321
قاعة الشاي في مقر السيد الشاب الثالث.
ارتشف إي هيون الشاي بتمهل ثم وضع الفنجان على الصينية.
طقطقة.
“ جيوك بول هاي. ”
لم يكن سوى نداءٍ بحروف اسمه الثلاثة غير أنه حمل في طياته ضغطًا وهيبة غريبة.
“ …… عـ، عفواً! يا قائد، أنا فقط أقمتُ نزالاً بسيطًا مع الحارس مو ! ولسنا أطفالاً صغاراً أليس إصابة أحدهم أثناء التبارز أمراً وارد الحدوث بكرار؟ لقد كنا نختبر مهاراتنا القتالية وتبادل الخبرات فقط─. ”
“ بل بالأحرى استشعرت الإزعاج من تدخلات مو وون فأردتَ إخضاعه بقوتك ليتوقف عن مضايقتك. ”
…… ما بال هذا الفتى؟ هل يعقل أنه كان يراقبنا طوال الوقت من مكانٍ ما؟
“ لماذا أردتَ فرض أسبقيتك وترتيب السيطرة على حساب مو وون تحديداً؟ ”
“ ألم تراه؟ إنه يلاحقني ويثقل عليّ كأنه يريد الإمساك بزلاتي! يلتصق بي في كل وقت ويصدر الأوامر والتدخلات مما أثار حنقي وغضبي. ”
“ لقد انضممت إلى هذه العشيرة للتو أليس حريًا بك أن تستشعر الامتنان عندما تجد شخصًا يعلمك كل صغيرة وكبيرة بهذا الشكل؟ لو تركتُك تتصرف بمفردك بحجة اعتمادك على نفسك أكان بمقدورك تدبر أمرك بمفردك في عشيرة كبيرة ومعقدة كهذه؟"
“ حتى لو أراد تعليمي كان بإمكانه التمهل وإعطائي الوقت لكنه ينهال علي بالتعليمات دفعة واحدة! هناك كم هائل من الأمور يتوجب حفظها مما يتسبب في إرباكي فحسب. ”
“ لمو وون تدريباته الخاصة ومهامه اليومية أيضًا وكان يهدف لنقل المعارف إليك بأسرع وقت ممكن وسط كل تلك المشاغل وما هي هذه الأمور الكثيرة التي طلب منك حفظها بالتحديد؟ ”
“ …… مثل مواقع القاعات والجداول الزمنية وبعض الإجراءات والأنظمة وما شابه……؟ ”
“ إن كان الحفظ يصعب عليك فدوّنها احمل معك مذكرة صغيرة على الأقل. ”
“ نعم……؟ أأدوّن كل ذلك؟ ”
لزم إي هيون الصمت لبرهة وظل يرمق جيوك بول هاي بنظرات هادئة وثابتة.
“ …… ”.
لماذا يحدث هذا؟
لو أن هذا الفتى الصغير أبدى تذمره أو انفجر غاضبًا لكان جيوك بول هاي قد انفعل ورد عليه فوراً لكن مراقبته له بتلك النظرات النافذة جعلته يشعر في قرارة نفسه وكأنه هو المخطئ دون سبب.
تحدث إي هيون بصوت خفيض وبارد
“ يا جيوك بول هاي ثلاث سنوات أطول مما تتخيل. ”
“ …… ”.
“ أعلم أنك تخطط لتمرير هذه السنوات الثلاث بالحد الأدنى من الجهد ، غير أن عشيرة دانغ سيتشوان ليست مكانًا هينًا لتصمد فيه بتلك العقلية. ”
“ …… ”.
“ بالطبع، لن يعجبك الأمر وقد أُلقي القيد في عنقك فجأة ولكن ألم يُكتب في العقد؟ أن تؤدي مهامك بإخلاص ودون خيانة على مدار ثلاث سنوات. ”
“ أنا لم أخن أحداً! ”
“ لكن يصعب عليّ وصف وضعك الحالي بالإخلاص والجدية على أي حال. ”
“ …… أوه، وماذا بعد؟ هل ستأخذ رسم أوصافي وتذهب به إلى تحالف الموريم إذن؟ ”
“ بالطبع، قد أفعل ذلك إن تبين لي أنك بلا فائدة. ”
حين أظلمت عينا جيوك بول هاي حنقًا صبّ إي هيون كوبًا آخر من الشاي.
خريررررر.
“ لكنك تابعٌ تجشمتُ الصعاب لأضمه تحت إمرتي ولذا أرغب في استغلال قدراتك واستخراجها إلى أقصى حد وفي الحقيقة إن أخرجتَ مهاراتك الحقيقية فلن تقف عند هذا الحد الدنيء، أليس كذلك؟ ”
‘ …… انظر إلى هذا الصبي. ’
يضغط عليه تارةً ثم يرفعه ويطريه تارةً أخرى يتلاعب به ويقلبه على جمر الهادئ ومع ذلك لم يشعر جيوك بول هاي قط بأن هذا الصبي يتوجس منه أو يخشاه.
“ ربما تتساءل في نفسك عن الحد الذي يمكنك فيه التراخي وتقليل قوتك دون أن تُكشف أليس كذلك؟ لكنني أنا أيضاً أزِنُك وأقيس قدراتك في المقابل. ”
“ …… إذن، ما الذي تريد الوصول إليه بالضبط؟ ”
“ أريد القول إن وقت استنزاف الطاقات واختبار كل منا للآخر يجب أن ينتهي الآن إن أردت العمل فافعله بجدية وإن أردت الرفض فانسحب فليس لدي وقت لأضيعه مع شخص يعمل بنصف قلب على مدار ثلاث سنوات. ”
“ …… ”.
بالطبع، لم تكن لدى إي هيون أي نية للتخلي عن جيوك بول هاي أو إفلاته إطلاقًا
فهذا العضو يمتلك إمكانات وطاقات هائلة للغاية فضلاً عن أنه إن أطلق سراحه وتركه يرحل فسوف يتجه مباشرة نحو حلف الطريق الشرير
ولكن عند خوض المفاوضات يتوجب على المرء أن يظهر دائمًا بمظهر من لا يبالي ولا يملك أدنى حسرة أو تعلق.
أما بالنسبة لجيوك بول هاي فرغم أن موقعه الحالي يبعث عليه الاختناق إلا أنه لن يكون سيئًا بالنسبة له بحال فقد أعدّ له شروط عقد جيدة ومناسبة لتجعله يشعر بذلك.
وحتى لو انتهى به المطاف بالانضمام إلى حلف الطريق الشرير وإخضاع إحدى طوائفه الثمانية الكبرى فلن يتأتى له ذلك إلا بعد مشقةٍ ومعاناةٍ مهولة.
أما في الوقت الراهن وحتى لو أفصح إي هيون عن إطلاقه سراحه دون أي شروط فسوف يقف معدمًا بلا فلس واحد حائراً ومذهولاً أمام كيفية إعادة إحياء طائفة كوي يونغ مون.
ومن هذا المنطلق، فلن تكون عشيرة دانغ سيتشوان التي تمنحه راتبًا شهريًا مجزيًا ومأوىً مريحًا للنوم خياراً سيئًا بالنسبة له.
كل ما في الأمر أنه كان يختبر حدوده ليرى إلى أي مدى يمكنه العناد والتطاول دون أن يُعاقب طمعًا في قضاء سنواته الثلاث بقدر أكبر من الراحة واليسر.
“ عـ، عفواً! ولكن كيف لرجل مثلي أن يحمل مذكرة ويظل يدوّن فيها ويلاحق رجلاً آخر كظله أمام أعين الجميع؟ مجرد تخيل الأمر يبعث على القشعريرة والاشمئزاز! ”
“ سأتحدث إلى قائد الحرس ليخصص لك وقتًا منفصلاً يمكنك تلقي الدروس والملاحظات داخل القاعة مغلقًا عليكما هل لديك مشكلة أخرى؟ ”
“ …… علم، سأفعل ذلك! سأفعله وكفى! ”
“ حسنًا وأمر آخر. ”
طق.
وضع إي هيون فنجان الشاي جانبًا وتحدث بصوت خفيض وهادئ
“ لقد أخبرتك سابقًا أليس كذلك؟ لا حاجة لي بتابعٍ يعجز عن ضبط لسانه والسيطرة عليه إن استخف بي حراسي فمن ذا الذي سيحترمني ويجلّني في هذه العشيرة؟ وأنت نفسك قد قدتَ طائفةً قتالية ولو لفترة قصيرة لذا يفترض بك تعلم ذلك جيداً. ”
“ …… ”.
“ لا تتصرف بوقاحة أو تتجاوز حدودك تحت ستار التودد والمزاح. ”
ابتلع جيوك بول هاي ريقه بجفاف
“ …… حاضر. ”
“ جيد ، لنتصرف بمسؤولية وإتقان. ”
“ حاضر. ”
وفِي هذه الأثناء، كان مو وون ينتظر خارج الباب ويستمع إلى هذا الحوار وأومأ برأسه إعجابًا وتأييداً في خفاء.
لقد كان واثقًا من أن السيد الصغير يتكفل بحل الأمور والسيطرة عليها بكفاءة.
فعلى الرغم من أن مظهر السيد الصغير ينم عن الرقة إلا أنه كان الشخص الذي جادل السيد الشاب الأكبر وحاسبه بثبات، أليس كذلك؟
فلم يكن يعقل أن يعجز عن كبح حارسٍ واحد وإخضاعه.
في تلك اللحظة، تدفق صوت إي هيون من الداخل
“ مو وون ادخل. ”
“ حاضر، يا سيدي الشاب. ”
صريرررر.
وما إن خطى إلى الداخل حتى استشعر النظرات الحارقة والناقمة من جيوك بول هاي غير أن مو وون تجاهلها وتصنع عدم الملاحظة.
“ مو وون ،اجلس أنت أيضًا. ”
“ حاضر. ”
ما إن جلس مو وون على الكرسي حتى استهل إي هيون الحديث
“ في الحقيقة، لقد استدعيتكما بالسؤال عن شيء ما. ”
“ عن شيء ما……؟ ”
“ هل يعرف أحدكما أي شيء عن مصرف هَوا بيونغ بالصدفة؟ ”
عند سماع تلك الكلمات، جفل الاثنان لسببٍ ما وأبدى إي هيون استغرابًا من وده فعلهما تلك
“ ما الأمر؟ لقد سألتُ على سبيل التخمين فقط فهل يعرف كليكما ذلك المكان؟ ”
“ حسنًا، بما أنه المصرف الذي استدنتُ منه سابقًا بطبيعة الحال. ”
“ …… وأنا لا أزال في طور سداد ديني لذلك المكان. ”
تردد مو وون لبرهة قبل أن يتحدث بحذر مما جعل جيوك بول هاي يرتسم على وجهه تعبيرٌ ينم عن الذهول واستنكار الأم
“ ماذا؟ أنت مدين لمصرف هَوا بيونغ ولا تزال تسدد الدين؟ منذ متى كان ذلك الدين أصلاً؟ ”
“ …… هذا أمرٌ لا شأن لك به. ”
“ آها، حسنًا هذا صحيح على كل حال”
ورغم فضول إي هيون لمعرفة المقدار المتبقي من دين مو وون إلا أنه لم يطرح السؤال في هذا المجلس كونها معلومات شخصية للغاية.
وفي الواقع، فإن طلب إي هيون من طائفة هاو مون التقصي عن أماكن الربا الفاحش في تشنغدو كان من أجل مو وون ومو ليان.
فعندما استرق السمع لحديثهما في مقر ناكداي جين بدا وكأنهما يعانيان من ضائقة شديدة جراء الربا الفاحش الذي تفرضه حلقة الديون تلك.
“ بناءً على كلامك، يبدو أنك يا جيوك بول هاي قد سددتَ دينك بالكامل. ”
“ هذا صحيح، ؟ عندما بعتُ مقر الطائفة…… آه اللعنن ! لو أن المعلم أخبرني بوجود تلك الأشياء المخبأة بدلاً من كتمانها لماذا أسرّها وأخفاها إخفاءً شديداً……! ”
على ما يبدو، تذكر جيوك بول هاي العثور على النواة الداخلية للأفعى ذات القرن الواحد ولوح القرون السوداء بعد بيع مقر الطائفة، مما أثاره وأحاطه بالألم والحسرة.
“ ولكن كيف اتخذت قراراً جازمًا ببيع مقر الطائفة لسداد الدين؟ عادةً ما يصعب على المرء اتخاذ مثل هذا الخيار. ”
“ لأنني لو لم أسدده بسرعة لشعرتُ أن نهايتي قد دنت واستُنفدت خياراتي. ”
“ …… استُنفدت خياراتك؟ ”
“ ألم تسمع بهذا من قبل؟ من يستقرض مالاً من مصرف هَوا بيونغ ولا يستطيع ردّه يأخذونه بعيداً بدعوى توفير عملٍ مجدٍ له ولكن لا أحد يرجع منهم تقريبًا. ”
أومأ مو وون برأسه بملامح يملؤها الثقل
“ وأنا أعلم ذلك أيضًا ولهذا السبب علقتُ كل آمالي على اختبار الحراس فمن المؤكد أنهم لن يستطيعوا اقتاد حارسٍ تابعٍ لعشيرة دانغ سيتشوان قسراً. ”
هز جيوك بول هاي كتفيه وأضاف
“ على أي حال، لا أحد يعلم حقيقة ما حدث بالفعل لذا تظل مجرد شائعات. ”
عقد إي هيون حاجبيه وتساءل
“ …… ولكن ألا يُعرف ذلك المكان بأنه مصرفٌ ذو ضمير وسمعة طيبة؟ لماذا تحيط به مثل هذه الشائعات المظلمة ومع ذلك يمتلك سمعة حافلة بالثناء؟ ”
“ لأن الفوائد تكون منخفضة للغاية في البداية وانقطاع أخبار شخص سافر إلى مكان بعيد للعمل ليس بالشيء الغريب أليس كذلك؟ ”
وبما أن إرسال رسالة واحدة عبر حمام الزاجل يتطلب مبالغ باهظة فمن الطبيعي أن يصعب على عامة الناس نقل أخبارهم.
“ ومع ذلك، أعلم أن صاحب ذلك المصرف يمتلك سمعة طيبة لأنه يوزع الحساء على الفقراء ويقدم الأموال عند حدوث الكوارث.…… وبما أن الأمر بدا مريبًا فقد أرسلتُ مو ليان إليه تحديداً. ”
“ هكذا إذن. ”
نحّى مو وون تعابيره المظلمة جانبًا وسأل باستغراب
“ ولكن لماذا تسأل عن مصرف هَوا بيونغ فجأة؟ ”
“ لأن هناك ما يشغل بالي ويريبني. ”
مصرف هَوا بيونغ
─ مؤسسة مالية تتعامل بمختلف أنواع المعاملات النقدية اتسعت رقعة نفوذها انطلاقًا من إقليم سيتشوان وتعمل في الآونة الأخيرة على توسيع نطاق نشاطها ليصل إلى أقاليم أخرى.
─ تقرض الأموال للناس بفوائد ضئيلة للغاية وفي حال العجز عن السداد تعرض عليهم توفير فرص عمل كبديل.
─ يشاع عنها في بعض الأوساط سمعةٌ طيبة باعتبارها مصرفًا ذا ضمير حي.
─ إقراض أموالٍ ضخمة لمدارس القتال والطوائف الصغيرة والمتوسطة من غير طلب أي ضمانات
─ جرى تأكيد شهادات تُفيد برؤية دانغ جايل آك ، حفيد رئيس مجلس الشيوخ وهو يلتقي بصاحب مصرف هَوا بيونغ لمرات عدة.
وفضلاً عن ذلك، أظهرت نتائج تحقيقات طائفة هاو مون احتمالاً عاليًا بأن مصرف هَوا بيونغ يمارس تجارة البشر.
تحدث إي هيون إلى مو وون وجيوك بول هاي بنبرة هادئة وخفيضة
“ يتوجب عليكما كليكما التقصي والتحري عن هذا المكان نيابة عني"