341
وفي هذه الأثناء، عند الطرف النائي لقرية تمتد على طول النهر في ليشان بسيتشوان.
شد مو وون لجام فرسه وأوقفه أمام أحد المنازل ذات الأسقف القرميدية.
في الوقت الذي بدأت فيه مهمة التحري هذه، كان مو وون على وشك مواجهة موعد سداد دينه القريب وبفضل ذلك، تمكن من دخول ساحة هواتشونغ كضيف بشكل طبيعي.
وهناك، اكتشف أمراً ما فقد لاحظ أن كاتبًا مُسنًا مألوفًا لم يكن موجوداً.
كان العجوز عادةً مسؤولاً عن تحرير وثائق مثل سندات الدين أو العقود في تلك الساحة.
وقد التقى به مو وون بضع مرات عندما مدّد مهلة سداد دينه.
وعندما سأل عرضًا الكاتب الجديد بينما كان يمدد مهلة السداد، بدا أن ذلك العجوز قد ترك الساحة قبل فترة قصيرة وانتقل إلى مكان آخر.
وبما أن ابنه الوحيد قد مات بالفعل بسبب المرض، فلم يكن يبدو أنه رحل ليعيش مع ابنه.
فما الذي يجعل شخصًا عاش طويلاً في مدينة كبرى مثل تشنغدو ينتقل فجأة في خريف عمره؟
بشعور غامض بأن هناك شيئًا ما، استعان مو وون بمساعدة يوو جان لمعرفة المكان الذي انتقل إليه العجوز.
وفي النهاية، وصل إلى هذا المكان.
لم يكن منزل العجوز فاخراً للغاية، لكنه لم يبدو مزريًا أيضًا
وحسناً، بما أنه عمل لفترة طويلة في مثل تلك الساحة الكبيرة فلا بد أنه كان قادراً على توفير منزل جيد إلى حد ما في الريف.
ترجل مو وون من فرسه، ثم أمسك بمقبض الباب الرئيسي بأدب وطرقه.
"أفي الدار احد؟"
طك طك طك.
وبعد الانتظار لفترة قصيرة على هذا النحو، صدرت أصوات حركة من خلف الباب فانفتحت نافذة صغيرة في دلفة الباب.
"من أنت؟"
"لقد جئت من تشنغدو في أمر هام هل العجوز موجود في المنزل؟"
نظراً لأنه بدا شابًا للوهلة الأولى، لم يكن هو العجوز نفسه.
طلب الرجل من خلف النافذة الانتظار قليلاً ثم اختفى.
وبعد لحظات قصيرة.
ظهرت عيون مليئة بالتجاعيد خلف النافذة مرة أخرى.
"……من أنت؟"
"أيها العجوز، أنا مو وون وقد سبق أن التقيت بك عدة مرات في ساحة هواتشونغ في تشنغدو."
وعند سماع اسم ساحة هواتشونغ، ارتعشت عينا العجوز من خلف النافذة للحظة وبما أنه بدا وكأن الطرف الآخر على وشك إغلاق النافذة رافضًا الحديث، قال مو وون بسرعة
"أيها العجوز، لا أعرف ما إذا كنت تتذكرني أم لا لكني أعمل حارسًا لصالح عائلة دانغ."
"عائلة دانغ…… لا ، ما الذي تريد قوله بحق الجحيم؟"
"أردت فقط أن أقول لك إنه لن يحدث أي شيء يثير قلقك أو مخاوفك أيعقل أن يأتي حارس من عائلة دامغ إلى هنا كمجرد رسول لساحة هواتشونغ؟"
في الحقيقة، لم يكن متأكداً مما إذا كان العجوز قد هرب إلى هنا تجنبًا لساحة هواتشونغ أم أنه ببساطة ملّ من العيش في تشنغدو فانتقل إلى مكان آخر.
لقد كان مجرد تخمين وتوقع عابر، لكن العجوز لم يتفاعل برفض وكأنه يسمع هراءً بل صمت لفترة قصيرة.
يبدو أن الاحتمال الأول هو الصحيح على ما يبدو.
وعلاوة على ذلك، ربما بدا إغلاق الباب في وجه حارس من عائلة دانغ أمراً يثير الكثير من الحرج والأعباء، لذا فتح العجوز الباب في النهاية وبدت على محياه علامات الريبة والانزعاج.
"……تفضل بالدخول."
"شكراً لك أيها العجوز."
وعندما دخلا إلى الداخل، أمر العجوز خادمه بإحضار الشاي ورغم أنه لم يكن ثريًا للغاية إلا أنه يبدو في وضع يتيح له استئجار خادم واحد على الأقل.
وما إن وُضع فنجان الشاي على الطاولة حتى بادر العجوز بالكلام أولاً
"إذن، لأي أمر أتيت إلى هنا وأنت رجل مشغول؟"
"يبدو أن الأخبار لم تصل إلى هنا بعد في الواقع، تعيش تشنغدو حاليًا في حالة من الفوضى العارمة فقد تم الكشف عن أن ساحة هواتشونغ كانت تتاجر بالعبيد."
"……!"
اتسعت عيناها العجوز بشكل كبير.
في الحقيقة، لم تكن هذه القضية معروفة لأهل تشنغدو بعد.
فمن حيث الوقت، بدا أن السلطات لم تبدأ بعد تحقيقًا صحيحًا فيها.
بمعنى آخر، كانت كذبة ألقاها لتسهيل سير الحديث ومواصلته بسلاسة.
وبسبب الصدمة الكبيرة فيما يبدو، كانت يد العجوز وهي تمسك بفنجان الشاي ترتجف بخفة.
"……إذن، ألا يعقل أنك جئت إلى هنا للقبض عليّ أيضًا ؟"
"لست من رجال السلطات فكيف لي أن أفعل ذلك؟ السبب الذي جعلني أتي إلى هنا هو أن لدي صديقًا مديونًا لساحة هواتشونغ مثلي تمامًا"
وبالطبع، كانت هذه كذبة أخرى.
"لقد مر وقت طويل منذ أن غادر قائلاً إنه حصل على فرصة عمل بتوصية من ساحة هواتشونغ ومع ذلك لم تردني أي أخبار عنه سوى رسالة واحدة ورغم أنني ظننت في نفسي أن عدم الأنباء بحد ذاته نبأ جيد وأنه بخير إلا أنني في النهاية……"
قال مو وون بصوت مفعم بالحزن كأنه يعتصره بينما كان يقبض على قبضتيه بإحكام
"……سمعت نبأ الأفعال التي كانت تُرتكب في ساحة هواتشونغ."
"……هكذا إذن."
"نعم ، ولهذا السبب جئت للبحث عنك أيها العجوز تذكرت كيف شجعتني بحرارة في الماضي، وكنت أمل أن أعثر على أي خيط يوصلني إلى مكان وجود صديقي."
"……"
صمت العجوز لفترة طويلة قبل أن يتنهد بعمق.
ثم أمر خادمه فجأة بإحضار الخمر.
وما إن تسلّم العجوز إبريق الخمر حتى صب لنفسه كأسة ببطء ثم تجرعها دفعة واحدة في لمح البصر.
"دعني اخبرك ، أنا لا أعرف شيئًا عما حل بصديقك."
"إذن، أي شيء سيكون مفيداً على سبيل المثال…… هل الرسالة التي استلمتُها هي حقاً ممّا كتبه ذلك الصديق؟ لقد كُتبت فيها عبارات لا تشبه أسلوبه الغريب إطلاقًا كما أن خط يده بدا غير طبيعي إطلاقًا"
كانت قضية الرسالة هذه أمراً سمعه من عائلات مدينين آخرين؛ فقد تواصل معهم خفية قبل مجيئه إلى هنا.
وكانت حكاياتهم متشابهة تقريبًا إلى حد كبير.
عندما عجزوا عن سداد الديون، قيل إن الساحة عرضت عليهم فرصة عمل ومنذ ذلك الحين لم تكن هناك أي أخبار سوى رسالة واحدة وكانت خطوط الكتابة في الرسالة تبدو غريبة ومختلفة عن المعتاد على نحو مبهم.
أو كُتبت فيها كلمات لم يكن المدين نفسه ليقولها أبداً، وما إلى ذلك.
وبما أن العجوز الذي أمامه كان كاتبًا فقد سأله مو وون على أمل أن يكون لديه أي طرف خيط أو معرفة بالأمر.
"تلك الرسالة…… أنا من كتبها."
عند تلك الكلمات التي أُلقيت باقتضاب، اتسعت عينا مو وون من الصدمة.
"أنت أيها العجوز؟ لا، كيف حدث هذا بحق الجحيم؟"
"فووو."
مسح العجوز وجهه المجعد بإحدى يديه، ثم حدق في الفراغ
"……في الأصل، كنت رجلاً أقتعد عيشي من كتابة الرسائل والعرائض للناس في السوق."
قال العجوز إنه كان يكسب قسَم عيشه في الأصل من كتابة رسائل الاطمئنان أو الشكاوى للمحاكم نيابة عن أولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة.
وكان أحيانًا يقلد خطوط الآخرين بناءً على الطلب، ويبدو أنه كان يتمتع ببراعة تمكنه من تقليد الخطوط ببراعة شديدة حتى لو لم يمتلك سوى نماذج قليلة جداً منها.
"ثم في أحد الأيام، أخذوني إلى ساحة هواتشونغ لأعمل كاتبًا لديهم فلكي يتحققوا مما إذا كانت التواقيع على الوثائق حقيقية كان لا بد للساحة من شخص يفهم خطوط اليد ولكن في أحد الأيام……"
صمت العجوز للحظة وتردد، ثم رفع إبريق الخمر وأماله فوق الكأس.
طك طك طك.
"ألقى عليّ المسؤولون العلوين مهمة جديدة كانت تقتضي تقليد خط يد المدين وكتابة رسالة لإرسالها إلى عائلته قال المشرف إن أولئك المساكين مشغولون للغاية بسداد ديونهم ولا يملكون الوقت للكتابة بأنفسهم، لذا نحن نكتب نيابة عنهم فقط لكن……"
ارتجفت يد العجوز وهي تملأ الكأس الفارغة بغير انتظام، حتى فاض الخمر وسال خارج الكأس في النهاية
حاول العجوز رفع كأس الخمر بيده المرتجفة، لكنه استسلم ورزعها أرضًا على الطاولة.
"أليس هذا غريبًا حقاًا؟ مهما بلغ انشغال المرء، فأن يختلق شخص آخر رسالة ليُرسلها إلى عائلته لهو أمر يثير الريبة ولكن ما الذي يمكن لشخص وضيع مثلي أن يفعله سوى الانصياع والأمر كما يُطلب منه؟ كنت أنظر إلى الخط المتبقي في سند الدين والمعلومات الشخصية المدونة في السجلات، ثم أختلق كلمات مبهمة وعامة لا تبدو غريبة بغض النظر عمن كتبها وأرسلها عبارات من قبيل: هل أمي بخير؟ أنا أبلي بلاءً حسنًا وما شابه ذلك ثم في أحد الأيام، ألقى عليّ المشرف مهمة سخيفة أخرى من هذا القبيل، ولكن تلك…… تلك……"
"……"
"لقد طلب مني كتابة رسالة ابن جيرانيي……"
" لقد رأيت ذلك الولد ينمو ويكبر منذ طفولته…… آخ، شعرت أن هذا ليس عملاً يمكن لإنسان أن يفعله بحال فتذرعت بآلام ظهري واستقلت من الساحة."
"……بالفعل ، هكذا كان الأمر إذن ، إذن هل تعلم كم عدد الأشخاص الذين غادروا بعد أن عُرضت عليهم فرص عمل؟"
"لا يمكنني معرفة أمر كهذا لم أكن أنا من يدير السجلات، بل كنت مجرد شخص يساعد في تحرير العقود أيعقل أن يخبروا شخصًا مثلي بأمور مهمة كهذه؟"
"……هذا صحيح أيضًا في الواقع."
صمت مو وون لبرهة وجيزة وهو يفكر في حيرة: ما الذي يتوجب عليّ سؤاله أكثر من هذا؟
ما هي المعلومات الأخرى التي ينبغي عليّ استخلاصها من هذا العجوز؟
في الحقيقة، كان قد سمع بالفعل كل ما أتى للبحث عنه.
فقد ثبت بالفعل أنهم كانوا يبيعون البشر في الساحة، ثم يرسلون رسائل مزيفة إلى عائلاتهم لليطمئنوهم.
ولكن لو كان السيد الصغير، لو كان السيد الصغير الثالث هنا ألم يكن ليستخرج معلومات أكثر من هذا؟
لو كان أمامه شخص من داخل تلك الساحة.
……شعر وكأن رأسه سينفجر من شدة التفكير.
'يجب أن أسأل عن شيء، أي شيء يمكن من خلاله الحصول على معلومة مفيدة─.'
واصل مو وون طرح بضعة أسئلة أخرى بدافع الرغبة في المحاولة مهما كانت النتيجة.
لكن لم تخرج أي إجابات ذات قيمة حقيقية.
فقد كانت إما معلومات يعرفها بالفعل، أو شعر بأن العجوز يخفيها بدافع الخوف.
"هل سألت عن كل ما تريد الآن؟ لا أعتقد أن لدي المزيد لأقوله لك."
بدأ العجوز يظهر عدم راحته بالتدريج وبدا وكأنه على وشك القيام في أي لحظة مما جعل مو وون يشعر بالارتباك والعجلة.
وفي تلك اللحظة، خطرت قصة الرسالة في ذهن مو وون مجدداً.
"عذراً أيها العجوز إذن سأسألك سؤالاً واحداً أخيراً فقط تلك الرسالة التي تتحدث عنها، الرسالة التي كتبتها أنت نيابة عنهم."
"أجل."
"من كان الشخص الذي أوصل إليّ تلك الرسالة؟ حسب ذاكرتي لم يكن شخصًا من ساحة هواتشونغ أو على الأقل، لمن سلمت أنت تلك الرسالة في المرة الأخيرة؟"
كان هذا سؤالاً اعتصره من ذهنه لمجرد اكتشاف أي مكان آخر مرتبط بساحة هواتشونغ.
أجاب العجوز بنبرة لا تبالي
"ذاك…… كان يأتي رسول مرة كل عشرة أيام ليأخذ الرسائل التي كتبتها."
"هل كانت هناك حاجة لإرسال الرسائل بتلك الكثرة؟"
"ليس الأمر كذلك يبدو أنه كان يودعها مع طرود أخرى في متجر تأجير الكتب القريب من البوابة الغربية أعني متجر تأجير الكتب الواقع بجوار متجر الأقمشة عند تقاطع الطرق ذاك."
"……"
"طرد آخر—"
"آه، أنا لا أعرف شيئًا عن ذلك ما يمكنني إخبارك به هو هذا القدر فقط حقًا."
عندما أشار العجوز بيده وكأنه يطرد ذبابة، حيّاه مو وون بقبضة يده بأدب.
"……فهمت ،شكراً لك على إخباري بكل هذا، أيها العجوز."
"أجل. ……إذا سألت السلطات، فإن اسمي……"
"أنا لم آتِ إلى هنا اليوم إطلاقًا أيكفي هذا؟"
عند تلك الكلمات، أومأ العجوز برأسه مراراً وتكراراً بوجه بدا وكأنه فقد روحه واستُنزفت طاقته بالكامل.
"أجل ، وأنا أيضاً سأعتبر أنني لم ألتقِ بك اليوم."
"نعم ، إذن سأنصرف الآن اعتَنِ بنفسك."
وفي اللحظة التي نهض فيها مو وون ليغادر.
تناهى إلى مسمعه فجأة صوت العجوز الخافت من خلفه
"……لو، لو سمعت خبراً يفيد بأن ابن جيراني ذاك لا يزال حيًا……"
حرّك العجوز شفتيه بضع مرات دون أن يخرج صوتًا ، ثم أدار رأسه بعيداً.
"لا شيء، انسَ الأمر رافقتك السلامة."
"……نعم."
خرج مو وون من الباب وقفز بخفة على ظهر الفرس الذي كان مربوطًا في الفناء.
'مرة كل عشرة أيام، كان يسلم طرداً آخر مع الرسائل إلى متجر تأجير الكتب القريب من البوابة الغربية.'
هو نفسه لم يكن يفهم تمامًا ما يعنيه هذا ولكن لو كان السيد الصغير، فلا بد أنه سينتزع شيئًا ما من هذا الخيط والدليل.
'يجب عليّ أن أرفع التقرير دون أن أغفل حرفًا واحداً.'
"هيا!"
عندما شد مو وون اللجام، صهل الفرس بقوة وانطلق يركض.
نحو منزل دانغ، حيث ينتظره سيده.
***
بعد انتهاء صباح الصيد الذي كاد يتحول إلى منافسة، ما إن انتهت مجموعة اي هيون من تناول الطعام حتى انطلقوا بالعربة مرة أخرى.
وفيما كانوا يواصلون السير لفترة طويلة، قال بانغ سوول
"أنزلوني هنا واذهبوا أولاً."
"ماذا؟ لماذا فجأة هنا؟"
"عليّ الذهاب لاستعادة سيفي الطويل (الداو)."
يبدو أنه نظراً لكون حمل سلاح ضخم كهذا يجعل التعقب ملحوظًا وفاضحًا للغاية، فقد أخفاه مؤقتًا قبل أن ينطلق في ملاحقة الخاطفين.
وبالطبع، لم يكن ممكنًا تركه وحده والتخلي عنه هكذا الآن، لذا انحرفت مجموعة اي هيون عن الطريق الرئيسي مؤقتًا
باتباع ذكريات بانغ سوول، وجدوا سيفه الطويل موضوعًا بهدوء في مكانه الأصلي
لحسن الحظ.
ورغم أنه كان من المخطط صنع سيف طويل جديد من حديد النيزكإلا أنه كان أمراً جيداً ومريحًا أن توفر سلاحًا تستخدمه حتى يحين ذلك الوقت.
وعندما عادوا مسرعين إلى منزل عائلة دانغ على هذا النحو.
اقترب رئيس الخدم التابع لدانغ هوي بسرعة وقدم أنبوبًا خيزرانيًا صغيراً إلى سيده
" سيدي الشاب، لقد أرسل السيد رسالة حمام زاجل."