320
طلب إي هيون من كبير الخدم جلب بعض اللحم لإطعام الصقر الزاجل؛ فقد قطع مسافة طويلة ولابد أنه يتضور جوعًغ أليس هذا أقل ما يمكن تقديمه لحسن الضيافة؟
ولأن بانغ سوول لا بد وأنه قد انطلق بالفعل نحو إقليم سيتشوان في هذا الوقت ولأن الصقر سيعود مباشرة إلى عشيرة بانغ لم يكتب إي هيون أي رد.
وبعد برهة، وبعد أن ملأ الصقر الأبيض بطنه فرد جناحيه على وسعهما.
حفيف!
حلق الصقر الزاجل بقوة واندفع نحو أعالي السماء ليختفي بين السحاب.
تطلع إي هيون إلى أثره لبرهة، ثم نقل بصره إلى التقرير الثاني المرفوع من تشون هيانغ رو والموضوع على الطاولة.
كان هذا التقرير هو نتيجة الطلب المجاني الإضافي الذي انتزعه عندما زار دار تشون هيانغ رو سابقًا كتعويض عن الإهانة التي وجهها الراوي لعشيرة دانغ.
غصّت الورقة بقائمة مطوّلة تضم أسماء مؤسسات القروض المرابين التي تمارس أعمالها في مدينة تشنغدو
وكانت المعلومات تنتقي بدقة أشد تلك الجهات خسةً وضراوة، لدرجة أنهم يُلقبون بيوم وانغ تشاي
معلومات مُنتقاة بعناية تضم أكثر تلك الجهات خباثةً وجشعًا لدرجة أنها تُلقّب بيوم وانغ تشاي (وكالة ملك الموت )
انزلقت أطراف أصابع إي هيون ببطء فوق تلك القائمة قبل أن تتوقف عند اسم واحد.
[دار هوا بيونغ المالية ]
وبينما كان إي هيون غارقًا في تفكيره العميق أتى صوت خفيض وحذر من خلف الباب
“سيدي الصغير، وصلت رسالة من قاعة الحماية ”
“ما الأمر؟”
“استفسار يخص الحارس جيوك؛ يسألون إن كان بإمكانك التفضل بزيارتهم لبرهة للتأكد من بعض التفاصيل.”
لا بد أن الأمر يتعلق بطلبه السابق بضم جيوك بول هاي إلى حرس عشيرة دانغ.
“سأذهب الآن.”
“حاضر، سيدي الشاب.”
وبعد أن توجه برفقة حراسه إلى قاعة الحماية وأنهى عمله هناك……
“سيدي الشاب!”
اقترب منه حارس ذو وجه مألوف وهو يناديه.
إنه الحارس جونغ الذي رافقه سابقًا في مهمة بلدة ناكداي جين وعندما تم إعادة تشكيل حرس السيد الشاب الثالث أُلحِق هو أيضًا ليكون ضمن حراس إي هيون.
“إن كان وقتك يسمح هل يمكنك الذهاب معي قليلاً نحو ساحة التدريب؟”
“ولماذا نذهب إلى ساحة التدريب؟”
عندما سأله إي هيون باستغراب، أردف الحارس جونغ بملامح يبدو عليها الحرج الشديد
“في الواقع، الحارس مو والحارس جيوك حاليًا──.”
****
نظر جيوك بول هاي بنظراتٍ خاوية كعينَي سمكةٍ ميتة وهو يحدق في الفراغ بشحوب.
‘ثلاث سنواتٍ فقط، وسأغادر هذا المكان.’
كان هذا هو النهج والعقلية التي يتمسك بها جيوك بول هاي
فعلى عكس توقعاته، كان السيد الشاب الثالث بعيداً كل البعد عن الصورة النمطية لأسياد العائلات الكبرى فلم يكن سيداً شحيحًا أو بخيلاً مع مرؤوسيه.
ألم يمنحه مكافأة مخاطر إضافية بشكل منفصل عندما استخرج له معلومات المعسكر الجبلي في إقليم هابوك؟
ناهيك عن أنه يستلم راتبه الشهري في موعده وبانتظام.
أجل، المعاملة والتقدير في حد ذاتهما ليسا سيئين على الإطلاق.
ليسا سيئين، ولكن……
أيعقل لشخصٍ مثله أن يقضي طوال حياته محشوراً في مكانٍ كهذا، يعيش كحارسٍ لا قيمة له؟
لذا، سيكتفي بأداء ما يُطلب منه بالقدر المطلوب فقط.
ويقبض راتبه الذي ينزل شهراً بشهر.
يتحمل ويصمد على هذا المنوال حتى يستكمل ثلاث سنوات ثم يرحل دون أي ندمٍ أو حسرة.
لكن……
‘يا جيوك بول هاي لا تغادر موقعك كما يروق لك! ماذا لو تسلل دخيلٌ في الوقت الذي تغيب فيه دون إعلام أحد؟’
‘إنها مجرد ذهاب سريع إلى بيت الخلاء ألا ترى أنك تبالغ كثيراً؟’
‘ألا يخطر ببالك أن هناك قتله قد يستغلون تلك اللحظة الخاطفة بالذات؟’
كان ذلك الوغد المتزمت المدعو مو وون – أو أيًّا كان اسمه – لا يكتفّ عن التذمر وتوبيخه طوال الوقت ولأدنى سبب
وحينما يحاول الانفراد بنفسه لتناول وجبة طعامه على أمل أن يتنفس قليلاً كان يجرّه جراً من جديد إلى حيث يتجمع بقية الحراس.
وكان يتحجج بأن هذا هو الوقت المناسب ليتجاذب أطراف الحديث مع رفاقه وليألف وجوههم بسرعة! وكأنهم في كتّابٍ للصبية لا في حرس عشيرة!
علاوةً على ذلك، ما بال كل هذه القواعد والأنظمة التي يتوجب عليه حفظها عن ظهر قلب؟
بدايةً من إجراءات استلام السلاح وزي الحرس مروراً بمواقع المقرات وقاعة الأدوية وساحات التدريب وصولاً إلى مواعيد المناوبات وأوقات التدريب بل وحتى التمركز المخصص للحراس عند خروج السيد الشاب الثالث ونقاط التجمع وطرق التواصل عند الطوارئ والمناطق المقتصرة على أصحاب النفوذ داخل عشيرة دانغ.
بل إنه تم تحديد كل شيء بالتفصيل: من الشخص الذي يجب إبلاغه عند الاضطرار لمغادرة موقع الخدمة وإلى من تُرفع التقارير أولاً في حال حدوث أي أمر طارئ للسيد الشاب الثالث.
بالنسبة لجيوك بول هاي الذي عاش سابقًا في أزقة العالم السفلي ثم قضى فترة في طائفة كوي يونغ مون الصغيرة المكونة من عدد ضئيل من الأفراد كانت هذه الحياة الجماعية الصارمة والتنظيم الخانق يبعثان على الاختناق الشديد.
وعلاوة على ذلك، كان ذلك الفتى المدعو مو وون يظهر عدم رضاه وانزعاجه منه بوضوح حتى وهو يشرح له التعليمات الضرورية.
ورغم ذلك، يبدو أنه هو نفسه لم يمر على خدمته للسيد الشاب الثالث سوى فترة قصيرة.
‘يا له من خادمٍ وفيّ ومخلص حقًا.’
فلا بد أنه وُلد كابنٍ ثانٍ لإحدى الطوائف الصغيرة أو المتوسطة ثم انضم إلى حرس عشيرة دانغ.
بمعنى آخر، هذا الفتى هو الآخر مجرد سيد شاب لا يعرف شيئًا عن حقيقة العالم.
ولهذا السبب يتصرف وكأنه مستعد للتضحية بحياته من أجل شخص لم يتعرف عليه إلا منذ فترة قصيرة أليس كذلك؟ الولاء للسيد وما شابه إن جُهال الطوائف الشريفة يميلون دائمًا للركض وراء مثل هذه الأوهام الرومانسية.
على أي حال، كان جيوك بول هاي يعلم طبيعة نفسه جيداً؛ فإذا استمر بالعيش وسط هذا الخناق فمن المؤكد أنه لن يتحمل وسينتهي به المطاف بالفرار.
‘وإذا فعلتُ ذلك، فسوف يأخذ السيد الشاب الثالث ملصق أوصافي ورسم وجهي وينشره في أرجاء تحالف الموريم والدوائر الحكومية…….’
ولأن هذا الأمر تحديداً يجب ألا يحدث بأي شكل من الأشكال، اتخذ جيوك بول هاي قراره.
قرر أن يضع حداً حاسمًا مع ذلك الفتى مو وون وأن يفرضا تراتب السيطرة والأسبقية بينهما بوضوح…….
كَاكَنْغ!
عندما اقترح جوك بول هاي ترتيب السيطرة تحت ذرائع النزال والتبارز أبدى مو وون استغرابه لكنه وافق بسلاسة على غير المتوقع.
وهكذا، كان الاثنان الآن يتقارعان بالسلاسل والسيف الخشبي في ساحة التدريب.
كان ذلك الفتى مو وون سريع الخطوات وحفيف الحركة إلى حدٍ ما.
‘لكنه ليس بسرعتي على أي حال.’
طَخْ─!
“كُحّ! كُحّ!”
ضرب السيف الخشبي الخاص بجيوك بول هاي ظهر مو وون بضراوة وقسوة.
تترنح مو وون لكنه لم يسقط في النهاية.
ربما كان يمتلك حدسًا قتالي شديد، لأنه على الرغم من تخلّفه في السرعة كان يتفادى الضربات في موضع الحسم كل مرة في اللحظة الأخيرة.
ناهيك عن أن قوة تحمله لم تكن طبيعية فربما كان يتناول أعشابًا مقوية أو أن هذه بنيته الأصلية.
على أي حال، وبما أن السيف الخشبي قد أصاب جسده بشكل واضح كان بإمكان جيوك بول هاي اعتبار نفسه فائزًا بالفعل، لكنه كان قد فرض شرطًا بنفسه منذ البداية.
شرط أن الخاسر هو من ينطق بكلمة الهزيمة بنفسه بصريح العباره.
فقط بهذه الطريقة يمكن حسم ترتيب السيطرة والأسبقية بينهما بوضوح.
“ ألا تستسلم عند هذا الحد؟ إن واصلت عنادك فستنتهي بإصابات داخلية مزمنة. ”
لكن مو وون لم يجبه بل اكتفى برفع سيفه الخشبي مجدداً وكأنه لم يسمع تلك الكلمات.
‘ يا له من عنيد صلب. ’
طخ!
“ كُح! ”
كان مو وون قد تعرض للضرب في جميع أنحاء جسده بالفعل.
وبما أن الضربات كانت مشحونة بطاقة داخلية بكامل قوته فمن المؤكد أن جسده تحت الملابس بات مليئًا بالكدمات الداكنة لدرجة أن مجرد الوقوف أصبح عذابًا أليمًا بالنسبة له.
“ اللعنة. ”
لم يكن ينوي قتله حقًا بل كل ما أراده هو كسر شوكته حتى لا يزعجه في المستقبل.
ولكن لرؤيته يصمد ويقف بتلك الصلابة الخارقة بدأ جيوج بول هاي يشعر بالحرج والإرتباك.
“ لماذا تعاند إلى هذا الحد؟ هل تخطط للشكوى إلى القائد بادعاء أنك طريح الفراش بسبب إصابتك أثناء النزال معي؟ ”
استقام مو وون في وقفته مجدداً وقال بنظرات يملؤها الإصرار الحاد:ة
“ …… لأن السيد الشاب قد أمرني بذلك. ”
“ ماذا؟ ”
“ أداءً بواجبي كحارس أسبق أن أعلّمك جيداً لتعتاد على هذا المكان بسرعة. ”
“ ……. ”
“ بصراحة، لا أعلم لماذا اتخذ السيد الشاب شخصًا مثلك حارسًا له ولكن بما أنه شخص ذكي وحكيم فلا بد أن لديه سببًا وجيهًا لذلك وأنا أكتفي بتنفيذ ما أمرني به السيد الصغير بإخلاص. ”
برقت عينا مو وون ببريق صارم وحاد، ثم أردف
“ ولكن إن استسلمت هنا الآن فلن تستمع إلى كلامي أبداً في المستقبل…ولهذا السبب لا يمكنني أن أخسر. ”
في تلك اللحظة، لجم لسانه وانعقدت كلماته وعجز جيوك بول هاي عن الرد.
“ …… آها، هكذا إذن يا له من ولاءٍ مؤثرٍ يبعث على البكاء يا أخي الأكبر. ”
تلك النظرات ليست لنظرات شخص في كامل وعيه وعقله.
ظنه في البداية سيداً ناعمًا لم يذق الشدائد غير أنه اتضح أنه أخطأ التقدير بالكامل.
نظو جيوك بول هاي إلى الفراغ بملامح مذهولة لبرهة ثم ألقى سيفه الخشبي على الأرض بإهمال وكأنه فقد أي رغبة في المواصلة.
طقطقة.
“ لقد خسرت. ”
تضايق مو وون وعقد حاجبيه باستغراب عند سماع ذلك
“ ماذا تفعل؟ ”
“ أمثالك ممن يمتلكون مثل هذه النظرات لن تنكسر شوكتهم حتى لو تكسرت عظامهم ومع ذلك إن ضربتك حتى الموت حقًا فلا أعلم ما الذي سأسمعه من القائد─. ”
“ من الجيد أنك تدرك ذلك. ”
قاطعهما فجأة صوت فتى مما جعل الاثنين يجفلان ويلتفتان بسرعة نحو الصوت.
وفِي الاتجاه الذي نظرت إليه أعينهما كان إي هيون يقف هناك برفقة حراسه.
تنهد إي هيون بقلة حيلة
“ مو وون. ”
“ نـ، نعم، يا سيدي الشاب! ”
“ أنا ممتن لك لسعيك الدؤوب في تنفيذ أوامري لكنني أخبرتك أيضًا أن تستشيرني وتتحدث معي متى ما واجهتك صعوبة أليس كذلك؟ لماذا تتمادى وتتحمل فوق طاقتك إلى هذا الحد؟ ”
“ …… أنا أسف يا سيدي الشاب. ”
انكمش مو وون على نفسه بخجل وخفض رأسه ندمًا وأسفًا
“ لقد كانت هذه أوامرك الأولى التي تصدرها لي بعد عودتك إلى سيتشوان منذ فترة طويلة…… ويبدو أن حماسي قد غلبني دون أن أشعر. ”
“ …… ”.
أمام هذا المنظر الذي يبعث على الشفقة وتأنيب الضمير كيف يمكن للمرء أن يوجه إليه المزيد من التوبيخ؟
نقَر إي هيون بلسانه طقطقةً ثم أومأ برأسه
“ لا داعي للاعتذار اذهب الآن فوراً إلى القاعة الطبية لتتلقى العلاج أولاً وعندما تنتهي تعال إلى مقري. ”
“ حاضر، يا سيدي الشاب. ”
ترنح مو وون في وقفته ثم ضم قبضتيه بقوة محييًا إياه بجهد وغادر ساحة التدريب وهو يعرج بخطوات ثقيلة.
نظر جيوك بول هاي إلى ظهره بملامح مذهولة ومستنكرة.
‘ ما بال هذا الفتى؟ لقد كان يسير بثبات واستقامة حين كنا نتقاتل قبل قليل فلماذا يترنح ويعرج فجأة؟ ’
هل ضربت قدمه ؟
وعندما أدار بصره بطرف عينيه وجد أن نظرات القائد إليه لم تكن طيبة أو مريحة على الإطلاق.
“ اتبعني يا جيوك بول هاي. ”
“ …… نـ، نعم. ”
أرخى جيوك بول هاي كتفيه بخمول وكسل وتبِع إي هيون بخطوات خائرة تمامًا ككلبٍ ارتكب خطًا ويترقب رداً من صاحبه.
وفي هذه الأثناء وما إن ابتعد مو وون إلى مكانٍ لا تطاله أنظار الاثنين حتى اعتدلت مشيته وبدأ يسير بثبات واعتدال وكأنه لم يكن يعرج مطلقاً منذ البداية.
‘ كلب المدارس إن عاش فيها ثلاث سنوات ينطق بالشعر والقصائد. ’
على الرغم من أنه مجرد حارس إلا أن العيش في عشيرة دانغ الكائنة في سيتشوان – حيث تكتظ المكان بالمكائد والدسائس – يورث المرء مهارات هذه المناورات والمكائد السياسية لتسري في دمه بشكل طبيعي.
“ الحارس مو. ”
وعندما التفت وجد الحارس جونغ – الذي ذهب لاستدعاء إي هيون – يقترب منه بملامح يعلوها الذهول والانزعاج
“ يا لك من صديقٍ غبي ومستعد للتضحية! أكل هذا الضرب واللكمات لمجرد أن تظهر بمظهر جيد أمام السيد الشاب؟ كان عليك أن تتصرف باعتدال وتبسط الأمر! ”
“ …… ليس الأمر كما تظن. ”
على الرغم من مرارة الأمر إلا أن كون جيوك بول هاي أقوى منه هي حقيقة لا يمكن إنكارها وحتى لو لم تكن لديه أي نوايا خفية فمن المؤكد أنه كان سيتلقى بضع ضربات على أي حال.
“ كل ما فعلته كان من أجل السيد الشاب فحسب فمع الأسف ذلك الرجل ليس من النوع الذي يستمع إلى نصائحي أو يُذعن لتوبيخي ولكن حين يدرك السيد الشاب بنفسه أن الحارس جيوك يواجه صعوبة في التأقلم مع الحراس فسوف يتكفل بحل الأمر بنفسه وعلى أكمل وجه. ”
“ ألم يكن بإمكانك رفع تقرير وإخباره بذلك منذ البداية؟ ”
“ لقد تلقيتُ أوامر بالفعل بإنعاشه وتعليمه جيداً فكيف لي أن أشتكي وأبدي العجز دون أن أحاول حتى؟ علاوةً على ذلك لم أكن أرغب في التهرب من طلب النزال الذي تقدم به. ”
أمام كلمات مو وون الهادئة والباردة هز الحارس جونغ رأسه يمينًا ويساراً بيأس
“يا إلهي، يا لك من فتىً عنيد ومحتال! ألم أصل إلى غايتك؟ كل ما أردته هو أن تكسب ثقة السيد الشاب وتستعرض أمامه! أثبتّ بحق أنك حارسٌ من عشيرة دانغ يا لك من خبيثٍ لا يُستهان بك. ”
“ …… قلتُ لك ليس الأمر كذلك. ”