319
“…….”
“…….”
رغم أنها مأدبة عائلية، إلا أنه لا توجد كلمة واحدة تُتبادل ونحن لسنا في عصرٍ يحدق فيه كل فرد في هاتفه الذكي على أي حال……
واصل دانغ هوي طعامه بهدوء ولا مبالاة ولكن لسببٍ ما بدا دانغ تاي يول متوتراً على نحوٍ غريب وكان من الواضح للعيان أنه يجد صعوبة في التعامل مع دانغ تشونهوا ويرتابه الشعور بالرهبة منه.
وبالنظر إلى هذا الانقباض يبدو أن دانغ تشونهوا لم يكن أبًع ودوداً أو عطوفًا بالنسبة لهما أيضًا
وبالفعل، لو فكرت في الأمر لوجدتَ أن دانغ هوي ودانغ تاي يول كانا يخاطبان دانغ تشونهوا بسيد العشيرة أيضًا
ومن ناحية أخرى، كان دانغ تشونهوا يحافظ على ملامحه وهيبته المعتادة.
وهذا يعني أن وجهه كان جامداً وبارداً كالجليد يعجز المرء عن تكهّن ما يدور في خلده.
‘سأصاب بعسر هضم حتمًا…….’
أليست خسارةً فادحة أن تتناول هذه الأطباق الشهية وسط هذه الأجواء الخانقة؟
بل وشعرتُ بأن هذا يُعد قلة احترام للطهاة الذين بذلوا قصارى جهدهم في إعدادها.
وأدرك إي هيون أنه الشخص الوحيد القادر على كسر جمود هذه الطاولة الصامتة……
‘قد يكون من الجيد استكمال الحديث الذي بدأناه سابقًا.’
ولكن راوده شعورٌ بأن هذا لن يكون الخيار الصائب.
لذا أشار إي هيون إلى أحد الأطباق عشوائيًا وحاول فتح حديثٍ ودّي جانبي
“إخوتي ما اسم هذا الطبق؟ إن طعمه لذيذ بحق.”
وعند سماع تلك الكلمات تجمدت حركة دانغ تشونهوا ودانغ هوي ودانغ تاي يول في وقتٍ واحد لسببٍ ما.
“هل…… هل تذوقت هذا للتو لأول مرة في حياتك؟”
“ألم يطهوه لك طاهي مقرّك الخاص من قبل……؟”
“…….”
تحدث دانغ تاي يول ودانغ هوي بذهول وعدم تصديق بينما تجهم وجه دانغ تشونهوا وازداد قسوةً وجموداً.
‘ل،اللعنة.’
يبدو أن الطبق الذي أشرتُ إليه ظانًا أنه من الأطباق الفاخرة النادرة كان وجبةً مألوفة وشائعة للغاية في عشيرة دانغ.
إلى حدّ جعل قولي بأنني أتذوقه للمرة الأولى يبدو غريبًا ومستنكراً في أعينهم.
‘لكنني لستُ من أهل سيتشوان في الأصل! من الطبيعي ألا أعرفه!’
فبعد أن استيقظتُ في هذا العالم لم تمضِ سوى أيام معدودة حتى غادرتُ نحو منطقة هابوك ولم ينقضِ على عودتي سوى ثلاثة أيام فقط.
ولذا كان جليًا وطبيعيًا جداً ألا يعرف إي هيون الكثير من أطباق سيتشوان.
ولكن لأن أولئك الثلاثة لا علم لهم بتلك الظروف خيمت على وجوههم ظلالٌ قاتمة وثقيلة لسبب ما.
“…….”
“…….”
“هاها، هـ، هذا…… آه، هذا الطبق لذيذ جداً أيضًا! تفضلا يا إخوتي وتذوقا منه.”
“…….”
وعندما رأى إي هيون أن الثلاثة قد توقفوا حتى عن تحريك عيدان تناول الطعام أطرق بنظره نحو الأفق لبرهة.
‘……من الأفضل أن أعود إلى الحديث عن العمل مجدداً.’
طوى إي هيون صفحة الحديث الجانبي وعاد إلى أصل الموضوع.
وما إن استأنف الحديث عن سُبل القبض على المتسلل إلى الخزينة حتى تلاشى التوتر والغربة في لحظات واستمع الثلاثة إليه بجدية واهتمام بالغين.
‘اللعنة يا لكم من مهووسي عمل!’
على أي حال، كانت الخطة التي شرحها إي هيون على النحو التالي
أولاً، سننصب الفخاخ والكمائن داخل الممر السري.
فكما قال دانغ تاي يول لا يمكننا ترك الممر السري مهجوراً دون أي تدابير احترازية.
“ولكن، لا داعي لإجراء أعمال التعديل والتجهيز سرّاً بل إن إنجازها علنًا وبشكل مكشوف سيكون الخيار الأفضل.”
“علنًا؟ أيعني هذا أنك ستتخلى عن خطة استدراج الخصم بالطُّعم؟”
“كلا.”
ارتسمت على شفتي إي هيون ابتسامةٌ تشوبها خبثٌ ودهاء.
“لو تحركنا سرّاً بخفاء فسيجزمون بأننا اكتشفنا أمر الممر السرير أما إذا أجرَينا أعمال صيانة وإصلاح علنية ومكشوفة تحت ذريعةٍ منطقية فسيتخبط الخصم في حيرته وسيتساءل في توجس: هل انكشف أمرنا؟ أم لا زلنا في أمان؟”
تمتم دانغ هوي بنبرة إدراك وهزّ إي هيون رأسه موافقًا
“بالفعل ، بهذه الطريقة سنلجم تحركات الخصم مع جعل من الصعب عليه التكهن بما إذا كنا قد علمنا بوجود الممر السري أم لا.”
تابع إي هيون
“بما أن موسم الأمطار قد انقضى للتو فلن يبدو القيام بأعمال ترميم وصيانة للقصر أمراً مريبًا لذا يُفضل أن تبدأوا بإجراء أعمال الصيانة الفعلية فوراً.”
قال دانغ تشونهوا
“رئيس مجلس الشيوخ رجلٌ شديد الشك والتوجس وإذا تصرفنا كما اقترحتَ فسيؤثر الانتظار ومراقبة الوضع ولن يغامر بالتحرك فوراً ولكن بالمقابل، أظنه لن يفكر في استخدام ذلك الممر السري مجدداً ألا يعني هذا أن خطة الاستدراج بالطُّعم ستغدو بلا فائدة؟”
“لو توقفنا عند هذا الحدّ فقط لكان الأمر كذلك ولهذا السبب بالتحديد……”
التقط إي هيون قطعة مكعبة من التوفو بعيدان تناول الطعام
“سنلقي لهم بطُعمٍ جديد.”
“……طُعم جديد؟”
***
وهكذا وانقضت المأدبة مع دانغ تشونهوا، ليحلّ اليوم التالي.
كان إي هيون مستلقيًا على كرسي اللوتس (نوهان سانغ)؛ يقلّب صفحات كتاب التشكيلات والصفوف القتالية الخاص بجيغال دان
ولأن العنوان المكتوب على الغلاف كان سيوقعه في موقفٍ في غاية الحرج لو رآه شخصٌ آخر فقد طلب من كبير الخدم استبدال الغلاف بآخر عاديّ وبسيط.
وبذلك، تحولت المخطوطات السرية التي تركتخا جيغال دان إلى عناوين عادية ومألوفة من قبيل و.
وللمعرفة، فإن الكتاب الذي بين يدي إي هيون الآن كان يحمل في الأصل عنوان ، ليتحول الآن إلى .
صفير الصفحات.
يُقال عادةً إن العباقرة يجدون صعوبةً في شرح المفاهيم للآخرين غير أن كتاب التشكيلات الذي تركتخا جيغال دان كان سهلاً ويُسِر الفهم حتى بالنسبة لإي هيون الذي يخوض أولى خطواته في هذا المجال.
كما احتوى الكتاب على شرحٍ مفصل لقواعد وعناصر الطبيعة الخمسة مما جعله يتقاطع ويتصل بأساليب التأمل والتدفق الداخلي التي يتدرب عليها إي هيون حاليًا
وبينما كان مستغرقًا في القراءة والاطلاع……
“سيدي الصغير.”
أتى صوت كبير الخدم من خلف الباب.
“لقد وصلت رسالة.”
“ادخل.”
سرعان ما دخل كبير الخدم إلى المخدع حاملاً صينية خشبية صغيرة في يده وقد وُضِعَت عليها مظروفٌ مصنوعٌ من ورقٍ سميك وفاخر.
“تفضل سيدي.”
“شكراً لك.”
التقط إي هيون المظروف وقلّبه لسرد الجانب الخلفي منه وعلى ظهره، كان يربض ختم "تشون-هيانغ-رو-جيو"، رئيسة فرع نقابة "هاؤ-مون" في مدينة ووهان.
التقط إي هيون المظروف وقلّبه ليفحص جانبه الخلفي؛ وعلى ظهره كان يربض ختم تشون هيانغ رو رئيس فرع نقابة هاو مون في مدينة ووهان.
‘يبدو أن نتائج التحقيق قد ظهرت أخيراً.’
عندما كان إي هيون في ووهان أنقذ حياة السيد الشاب لنقابة هاو مون وحصل مقابل ذلك على لوحة حمراء تتيح له تقديم طلبات وتحقيقات مجانية للنقابة.
وكانت هذه الرسالة هي نتيجة الطلب الذي قدّمه في ذلك الوقت.
وبينما فتح المظروف وأخرج الرسالة ليقرأ ما فيها كان الثعلب ذو الذيلين (سانغ مي هو) يتجول حول قدميه ويسترق النظر بفضول.
وبعد أن راجع إي هيون الفحوى، طوى الرسالة مجدداً
“يا كبير الخدم أرسل أحداً إلى أخي تاي يول واستفسر منه عن الوقت الذي يفرغ فيه لنلتقي.”
“حاضر سيدي.”
ما إن غادر كبير الخدم الغرفة، حتى بدأ إي هيون في تفعيل وتدوير أسلوب الطاقة الداخلية الخاص بالعناصر الخمسة معيداً استحضار واسترجاع ما دوّنته والدته جيغال دان في كتاب التشكيلات والصفوف القتالية.
فليس من شيمه أن يتكاسل أو يدع الوقت يضيع لمجرد أنه يعاني من التعب؛ لذا كان يواظب على تدريب أسلوب التأمل والتدفق الداخلي يوميًا
‘لو تحسنت حالتي الجسدية قليلاً لاستطعتُ خوض تدريباتٍ أخرى أيضًا.’
ورغم تلقيه الرعاية والعلاج في جناح الطب الداخلي بعشيرة دانغ إلا أن وعكته الجسدية هذه لم تطرأ عليها أي علامات تحسن.
‘هل يعني هذا أن هذه الوعكة لن تزول وتنجلي إلا بعد زوال تلك الحالة الغريبة الناجمة عن مان غيوب ريون……؟’
وبعد أن أتمّ دورة تدفق كاملة للطاقة الداخلية وفتح عينيه
“أوه.”
كان دانغ تاي يول يجلس أمام الطاولة في المنتصف.
“أخي، متى أتيت؟”
“لتوّي.”
“ظننتُ أنك مشغولٌ للغاية لكني ممتنٌ لمجيئك فوراً.”
“وماذا في ذلك؟ ألديك اعتراض؟”
“آه، وكيف لي أن أعترض؟”
لقد كان ينوي الذهاب إليه بنفسه عندما يفرغ من عمله لذا كان مجيئه السريع هذا أمراً يستدعي الشكر والامتنان بالنسبة لإي هيون.
“يا كبير الخدم، جهّز لنا بعض الشاي من فضلك.”
“حاضر، سيدي الصغير.”
سرعان ما عاد كبير الخدم ووضع شاي العناب الدافيء والمنعش على الطاولة.
ارتشف دانغ تاي يول رشفه من الشاي وهو يجلس بجلسةٍ مائلة متراخية
“إذن؟ لأي أمرٍ استدعيتني؟”
“لقد ظهرت نتائج التحقيق من نقابة هاو مون بخصوص الطلب الذي قدمته لمعرفة مكان وجود تلميذ لطبيب الارواح”
عند سماع ذلك، رفع دانغ تاي يول حاجبيه باستغراب
“أحقًا ما تقول؟”
“أجل ك وفي الحقيقة لم أتوقع أنا نفسي أن يعثروا عليه بهذه السرعة.”
“هكذا إذن وماذا بعد؟ هل تنوي الذهاب للقاء تلميذ طبيب الارواح بنفسك كما ذكرتَ في المرة السابقة؟”
جالت نظرات دانغ تاي يول بقلة اهتمام عبر إي هيون من رأسه حتى أخمص قدميه.
وكأن لسان حاله يقول
‘بهذه الهيئة وهذا الجسد المنهك؟’
“……كنتُ أنوي فعل ذلك في الأصل ولكن يبدو أن خروجي في رحلة طويلة بهذا الجسد لن يجلب سوى العرقلة والمتاعب.”
“ جيدٌ أنك تدرك ذلك.”
“ولكن لا يمكننا المماطلة وتأجيل الأمر أكثر من ذلك، فحياة السيد الشاب مو يونغ على المحك.”
بالنظر إلى المسافة، فلربما لم يصل مو يونغ غون إلى مقره الرئيسي بعد لكن لم يعد يفصله عن الوصول سوى القليل.
‘وما إن يعود إلى المقره الرئيسي حتى يُحقَّق معه ويُسأل عن حادثة جمعية التنين .’
ولكن طالما تصرف مو يونغ وفقًا لنصيحة إي هيون فلن يقدِم سيد العشيرة على قتله فوراً ومع ذلك يظل الإسراع بالأمر هو الخيار الأفضل.
“ولذا، أودّ أن أطلب منك يا أخي أن تتولى مهمة الذهاب للقاء تلميذ طبيب الاروح ”
“أهكذا إذن؟ وهل سيطيب لك نومٌ بعد إرسال شخصٍ مثلي لتولي مهمة إقناع أحدهم؟”
سخر دانغ تاي يول مستشهداً بالكلمات التي قالها بانغ سوول سابقًا فابتسم إي هيون ابتسامة مريرة
“أنا على يقينٍ بأنك ستؤدي الأمر على أتم وجه يا أخي.”
“وعلامَ تبني ثقتك هذه؟”
“لأنك تتولى مراراً وتكراراً مهمة التحدث بلسان أولئك الذين ينتمون إلى التيارات غير الرئيسية والدفاع عنهم ففي النهاية، إن فصيل السيد الشاب قد قام بالأساس على تجمع أمثال أولئك الأشخاص.”
“…….”
كان من المتوقع أن يطلق دانغ تاي يول تهكمًا أو تعليقًا ينطوي على ازدراء الذات لكنه لم يفعل.
ربما لأنه أدرك أن القول بغير ذلك لن يؤدي إلا إلى التقليل من شأن أولئك الذين يقفون خلفه ويدعمونه.
“……ألم تقل إن تلميذ طبيب الارواج هذا لا يمتلك أي موهبة في الفنون القتالية لدرجة أنه يعجز حتى عن فحص ونقل الطاقة الداخلية ؟ ألا يساورك القلق من أن يرى شخصًا مثلي فيستشعر المهانة أو ينفر مني؟”
“وبما أنك مدركٌ لهذه النقطة بالفعل، فأنا على ثقةٍ تامة بأنك ستتعامل مع الأمر بأفضل طريقة ممكنة.”
“…….”
شخص دانغ تاي يول ببصره بعيداً وغرق في التفكير لبرهة وسرعان ما أطلق تنهيدةً طويلة ثم نهض من مقعده.
“ليس الآن على أي حال؛ فبعد عودتي القريبة تتراكم عليّ أعمالٌ كثيرة يتوجب عليّ إنهاؤها.”
“بالتأكيد، أتمنى منك الاهتمام بالأمر عندما يتوفر لديك الوقت الكافي.”
“……همف.”
وما إن همّ دانغ تاي يول بالتحرك نحو الباب
طق ، طق.
تردد صوت نقر خفيف عند إطار النافذة وعند التفات الأبصار نحو الصوت كان هناك صقرٌ أبيض ناصع ينقر على خشبة النافذة بمنقاره بكل أدبٍ ووقار.
“صقر زاجل خاص بعشيرة بانغ؟”
تمتم دانغ تاي يول وهو يعقد حاجبيه بينما سارع إي هيون إلى فتح النافذة.
وما إن فُتحت النافذة حتى دخل الصقر الأبيض الناصع إلى الغرفة دون تردد وحطّ على كتف إي هيون بألفةٍ واعتياد.
وعندما اتجه دانغ تاي يول نحو الباب بملامح لا تبالي، بادر إي هيون بالقول سريعًا
“رافقتك السلامة يا أخي!”
وبعد أن غادر دانغ تاي يول الغرفة دون أن يردّ، حلّ إي هيون أنبوبًا خشبيًز صغيراً كان معلقًا بساق الصقر الأبيض.
ولمزيدٍ من التأكد ألقى نظرةً على الأنبوب الخشبي فوجد اسمًا مكتوبًا عليه: إي هيون
لم يكن المكتوب دانغ سا هيون ولا السيد الشاب الثالث بل كان صريحًا: إي هيون
“…….”
ساور إي هيون بعض التوتر وهو يفتح غطاء الأنبوب الخشبي ليستخرج منه الرسالة المطوية.
فطالما استدعى الأمر استخدام صقر زاجل من الحيوانات الروحية المقرّبة ، فلا بد أن الأمر يتعلق بإنباءٍ هامة وعاجل.
غير أن……
“……ما هذا؟”
—أنا في طريقي إليك الآن ، بانغ سوول.
عندما فتح الرسالة وقرأها لم يجد سوى هذا السطر اليتيم.
‘أترسل طيراً روحيًا نادراً وكأنك تبعث برسالة نصية قصيرة……؟’
**
1) كرسي اللوتس (نوهان سانغ / 羅漢床): أريكة خشبية طويلة مزودة بحواجز جانبية وخلفية، تُستخدم للاستراحة القيلولة أو استقبال الضيوف.
