327
وكما كان متوقعًا حوى الصندوق بين جنباته وثائق ومعلومات تفصيلية تتعلق بالممر السري للخزانة السرية
مستندات كُتبت بدقة تامة، تشتمل على أجزاء الآليات والتركيبات التي تتطلب الصيانة في الممر السري إلى جانب التعليمات والملاحظات الهامة الواجب اتباعها أثناء أعمال الترميم والإصلاح
ولعل رئيس جناح البناء والترميم السابق لو كان لا يزال على قيد الحياة لنقل أصول وطرق صيانة الممر السري للخزانة السرية إلى حفيده رسميًا
"ما هذا بحق السماء……؟"
تمتم كواك موك جين وهو يعبث بشعره ويشدّه بذهول وكأنه فقد عقله، فبادره إي هيون
"في حقيقة الأمر، لقد جئتُ إلى هنا بأمرٍ من رئيس العشيرة شخصيًا."
"مـ، من رئيس العشيرة……?!"
"صه."
وضع إي هيون سبابته على شفتيه فسارع كواك موك جين إلى إغلاق فمه وكتم أنفاسه.
"هذا الصندوق هو أثرٌ قيم وميراثٌ عزيز تركه جدك، أليس كذلك؟"
"نعم إنه كذلك، ولكن……"
"غير أننا بحاجة ماسة إلى هذا الصندوق من أجل أمرٍ جلل وعلى قدرٍ كبير من الأهمية فهل تتكرم بتسليم هذا الصندوق لي؟"
ورغم أنه كان يطلب ذلك بلهجة رجاء واستئذان إلا كيف لشخصٍ مثله أن يرفض أو يقول لا لمن جاء يحمل أوامر رئيس العشيرة نفسه؟
"ذـ، هل يُمكنك إعادته إليَّ بعد أن ينتهي ذلك الأمر المهم؟ لقد كان حلّ لغز هذا الصندوق بنفسي أحد أهدافي وغاياتي كنجار."
فخلال الوقت الذي كان فيه إي هيون يفكك أقفال الصندوق وآلياته كان كواك موك جين قد أدار ظهره وعزم على عدم النظر؛ إذ كان يطمح إلى حل هذا اللغز بجهده وقوته الخاصة مهما طال الزمن.
أومأ إي هيون برأسه برحابة صدر وموافقة سلسة
"بالطبع ، وإن حدث وفُقد الصندوق لأي سبب فسأسلمك غرضًا يماثله في التركيب والبناء تمامًا بديلاً عنه."
فبجميع الأحوال سيتوجب تعديل الممر السري الحالي وتغيير آلياته بالكامل فور انتهاء هذه القضية لذا لن تكون هناك مشكلة في إعطائه القاعدة الخشبية الموجودة داخل الخزانة السرية بدلاً من هذا الصندوق
"أنا موافق، يمكنك أخذه."
"شكراً لك وأيضًا……"
رفع إي هيون الصندوق بعد أن أعاد إغلاقه وتركيبه كما كان في الأصل ورسم على شفتيه ابتسامة خفيفة
"من البديهي التنويه بعدم إفشاء أي شيء عن هذا الأمر للخارج مطلقًا"
"أمرك، بالطبع لن أفعل!"
"إذن، أستأذنك."
فتح إي هيون باب ورشة العمل وخرج، ثم عاد إلى مقر إقامته وهو يحمل الصندوق بين يديه.
****
ليلة مظلمة شديدة سواد
كان مضجع دانغ غا غبوم القابع داخل دار دانغ نا غاك تلفها برودة وسكون أشبه بسكون المقابر.
وفي قلب هذا الصمت المطبق كان دانغ غا غيوم يرقد على فراشه وقد أغمض عينيه بإحكام وهو يرتعد في داخله رعبًا وهلعًا
وبالحقيقه، كان هذا العذاب أليمًا إلى حد يعجز عن تحمله.
فقد مضت ثلاثة أيام بلياليها وهو يرقد دون حراك متظاهراً بفقدان الواعي والغياب عن الوجود.
ومع أنه لا يفعل شيئًا سوى التنفس بهدوء إلا أن هذا الثبات كان أشد مضاعفة وأقسى من أعتى تدريبات الفنون القتالية.
ولكن لم يكن بيده خيار آخر ولا حيلة إذ ربما كان هناك من يرقبه ويتربص به حتى في هذه اللحظة بالذات.
‘لكي يتحققوا مما إذا كنت قد فقدت وعيي حقًا أم لا…….’
وما إن طافت هذه الفكرة بباله حتى سرت القشعريرة في أرجاء جسده وجاش في صدره حرقة الظلم وفاضت عيناه بالدموع.
‘دانغ جايل أك ذلك المعتوه اللعين.’
فإن كل ما اقترحه ذلك اللعين على دانغ غا غيوم لم يكن سوى أن يتظاهر بشنق نفسه فحسب على أن يتكفل هو ببقية الترتيبات والأمور بنفسه.
‘وـ، ولكن إن كان الأمر مجرد تظاهر فلا داعي للمضي إلى هذا الحد أليس كذلك؟! يكفي أن أضع حبلًا حول عنقي بشكل سطحي وأستلقي على الأرض─’
‘أيحسب الناس أغبياء؟ إن لم تكن هناك آثار وندوب على عنقك فسيكتشف الجميع حيلتك ويكذبونك على الفور.’
‘لا، ولكن حتى وإن كان الأمر كذلك ماذا لو حدث خطأ ما؟! أـ أنا لن أستطيع فعل ذلك! لا أريد!’
‘لا تريد؟ أَيَحْسُن بك أن تنطق بكلمة لا أريد في مثل هذا الوضع؟ فقد تكون أنت الضحية التالية بعد دانغ سا هيون.’
‘…….’
‘لا تقلق سنجعل أحد الخدم ينتظر على مقربة منك لينقذك في الوقت المناسب أليس لديك ذلك الخادم الذي يخدمك ويتبعك منذ أمد بعيد؟ إن أوكلنا الأمر إليه فسيمكنك الاطمئنان والارتياح.’
وحقيقة الأمر، فإن مجرد فكرة شنق نفسه كانت مرعبة ولها هول شديد غير أنه كان يعلم علم اليقين أنه إن لم ينصاع لكلامه فسيغدو هو الفريسة التالية بلا أدنى شك.
أجل، الفريسة التالية التي ستعاني وتتجرع كل ما ذاقه دانغ سا هيون في الماضي حرفيًا ……
إذ بمجرد أن ينطق دانغ جايل أك حفيد رئيس مجلس الشيوخ بكلمة واحدة سينقض عليه بقية الرعاع والكلاب لينهشوا جسده.
وفي وضع كهذا جزم دانغ غا غيوم بأن تدخل والده واحتجاجه لن يجدي نفعًا ولن يغير من الواقع شيئًا إذ لم يكن لوالده صوت مسموع أو نفوذ قوي داخل فصيل رئيس مجلس الشيوخ.
ولهذا السبب انصاع لقول دانغ جايل أك وقام بشنق نفسه بالفعل في مضجعه
غير أن ذلك الخادم الذي خدمه ورافقه منذ صغره لم يهرع لإنقاذه قط!
ظل معلقًا بالحبل يصارع الموت ويختنق وتضطرب أطرافه حتى استرخى جسده وخارت قواه.
ولولا أنه أحاط نفسه بحذر واحتياط وجعل خادمًا آخر ينتظر في الخفاء تحسبًا لأي طارئ.
‘لكنت قد هلكت ومِتُّ…… في حيني.’
وما إن استحضرت ذاكرته تلك اللحظة التي اعتصر فيها الحبل عنقه وغاب واعيخ في أبعاد سحيقة حتى انقبض صدره وانقطع نفسه تلقائيًا
اللعنة لك …….’
كان دانغ جايل أك ينوي قتله منذ البداية.
فهذا طبيعي؛ إذ إن لجأ إلى مثل هذه الحيلة فإن هلاك دانغ غا غيوم وموته بحق سيكون أجدى وأسهل بكثير لإلحاق الضرر بدانغ هوي.
عندما يختلي بأبيه سيبكي ويخبره بالحقيقة.
‘تظاهر أولاً بأنك لم تسترد وعيك بعد حينها لن يجرؤوا على التعرض لك في الحال وأنا سأبحث عن مخرج وحيلة بدوري.’
ولكن لم يكن بوسعه البقاء على هذه الحال إلى الأبد.
فدانغ جايل أك ليس ممن يتحلون بالصبر وقد يساوره الشك والقلق فيبعث بقاتلٍ مأجورٍ محترف ليقتله ويتخلص من العواقب والأثر.
وحينها، ربما سيلفظ أنفاسه الأخيرة ليبدو الأمر وكأنه مات وهو في غيبوبته.
‘ماذا ماذا عليّ أن أفعل؟ كيف…….’
وفي تلك اللحظة بالذات.
طَق... طَق...
“…….”
خفق قلبه بشدة.
كان هناك شخصٌ ما يقف أمامه لم يكن هناك أدنى صوت غير أنه أدرك وجوده دون أن يفتح عينيه لسببٍ ما.
‘متى بحق السماء؟’
كيف دخل إلى هنا؟ وماذا عن الحراس الواقفين أمام الباب؟
“…….”
قبض دانغ غا غيوم على الخنجر الخفي ببطء وشحذ طاقة السم في طاقته الداخليه.
طالما وصلت الأمور إلى هذا الحد فقد عزم على المقاومة والصراع حتى الرمق الأخير.
رغم أنه سيلقى حتفه على أي حال على الأرجح.
‘اللعنة…….’
فتح دانغ غا غيوم عينيه على وسعهما واندفع بالخنجر يسدده نحو الأمام في نفس اللحظة.
****
“سـ، سيد الشاب! حدث أمرٌ جلل!”
حين أقبل نائب رئيس الخدم بوجهم أصفر كالحٍ من شدة الذعر طوى إي هيون صفحة كتاب «مفاهيم التشكيلات القتالية - الجزء الثاني» ببرودٍ ودون اكتراث
“ما الخطب؟”
“في الحقيقة، يُقال إن السيد الشاب دانغ غا غيوم لم يسترد وعيه في النهاية وقد مـ، مات ……!”
“…….”
أغلق إي هيون الكتاب الذي كان يقرؤه بهدوءٍ
“……حسنًا علمْتُ بالأمر انصرف لمتابعة عملك.”
“آه؟ أمرك…….”
في البداية، فُزع نائب رئيس الخدم من نبأ وفاة دانغ غا غيوم أما الآن فقد تملّكه الذهول والارتباك من ردة فعل سيده الفائقة البرود والتعالي.
لقد كانت الفترة التي خدم فيها السيد الشاب الثالث قصيرةً جداً.
وحتى رئيس الخدم نفسه لم تمضِ على خدمته للسيد الشاب إلا فترة وجيزة فكيف بنائب رئيس الخدم الذي اختير لهذا المنصب بعد المغادرة إلى هابوك؟ لا حاجة للقول إن الأمر لا يقارن.
ورغم أنه هو نفسه كان شابًا صغيراً في السن إلى حدٍ ما إلا أن السيد الشاب الثالث لم يكن رجلاً بالغًا بعد بل مجرد فتى في مقتبل العمر
ومع ذلك، أن يحافظ على ثباته ورزانته المتناهية في موقفٍ كهذا!
وبحسب ما سمعه من رئيس الخدم فإن السيد الشاب شخصٌ ذكي وفطنٌ للغاية لذا فمن المستحيل ألا يدرك إلى أين ستؤول هذه الأحداث وما الذي سينجم عنها.
وحين أخذ يرمق سيده الواقف وهو يشخص ببصره بنظراتٍ هادئة نحو ما وراء النافذة خالجه شعورٌ غريب ومبهم.
‘عَمَّ يفكر يا ترى…… ذلك الشخص؟’
***
ومنذ ذلك الحين، انقلبت عشيرة سيتشوان دانغ رأسًا على عقب لعدة أيام.
يعود السبب في ذلك إلى السيل الجارف من الانتقادات الحادة والشرسة التي أطلقها فصيل رئيس مجلس الشيوخ.
حيث تلخصت هجماتهم في أنهم ورغم كونهم من السلالة المباشرة لم يكتفوا بالامتناع عن إظهار التسامح والرحمة تجاه من هم أدنى منهم مرتبة بل ضخموا مسألة بسيطة للغاية متسببين في إزهاق روح شابة حسيرة.
حتى إن بعضهم وصل به الأمر إلى القول بشكل غير مباشر: هل يستحق أمثال هؤلاء أهليّة وأحقية قيادة عشيرة دانغ في المستقبل؟
ولعل السبب في تركيز سهام الانتقاد بشكل خاص على السيد الشاب الأكبر دانغ هوي هو غياب السيد الشاب الثاني دانغ تاي يول عن العشيرة حاليًا أو ربما لأنهم حصروا هدفهم منذ البداية في السيد الشاب الأكبر.
أما فصيل السيد الشاب الأول فربما لأنهم تلقوا إشارة أو تلميحًا ما من السيد الشاب الأكبر فكان انطباع ضبط النفس وحبس الأنفاس لديهم واضحًا وجليًا بدلاً من شن هجوم مضاد.
ولعلهم لم يجرؤوا على رفع أصواتهم والتحدث بتهور لكون دانغ غا غيوم قد فقد حياته بالفعل.
أما والدة دانغ غاغيوم فما إن عاينت جثمان ابنها حتى غشي عليها وسقطت مغشي عليها ولم تستطع الاستيقاظ من فراشها منذ ذلك الحين.
وكذلك والده دانغ ناغاك فقد وضع جميع أعماله وأموره جانبًا واستغنى عنها وقطع كل تواصل مع العالم الخارجي تمامًا
ويبدو أنهم قرروا إقامة مراسم الجنازة بين أفراد العائلة وفي نطاق ضيق وحميم فحسب بحجة أنهم لا يمتلكون الطاقة ولا القدرة على استقبال المعزين جراء الصدمة العارمة التي ألمت بهم.
وكان هذا أمراً نادر الحدوث في عائلة كبرى وعريقة مثل عشيرة دانغ غير أنه لم يكن مستغربًا ولا ملامًا بالنظر إلى مشاعر وأحزان والدين فقدا ولدهما بين عشية وضحاها.
ومع استمرار الهجمات والانتقادات الموجهة للسيد الشاب الأكبر من قبل فصيل رئيس مجلس الشيوخ يومًا بعد يوم، استفسر طبيب شاب ينتمي إلى فصيل السيد الشاب الثاني من طبيب أقدم منه وسأله بصوت خفيض
"لماذا لا ينتهز كبار شيوخنا هذه الفرصة للضغط على السيد الشاب الأكبر جنبًا إلى جنب معهم؟ أرى أن اغتنام هذه الفرصة كفيل بإضعاف قوة ونفوذ فصيل السيد الشاب الأول بشكل كبير."
" كفّ عن التفوه بأسئلة غبية وحمقاء."
"عفواً؟ لا ما الغبي في طرْحي؟"
"في الوقت الحالي، تتركز كل الانتقادات والسهام على السيد الشاب الأكبر لكن في اللحظة التي نتدخل فيها نحن ستتحول الساحة إلى فوضى عارمة لا أول لها ولا آخر كان بإمكان فصيل السيد الشاب الأول توجيه السهام إلينا نحن وطالما أن ذلك الطرف لا يفعل ذلك فبوسعنا الوقوف جانبًا ومراقبة الحريق من الضفة الأخرى للنهْر بكل هدوء."
"……أوه؟ بالحديث عن ذلك هذا صحيح بالفعل! لو كان الوضع كالمعتاد لكان فصيل السيد الشاب الأول قد أطبق علينا ومسك بنا بالتأكيد لماذا هم هادئون وصامتون هكذا هذه المرة؟"
"وما أدراني أنا؟"
ورغم أنه قال ذلك إلا أن الطبيب الأقدم استرجع في ذهنه منظر ليلة من الليالي.
ورغم أنه لم يستطع معرفة طبيعة الحديث الذي كان يدور بينهما إلا أنه تذكر منظر السيد الشاب الأكبر والسيد الشاب الثاني وهما يتحادثان في الرواق المخيم عليه الظلام يوم المأدبة.
‘……أيعقل أن العلاقة بين الأخوين قد أصبحت طيبة وحسنة─؟’
وما إن طافت بباله هذه الفكرة السخيمة حتى أطلق ضحكة خفيفة وساخرة دون أن يشعر.
فهل يعقل أن يحدث مثل هذا الأمر الفارغ والسطحي في عائلة أشبه بوعاء السم هذا؟
أن يقوم السيد الشاب الأكبر بحماية السيد الشاب الثاني وتغطيته بمثل هذه العاطفة اللينة والهشة؟
‘كلام يدعو للضحك والمهزلة.’
غير أنه من ناحية أخرى كانت الشائعات التي تفيد بأن الشبان الثلاثة قد أصبحوا على وفاق وعلاقة طيبة للغاية في جمعية التنين الالهي تراود ذهنه وتدور في مخيلته أيضًا
‘……مهلاً…… لا يعقل أن يكون الأمر صحيحًا أليس كذلك؟’
***
قبل بضعة أيام، في مقر إقامة إي هيون.
قدم إي هيون الشاي لدانغ هوي الذي جاء لزيارته ثم سأله بهدوء
“أخي ، هل ستكون بخير؟”
“عن أي شيء تتحدث؟”
“إذا استمرت الأمور على هذا المنوال يبدو أنك ستمر بظروف وصعاب شاقة للغاية.”
وعند سماع تلك الكلمات ابتسم دانغ هوي ابتسامة خفيفة
“لقد عانيتَ أنتَ لسنواتٍ طوالٍ لا تُقاس، أفتقلق عليّ من أمرٍ بسيطٍ كهذا؟"
“……ممم.”
“لقد وُلدتُ قويًا لمواجهة مثل هذه الأوقات والصعاب أمرٌ كهذا لا يزن شيئًا على الإطلاق.”
“……إذن، سأضع ثقتي بك.”
“أجل.”