بخبث
"لنبق على وفاق في المستقبل أيضًا أيها السيد الشاب ، ولنتشارك المعلومات القيمة بيننا أيضًا أليس كذلك؟"
"......"
ألقى الرجل بالقبعة التي انتزعها على الأرض بلا اهتمام، وأشار بذقنه نحو البوابة الكبيرة معلنًا بذلك أن غرضه قد انتهى وعليه الانصراف.
أخرج دانغ جايل اك من صدره منديلاً بيدي مرتعشتين ولف به القارورة بإحكام.
فعندما أتم الصفقة في شركة تجارة هوا بيونغ، كان يعتقد أنه بما أن مؤسسة بحجمها هي من تتولى الوساطة فسيحصل حتمًا على السلعة الحقيقية.
أما الآن، فلم يعد متأكداً حتى مما إذا كان هذا سم الجيم الحقيقي أم لا ولكن مجرد احتمال كونها كذلك جعله يعجز عن حتى لمس القارورة بيديه عاريتين.
غادر دانغ جايل اك البوابة بخطوات متعثرة ومترنحة وسرعان ما أسرع بخطاه ليختفي وسط الظلام الدامس.
اكتفى يوو جان بالتحديق بهدوء في الأثر المبتعد، ولم يحاول مطاردته.
'على أي حال، سيعود دانغ جايل أك إلى عشيرة دانغ على هذا النحو.'
وحتى لو تمكن من الحصول على الغرض الذي أخذه دانغ جايل أك، فلن يضر ذلك في تقديم العون للسيد الشاب الثالث.
ولهذا السبب، فكر لبرهة في استخدام فن تنكر الوجه لتغيير ملامحه ثم سرقة الغرض منه متظاهراً بأنه مجرد نشال.......
ولكن لو فعل ذلك، لكان الرجل الموجود في المنزل المهجور ليكتشف وجوده حتمًا
'إذا كان لزامًا علي مراقبة أحد منهما، فالرجل الآخر يحمل قيمة أكبر بلا شك.'
فهذا الرجل ذو الرداء الأسود، إن فلت الآن فلن يتمكن من العثور عليه مرة أخرى أبدأ.
تلاشى يوو جان وتدثر بالظلام محايداً تمامًا أي أثر لحركته.
بصراحة، لم يكن متأكداً مما إذا كان قادرًا حقًا على التعامل مع ذلك الرجل ذي الرداء الأسود بمفرده أم لا.
إلا أنه كان يمتلك موهبة فريدة واستثنائية في التخفي؛ موهبة طالما قيل إنها تفوق حتى تلك التي يمتلكها القدامى الأقدم منه بكثير في جناح الليلة البيضاء
'......لأجرب حظي إذن.'
غادر الرجل البوابة الكبيرة وبدأ باستخدام فن الطيران ليتحرك فوق الأسطح، إلا أن يو جان لم يتبعه على الفور بل انتظر لبرهة.
فمهما بلغت مهارة الشخص في التخفي، فإن مطاردة الخصم عن قرب باستخدام فن الطيران سيتسبب حتمًا في كشف أمره.
وحين شعر بأن المسافة بينهما قد اتسعت بما فيه الكفاية، بدأ يوو جان بالركض عبر الطريق بدلاً من الأسطح.
فعندما كان الرجل ذو الرداء الأسود مستغرقًا في حديثه مع دانغ جايل أك، رش يوو جان كمية وفيرة من بخور التعقب بالقرب من البوابة الكبيرة ولا شك أن البخور قد علق بقدمي دانغ جايل أك أيضًا لكن ذلك لم يكن يهم؛ إذ إنه لا بد عائد إلى بيته في هذا الوقت.
ورغم أن بخور التعقب الخاص بجناح الليلة البيضاء لم يكن يدوم تطول مدة بخور التعقب الفائقة الخاص بعشيرة دانغ في سيتشوان، إلا أنه كان أداة تمكّن من تتبع الأثر لمسافات غير بعيدة حتى باستخدام كمية ضئيلة جداً منه.
وبعد أن ركض يوو جان لفترة مستدلاً بالرائحة، توقف عن السير في مكان غير متوقع.
فقد ظن أن الرجل سيغادر مدينة تشنغدو على هذا النحو، إلا أن الرائحة انقطعت تمامًا أمام إحدى الحانات
هل ينوي المبيت هنا الليلة والمغادرة فور بزوغ الفجر يا ترى؟
'إن كان الأمر كذلك، فهذا يسرني.'
وما إن دخل إلى الداخل متظاهراً بأنه نزيل يبحث عن إقامة، حتى وقعت عيناه على رجل يتناول طعامه في زاوية الطابق الأول.
'يبدو متفرغًا وهادئ البال للغاية.'
بالطبع، كان من الصعب على دانغ جايل أك أن يكشف عن هذا الأمر لجده على الفور وهل يتطلب الاعتراف بارتكاب خطأ بهذا الحجم مجرد شجاعة عادية؟
ولا بد أن الرجل ذا الرداء الأسود كان يعلم ذلك أيضًا ولهذا السبب يتصرف بمثل هذه الجرأة والتطاول.
طلب يوى جان من الموظف غرفة في الطابق الثاني، ثم جلس إلى طاولة تفصله عن الرجل مسافة مناسبة.
وبينما كان يتناول طبقا من المعكرونة براحة وتأنٍ، نهض الرجل الذي أنهى طعامه أولاً من مقعده.
أرهف يوو جان سمعه وهو يمسك بفنجان الشاي، فسمع صوت صرير الخطوات الخافية.
وحين دوى صوت إغلاق الباب بقوة، ارتشف يوو جان الشاي دفعة واحدة.
'الغرفة الأخيرة على اليمين في الطابق الثاني.'
فبالنظر إلى اتجاه صوت الخطوات واتساع خطوة الرجل وعددها، لم يكن ليرتكب خطأ كبيراً في تقديره.
"هممم."
أنهى يوها جان تناول المعكرونة، ثم صعد إلى غرفته.
ومِن ثم خرج عبر النافذة، وتسلق الأسطح ممسكًا بأنفاسه حتى وصل بهدوء إلى السقف الممتد فوق غرفة الرجل مباشرة.
وحين أرهف سمعه من فوق السطح، كان يسمع من حين إلى آخر صوت احتكاك أطراف الثياب وصوت سحب الكرسي من الداخل.
يبدو أن الرجل لا يزال داخل الغرفة.
"……"
وعندما ظن أنه سيتوجب عليه الانتظار لبرهة أطول، اقترب أثر حركة مفاجئة نحو النافذة.
وفور أن رفع يو ها جان رأسه بسرعة
طقطق!
فتح الرجل النافذة على مصراعيها، وتمتم بمفرده
"الجو حار ومكتوم رغم أننا في فصل الخريف."
ترك الرجل النافذة مفتوحة وعاد إلى داخل الغرفة ليصدر صوتًا بين الأغراض وبعد لحظات دوى صوت فتح الباب وإغلاقه، متبوعًا بصوت خطوات تبتعد هابطة السلالم.
"……"
طقس حار إذن، ربما ذهب ليغسل عرقه أو ما شابه.
وفي اللحظة التي ألقى فيها يو ها جان نظرة داخل النافذة المفتوحة وهو متدلي من حافة السطح اتسعت حدقتا عينيه بذهول.
فقد كانت هناك ورقة مطوية موضوعة وحيدة على الطاولة بشكل واضح.
'أهي مصيدة؟'
كيف يترك شيئًا كهذا على الطاولة وكأنه يعرضه للأنظار تعمداً؟
ولكن إن كان قد ذهب ليغتسل حقًا فمن المنطقي أن يتركها هنا؛ إذ سيتلف الورق لو تبطل بالماء أثناء الاغتسال.
وإن عقد العزم، فبإمكانه الحصول عليها الآن فوراً.
"……"
لم تدم حيرته إلا لبرهة خاطفة، فحسم يوو جان أمره وانزلق بهدوء ودون أي صوت عبر النافذة إلى الداخل.
وفي اللحظة التي اقترب فيها من الطاولة والتقط الورقة واستدار راحلاً
"راودتني الشكوك، ولكن ها قد ظهر حقاً... أيها الجرذ الحقير"
ومن خلف النافذة المفتوحة، كان هناك ظل أسود يتوهج بعينين حادقتين في العتمة.
هوك!