315
طريقٌ مظلمٌ ليلي بالقرب من قاعة المأدبة.
سأل مو وون الذي كان يسير بجانب إي هيون سيده بنبرةٍ حذرة
“سيدي الشاب، ألا يجدر بي أن أحملك على ظهري؟”
“……لا بأس.”
“ولكنك ترنحتَ قليلاً قبل لحظات.”
“تبًا…… ماذا لو رآني أحدهم وأنا أُحمَل على الظهر لمجرد تجرعي كأسًا واحدةً من الخمر؟ سيظنون أنني ما زلتُ ضعيفًا وهزيلاً.”
“ولكن كونك ضعيفًا يا سيدي ليس سوى حقيقةٍ وليست سوى سوء فهم أليس كذلك؟”
“…….”
هذا الفتى مو وون يجرح المرء بكلماته بطريقةٍ خفية دون أن يشعر……
ولكن إن فكرتُ في الأمر، فلا يُلام مو وون على هذا الظن؛ إذ إن آخر صورةٍ رأى فيها سيده قبل مغادرة سيتشوان كانت صورة مريضٍ استيقظ لتوه من فراش المرض.
فضلاً عن أنه منذ عودته هذه المرة لم يرَ منه سوى جسدٍ يئنّ من الحمى والإعياء.
'من وجهة نظره يبدو له أن لم يتغير شيئًا فيّ منذ أن غادرت سيتشوان وحتى الآن.'
كان الأمر ينطوي على قدرٍ من الغبن بالنسبة لإي هيون فقد تدرب بجدٍ طوال بضعة أشهر……
وفي تلك اللحظة بالذات زلت قدم إي هيون ليتهاوى ومترنحًا بشدة.
“آه، سيدي الشاب!”
وفي اللحظة التي مد فيها مو وون المذعور ذراعه لا إراديًا ليمسك به ويسنده.
فووووه!
اقترب حضورٌ مفاجئٌ من قلب العتمة بغتة.
قبَض مو وون على مقبض سيفه بدافع غريزي غير أنه سرعان ما أطلق زفيراً قصيراً.
“أيها الفتى الثالث لماذا تتخبط في خطاك هكذا؟”
إذ لم يكن الشخصان اللذان ظهرا سوى شقيقي السيد الشاب الثالث ولو كان الوضع في السابق لكان الأمر مختلفًا أما الآن فهما ليسا عدوين لسيده.
“هاها، لقد دعاني أحدهم لتجرع كأس خمر…… ويبدو أنها كانت أشد تركيزاً مما توقعت.”
“خمر؟”
وفي تلك اللحظة هبط رداءٌ فضفاضٌ كبير فوق رأس إي هيون بغتة.
لقد خلع دانغ هوي عباءته الخارجية وألقاها عليه كي يغطيه ويخفيه عن الأنظار.
وعلى هذا النحو حمل أخاه الأصغر على ظهره بسلاسةٍ وطبيعية وبدأ يسير باتجاه مقره لتعتلي ملامح إي هيون حيرةٌ وذهول.
'……هل سمعني وأنا أقول إنني لا أريد أن أبدو ضعيفًا؟'
ودون أن يجرؤ حتى على مطالبته بإنزاله همس إي هيون بصوتٍ خافت
“……شكراً لك يا أخي.”
“أجل.”
****
ما إن حُمل إي هيون على ظهر دانغ هوي حتى استرخى جسده تمامًا وكأنه غطّ في إغماءةٍ مفاجئة.
'مع أن ملامح وجهه كانت تبدو متماسكة وطبيعية تمامًا قبل قليل.'
لا شك أن حالته الجسدية كانت أسوأ بكثير مما بدا عليه.
وفور وصولهم إلى مقره أسرع كبير الخدم والجواري لتبديل ملابس إي هيون وإضجاعه على الفراش.
وسواء كان السبب هو أثر الخمر أو اشتداد الحمى عليه فإن دانغ تاي يول حين وضع ظهر يده على جبهة أخيه الثالث وجدها تتقد حرارةً من جديد.
'من المستحيل أن ينهار جسد هذا الفتى إلى هذا الحد بسبب خمرٍ عادي... أيعقل أنها ذلك الخمر إذن؟'
نقر دانغ تاي يول بلسانه وهو يسحب يده
"تبًا كيف تجرؤ على تجرع خمرة مثل تشي ريونغ جو وأنت في هذه الحالة الجسدية السيئة ؟"
"أليس فتىً ذكيًا ونبيهًا ؟ لا بد أن أحدهم قد قدمها له بأسلوبٍ يعسر عليه رفضه."
"……."
في الأصل، كان من المستحيل أن يجرؤ أحد أتباع دانغ هوي أو دانغ تاي يول على الاقتراب من الفتى الثالث أو إيذائه اليوم؛ فقد شهد الجميع كيف يعتني الشقيقان بأخيهما الأصغر.
إذن، لا بد أنها مكيدةٌ من طرفٍ آخر أراد إحراجه وتلطيخ هيبته تحت ستار اللياقة والمودّة.
كجماعة دانغ جايل آك مثلاً.
فالجميع يعلم أن دانغ هوي يمكنه تجرع بضع كؤوسٍ من تشي ريونغ جو دون أن يغلبه السُّكر لذا يجرؤ البعض على تقديمه له في المآدب.
ومن هذا المنطلق، فإن تقديمها بغتةً أمام الحشد لفتىً أصغر سنًا لم تتسنى له فرصة تجربة مثل هذه الخمور القوية يُعد تصرفًا ينضح بالضغينة والخبث.
ولأنها ليست سمًا بل مجرد كأس خمر فمن الصعب اتخاذها ذريعةً لمُحاسبتهم أو الإمساك بخللٍ عليهم.
وفي اللحظة التي سرت برودةٌ قارسة في حدقتي دانغ تاي يول
"أُوغ……."
أصدر إي هيون أنينًا خافتًا وفتح عينيه بمشقة.
فأنحنى دانغ هوي نحو جهته وسأله
"هل استرددت وعيك؟"
"……أجل……."
"لا تدعه يتكلم سأغرز الإبر الآن."
" حسنًا"
وفيمَ كان دانغ تاي يول يعالجه بالوخز بالإبر غرق إي هيون في النوم مجدداً.
ومع مرور بعض الوقت، استلّ الإبر المغروزة وأصلح ثياب العلاج.
وفي تلك اللحظة فتح إي هيون جفنيه ببطء وثبّت نظراته الشاخصة في الفراغ لبرهة ثم غمغم بصوتٍ خافت كأنه ينطفئ
"……لماذا تعاملانني بكل هذا اللطف؟"
"ماذا؟"
توقف دانغ تاي يول عن إعطاء الإبر وحفظها في جرابه ثم رد عليه باستنكارٍ وذهول.
غير أن إي هيون لم يكترث لردة فعله وواصل التمتمة بصوتٍ ثملٍ
"……ماذا أفعل…… هذا يربكني."
"هذا الأحمق قد ثمل تمامًا."
"أجل ، أليست خمر تشي ريونغ جو خمرةً شديدة القوة والتركيز ؟ وهي خمرةٌ لا تُمتص آثار سُكرها عبر نواة السم' لذا فمن الطبيعي أن يُصاب بهذا."
"أيُّها الشقيقان……."
"ماذا هناك أيضًا؟"
"……."
أغلق إي هيون عينيه ووجهه يتوهج حمرةً من أثر الحمى وحين ظنا أنه غطّ في النوم تحركت شفتاه اليابستان مجدداً
"لو أصبحتُ يومًا ما…… شخصًا بارداً فجأة…… ألا يمكنكما الاستمرار في معاملتي بكل هذا اللطف؟"
جفل دانغ تاي يول للوهلة الأولى ثم تصلبت ملامحه وقال بقسوة
"……ما الذي تعنيه بهذا الكلام؟"
"فقط……."
"……."
"ربما في المستقبل…… قد أفقد ذكرياتي مجدداً فجأة……."
"ما هذا الهراء المتشائم الذي تتقيأ به؟"
"هاهاها…… على أية حال…… أرجو أن تعاملوا نسختي تلك…… بكل لطفٍ أيضًا……."
تضاءل صوته الخافت شيئًا فشيئًا حتى تلاشى تمامًا ليستغرق إي هيون في نومٍ عميق.
وساد الغرفة صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المنتظمة.
"……هذا اللعين الشقي تبًا لهذيان سُكره الذي يبعث علي الريبة والضيق."
"……."
"لا يتجرع أحدكما خمر تشي ريونغ جو أمامي بعد اليوم أهذا مفهوم؟"
"ولماذا تدرجني أنا أيضًا……."
"اللعنة."
" حسنًا فهمت."
حين زاغ بصَر دانغ هوي بعيداً يتقي نظرات أخيه الحادة زفر دانغ تاي يول تنهيدةً عميقة
"عُد أنت يا أخي فلا بد أن يبقى أحدنا في قاعة المأدبة لإنهاء الأمور وتنظيمها أليس كذلك؟"
"……أجل اترك أمر المأدبة عليّ وابْقَ أنت هنا لترعى الفتى الثالث وتراقبه."
" حسنًا."
***
كم مضى من الوقت على هذه الحال يا ترى؟
"آه!"
في هزيع الليل الأخير، فزع إي هيون واستيقظ مذعوراً من نومه.
كان قلبه يخفق بشدة وكأنه يقرع في صدغيه والعرق البارد يتصبب منه بغزارة.
كان الظلام حالكًا في المكان من حوله مما أربك حواسه؛ فلم يعد يعلم أكان مجيء بانغ سوول ليه مجرد وهمٍ وطيفٍ وخيال، أم كان واقعًا حقيقيًا
ولا أين يجد نفسه في هذه اللحظة.
وفيمَ خالجه شعورٌ ضاغطٌ يوشك أن يقطع أنفاسه هاجمه عطشٌ حادٌّ لاهبٌ كاد أن يحرق حنجرته الناشفة.
وفي تلك اللحظة، خرق صوتٌ خفيضٌ حجب السكون والهدوء
"ما الخطب؟ لماذا أنت هكذا؟"
"……أخي؟"
جفل إي هيون وأخرج صوتًا مبحوحًا ليتراءى له في قلب العتمة شخصٌ يتقدم نحو الفراش.
ولم يكن ذلك الشخص الذي تجلت ملامحه تحت ضوء القمر الخافت سوى دانغ تاي يول.
"هل تريد بعض الماء؟"
"آه، أجل……."
أومأ إي هيون برأسه كمن فقد صوابه فتناول دانغ تاي يول الإبريق من على الطاولة الصغرى المجاورة للفراش وسكب الماء في كأسٍ فارغ ثم قدمها له.
تناول إي هيون الكأس بفرائص ترتعد وشربها دفعةً واحدة.
ولعل الماء لم يمر عليه وقتٌ طويل منذ سُكب فقد انساب في حنجرته اليابسة ببرودةٍ منعشة أثلجت صدره.
وما إن انحسر عنه العطش حتى عادت رؤيته لما حوله واضحة أخيراً إنه مقره الخاص.
أطلق إي هيون تنهيدةً طويلة وطرف بعينيه ببطء
"لماذا تتواجد في مقر نومي يا أخي……؟"
"……ماذا ألا يعجبك وجودي هنا؟"
"لا، ليس الأمر كذلك……."
"هذا الفتى! بعد أن توسلتَ إليّ قبل قليل لكي أعاملك بلطف تقول هذا الآن؟"
"ماذا؟"
نقر دانغ تاي يول بلسانه واستلّ الكأس الفارغ من يد إي هيون ليضعها جانبًا على الطاولة.
"كُفّ عن ثرثرة الكلام الفارغ وعُد إلى النوم."
"……حسنًا."
وما إن استلقى إي هيون بطاعةٍ على الفراش مجدداً حتى التقط دانغ تاي يول المنشفة التي سقطت فوق الغطاء.
وعصرها جيداً بعد أن غمسها في وعاء الماء البارد القريب ثم وضعها مجدداً فوق جبهته.
وعلى عكس نبرته الجافة والحادة كانت لمسات حركته تنضح ببالغ الحرص والعناية.
"……شكراً لك يا أخي."
ومع الملمس البارد الذي يلامس جبهته والحضور الشاخص بجانبه لحمايته غمرته موجةٌ غريبة من الطمأنينة والأمان.
وسرعان ما أخذ إي هيون يرسل أنفاسًا هادئة متزنة ليغرق في نومٍ عميقٍ من جديد.
***
[قاعة مان غيوب ريون مغلقة مؤقتًا.]
[لا يمكن دخول قاعة المان غيوب ريون في الوقت الحالي.]
“…….”
شخص إي هيون بعينين مذهولتين نحو الحروف التي طفت على سطح اللفافة الورقية.
وما إن استعاد وعيه وتماسك قليلاً حتى ولج فوراً إلى عالم المانغ ريانغ عبر الميدالية الخشبية؛ إذ راودته شكوكٌ بأن طفح الحمى والإعياء الذي يعانيه الآن قد يكون ناتجًع عن قاعة المان غيوب ريون
'صحيحٌ أن عالم المانغ ريانغ لم يسبق له أن أثّر على جسدي في الواقع من قبل……'
غير أن المرة الأخيرة شهدت عدة ظروفٍ استثنائية لم تحدث سابقًا
أولاً: نجح لأول مرة في هزيمة حارس الطابق.
ثانيًا: خاض تجربةً طويلة في عالمٍ آخر بصفته تشون إي
ثالثًا: فور هزيمته لحارس الطابق ظهرت على اللفافة نصيحةٌ غريبة وغير معتادة
[تشتكي الأرواح الشريرة من ضوابط الرهان غير المنصفة.]
[جاري البحث عن طريقةٍ جديدة لقمع الأرواح الشريرة……]
ظهرت مثل تلك الإرشادات.
لو كان لعالم المانغ ريانغ تأثيرٌ مباشرٌ على جسده في الواقع فمن الضروري أن يفهم طبيعة هذا التأثير؛ غير أن توقّف المكان وشلله الحالي—وكأنه في حالة صيانة—منعه من التقصي والتحقق.
على أنه، حتى لو كانت القاعة مفتوحةً كالمعتاد فلن يتسنى له الذهاب بمفرده إلى الطابق الثاني بهذا الجسد المنهك؛ إذ إن حالته الجسدية في عالم المانغ ريانغ لم تختلف قيد أنملة عن وضعه في الواقع.
التفت إي هيون بملامح حائرة ووجه سؤاله إلى الثعلب ذي الذيلين الذي يحوم حوله
“أيها الثعلب ذو الذيلين، ألا تعرف شيئًا عن هذا؟”
“كيانغ!”
أطلق الكائن عواءً مبهجًا وأمال رأسه بتساؤل.
“هممم…….”
في واقع الأمر، حتى لو كان يعلم شيئًا فكيف له أن يخبره؟ فهو لا يتقن لغة البشر.
ورغم ذلك، واصل إي هيون الربت على الثعلب الصغير بمودة، ثم أردف بسؤالٍ آخر
“ولكن، ألا يمكنك العودة إلى شكل الثعلب في العالم الواقعي مجدداً؟ إن تركك هنا بمفردك طوال الوقت يزعج خاطري.”
“كِيينغ؟”
“……هممم.”
'ترَى لو احتضنتُه حين عودتي، هل يتسنّى لنا الخروج معًا؟'
ولمّا ساوره ذاك الاحتمال سارع إي هيون باختباره على الفور.
وما إن فتح عينيه فوق فراشه في العالم الواقعي……
"كوروروك؟"
حتى قفز الثعلب الصغير الذي كان بين أحضانه من فوق الغطاء هابطًا إلى الأرض.
"الثعلب ذو الذيلين!"
تهلل وجه إي هيون فرحًا وهو يناديه فدنَا منه الثعلب الصغير مجدداً محركاً ذيليه بلطف.
"ياللراحة ولكن أيمكنك إخفاء أحد ذيليك تحسبًا لأي طارئ؟"
"كيانغ!"
تنفس إي هيون بارتياح حين اندمج الذيلان بسلاسة ليعودا ذيلاً واحداً كما في السابق.
وعلى الرغم من الطلب المفاجئ بإعداد طعامٍ لثعلب لم يبدُ على رئيس الخدم أي ارتباك بل أحضر اللحم على الفور.
تَشاب-تشاب-تشاب-تشاب!
وهو يراقب الثعلب ذا الذيلين يلتهم اللحم بشهية تذكر فجأة المانغ ريانغ فقد كان ذاك الكائن يفزع ويشمئز أشد الفزع من اللحم النيئ.
أظلمت ملامح إي هيون لبرهة ثم هز رأسه خفيفًا ليطرد تلك الأفكار من ذهنه إذ يجب عليه التركيز على حل المشكلات الراهنة بدلاً من الاستغراق في أمورٍ لا حيلة له فيها.
'رغم أن حالتي الجسدية ليست على ما يرام إلا أن الأمر لا يهم كثيراً في الوقت الحالي.'
فمن حسن الحظ أنه ليس في موقفٍ يتطلب منه الفرار والهرب من الأعداء هنا وهناك.
وبما أن قاعة مان غيوب ريون بهذه الحالة فلا يبدو أنها ستسند إليه مهامًا جديدة لبعض الوقت.
'إذاً…… لنبدأ أولاً بالتعامل مع مسألة الخزينة.'
وعندما طلب من رئيس الخدم أن يستدعي أخويه
أتى دانغ هوي ودانغ تاي يول إلى مقر إقامته في زمنٍ قياسي لم يكن متوقعًا
'ظننتُ أنني سأنتظر يومًا كاملاً على الأقل.'
فقد مرّ وقتٌ طويل منذ عودتهما إلى المقر الرئيسي ولا بد أن المهام قد تراكمت أمامهما كالجبال.
رمق دانغ تاي يول أخاه دانغ هوي—الذي وصل قبله—بنظرة حادة
"ألا تملك ما يشغلك يا أخي؟ تسرع بالقدوم إلى هنا في وضح النهار هكذا."
"صادف أن توفّر لي بعض الوقت."
"آه، حقًا؟ أليس السبب هو أن هذا الفتى قرر دعمك فتخليت عن كل شيء وجئت هرولة؟"
دعم؟ مَن؟ أنا؟ أأدعم دانغ هوي؟
ما هذا الكلام بحق الجحيم ؟
وحين حدق إي هيون أخاه دانغ هوي بنظراتٍ حائرة لا يفهم شيئًا ، بدا عليه الارتباك
"……ليس الأمر كذلك."