313
وفي مساء اليوم التالي.
توجه إي هيون برفقة مو وون نحو قاعة المآدب في القلعة الداخلية.
حين رأى مو وون شحوب وجه إي هيون، تحدث إليه بنبرة قلقة
"سيدي الشاب، هل أنت بخير؟ إنك تبدو شاحب للغاية."
"أجل، أنا بخير……."
على الرغم من أن حالته الجسدية لم تكن على ما يرام، إلا أن التخلف عن مناسبةٍ تحتفل بالعودة الآمنة للأسياد الثلاثة لم يكن ليعطي انطباعًا جيداً.
ألم يكن دانغ سا هيون بالأساس طريح الفراش دون حراك أو وعي لعامين كاملين؟
والآن، لم يعُد عيشه متواريًا كالفأر الميت مجديًا للبقاء على قيد الحياة بل كان عليه أن يثبت وجوده في مثل هذه المحافل.
'فقد حان الوقت لأتحول من شخصٍ لا يستحق القتل إلى شخصٍ يصعب قتله'
عند وصولهما بالقرب من قاعة المآدب كان الجمع الغفير قد تقاطر بالفعل رغم أن التجمع مخصصٌ لأفراد السلالة الحاكمة والتابعين المقربين فحسب.
'على كلٍّ إن عشيرة دانغ وحدها ضخمةٌ بما يكفي لتشكل مدينةً كاملة لذا فمن الطبيعي أن يكون الحضور بهذا الحجم'
علاوةً على ذلك كان واضحًا للعيان أن الجميع قد اعتنى بثيابه وأناقته أشدّ الاعتناء؛ وكما قال دانغ تاي يول لو أنه حضر بما يعتاد ارتداؤه لكان أضحوكةً بين الحاضرين.
وبينما كان يجول ببصره في الأرجاء تناهى إلى مسامعه من الخلف صوتٌ مألوف
"ما بالك واقفًا هناك دون أن تدخل؟"
التفت ليرى دانغ تاي يول واقفًا هناك وعلى عكس الإلحاح والضغط اللذين أبداهما بشأن ثياب إي هيون كان هو نفسه يرتدي رداءً بسيطًا ومهذبًا نسبيًا.
كان رداءً فاخراً يراعي الأصول والمقام لكنه بدا متزنًا بأسلوبٍ متواضع مقارنةً بالثوب الفاخر الذي ألبسه لإي هيون؛ وكأنه يقصد أن يترك له صدارة المشهد ويظل هو في الخلفية هذا اليوم.
"كنتُ أبحث اخوي الأكبرين لأعرف إن كانا قد وصلا وأين الأخ هوي؟"
"سيكون في الداخل قبلا هيا ندخل."
"حسنًا."
وما إن دخل برفقة دانغ تاي يول حتى انجذبت أبصار الحاضرين في القاعة نحوهما.
بدت تهامس الهمسات تدور فيما بينهم بينما استقرت أعينهم مواربةً على ثياب إي هيون وزينته.
ولما لم يلمح في نظراتهم أي أثرٍ للسخرية أدرك أن اختيارات دانغ تاي يول كانت صائبةً تمامًا
'ولكن، أين ينبغي لي أن أجلس؟'
وبينما كان بصره يحار لبرهة نغزه دانغ تاي يول خفيفة
"إلامَ تنظر؟ مقعدك هناك."
كان مقعده يستقر بالقرب من مقعد الصدارة المخصص لرئيس العشيرة دانغ تشونهوا وعلى أحد المقاعد المجاورة كان دانغ هوي يجلس بالفعل.
وما إن اقترب إي هيون حتى بادره دانغ هوي بالحديث أولاً
"أجئت؟ اجلس هنا يا أخي الثالث."
"نعم، يا أخي الأكبر."
"يبدو أن وجهك لا يزال شاحبًا لا داعي للبقاء حتى نهاية المأدبة استأذن وانصرف للراحة متى ما وجدتَ ذلك مناسبًا."
"شكراً لك على اهتمامك ولطفك."
وبفضل جلوسه إلى جانب دانغ هوي ودانغ تاي يول بادر الأشخاص الذين توافدوا لإلقاء التحية على السيد الأول والثاني بالسلام على إي هيون أيضًا
وفي تلك الأثناء، اقترب وجهٌ مألوف وتحدث إلى إي هيون
"أخي الأكبر!"
"آه هويجي."
كان هذا وجه دانغ هويجي الذي لم يره منذ فترة طويلة.
دانغ هويجي حفيد رئيس مجلس الشيوخ كانت علاقته بإي هيون قد توطدت خلال حادثة اختطاف مهرجان زهرة الخوخ ؛ حيث أطلق عليه لقب الأخي الأكبر منذ أن أنقذ حياته حينها متأثراً بجميله.
وبعد أن ألقى دانغ هويجي التحية المناسبة على دانغ هوي ودانغ تاي يول عاد للتحدث إلى إي هيون
"لقد استلمتُ الهدية التي أرسلتَها لي في الحقيقة لم أتوقع حقاً أن تتذكر جلْبها."
"……أتقول هذا بعد أن أرسلتَ لي طيراً زاجلاً خصيصًا كي لا أنسى الهدية؟"
"ههه! على كل حال كنتُ أنتظر عودتك بفارغ الصبر."
أمال إي هيون رأسه مستغربًا
"تنتظرني؟ لا يعقل أن كل هذا الشغف كان من أجل الهدية فحسب……"
"أوَلستَ أنت وبقية المشاركين في جمعية التنين الالهي حديث الساعة في العالم بأسره الآن؟ أردتُ سماع الحكاية من أصحابها المباشرين!"
طَق!
سحب دانغ هويجي صحيفةً خفيقة ونشرها أمام عيني إي هيون.
"هذه…… صحيفة الموريم؟"
تولّد لدى إي هيون شعورٌ شؤم فتراجع بجسده إلى الخلف قليلاً دون وعي.
"نعم! انظر هنا هنا تحديداً! في الجزء المكتوب فيه 'سجل الفرار من عالم مان سانغ'!"
"……."
في تلك اللحظة، لم يسع إي هيون إلا أن يلتجم لسانه صمتًا
وعلى الرغم من أن اسم الكاتب كان مستعاراً إلا أنه كان واضحًا كالشمس بالنسبة له……
'إنه بوم سانغ جين……'
كانت المادة عبارةً عن روايةٍ متسلسلة أُفرد لها نصف صفحةٍ كاملة تحت عنوان .
وكان ما أحضره دانغ هويجي هو العدد الأول الذي نُشرت فيه الرواية نُشرت مجزأةً في الصحيفة، حيث بدأها بوم سانغ جين من لحظة لقائه الأول بإي هيون ورفاقه في النزل……
……وقد أُرفقت بالنص رسوماتٌ توضيحية فائقة الدقة على نحوٍ يدعو للدهشة.
"أتدرك كم يجهد الناس أنفسهم للحصول على هذا العدد الآن؟ إن الصحيفة تُخطَف من المتاجر الحرفية والحانات فور وصولها دون أن تبقى منها نسخةٌ واحدة."
"ألهذه الدرجة تبلغ شعبيتها؟"
"بالتأكيد! ففي الوقت الذي كنتم فيه محتجزين داخل المان سانغ كانت الدنيا خارجها تغلَي في اضطرابٍ تام ولم يكن للناس حديثٌ لمدّةٍ ليست بالقصيرة إلا عن هذا الأمر! بل إن الحال لا يزال كذلك حتى هذا الساعة فالواقعة تُعد حدثًا فريداً من نوعه؛ حيث اختُطف عددٌ كبير من أبناء العائلات الخمس الكبرى ومختلف الأرجاء وانقطعت أخبارهُم دون معرفة ما إن كانوا أحياءً أم أمواتًا فمن الطبيعي أن يُحدث الأمر كل هذه الضجة."
"هذا صحيح."
"آه، لحسن الحظ أن الأمر انتهى على خير وإلا لكان مجرد تخيل العواقب مرعبًا لقد سمعتُ أن بعض العشائر شهدت اضطراباتٍ كبيرةً بالفعل وحتى هنا في عشيرة دانغ……"
خفض دانغ هويجي صوته قليلاً، ثم أخذ يهمس في أذن إي هيون
"كانت الفئة التابعة لرئيس مجلس الشيوخ تُمني نفسها بالآمال خفيةً؛ وأجزم أنهم شعروا بخيبة أملٍ كبيرة حين علموا أن السادة الثلاثة عادوا جميعًا سالمين."
"……."
إن تجمع خمسة أو ستة أشخاصٍ كفيلٌ بنشوء الفصائل والتكتلات.
فما بالك بعشيرةٍ كبرى وليست مجرد تجمعٍ صغير؟ من الطبيعي جداً أن تتشكل فيها قوى متنافسة تتصارع على السلطة القادمة.
ولم تكن فئة رئيس مجلس الشيوخ تقف خلف السيد الأول ولا السيد الثاني بل كانت كتلةً تتكتل حول رئيس المجلس دانغ غيو آك نفسه.
ورغم أن رئيس المجلس لم يُظهر ذلك جليًا قط إلا أن الجميع كان يعلم ضمنًا أن الشخص الذي يدفعون به ليكون رئيس العشيرة القادم هو حفيده دانغ جايل آك
زمّ دانغ هويجي شفتيه والتوى فمه بتذمر
"في الحقيقة، لم ترق لي تلك المجموعة منذ زمن أنت تعلم أليس كذلك؟ أبناء الفروع ليسوا جميعًا عصبةً واحدة تتبع رأيًا واحداً."
ضحك إي هيون ضحكةً خفيفة فتمتم دانغ هويجي بوجومٍ وارتباك
"آه، أنا أقول الحقيقة اقسم!"
"جلّ من لا يخطئ صدقتُك."
"ولكن يا أخي الأكبر ثوبك اليوم يبدو رائعًا بحق! من أين اشتريته؟"
"أوه…… لقد استعرته من أخي الثاني لما لا تسأله بنفسك؟"
وبينما كان إي هيون يتحدث مشيراً بعينيه إلى المقعد المجاور كان دانغ تاي يول الجالس بجانبه تمامًا يرمق دانغ هويجي بنظرةٍ حادة.
وأمام تلك النظرة الباردة على نحوٍ مريب تصبب دانغ هويجي عرقًا بارداً وابتسم بارتباك
"هـ، ههه…… سـ، سأسأله في المرة القادمة إذن سألقاك لاحقًا يا أخي الأكبر."
"حسنًا"
وبينما كان الحاضرون يتبادلون التحايا الخفيفة ظهر رئيس العشيرة دانغ تشونهوا أخيراً وعندها أخذ المتفرقون في الأرجاء يعودون إلى أماكنهم واحداً تلو الآخر.
وما إن جلس دانغ تشونهوا في مقعد الصدارة حتى نهض الجميع من أماكنهم وأدوا له تحية الإجلال والتوقير.
"تحياتنا لزعيم العشيرة."
"تحياتنا لزعيم العشيرة."
"ليجلس الجميع براحة."
"أمرك، يا زعيم العشيرة."
وما إن استقر الجميع في مقاعدهم مجدداً حتى أقبل الخدم لملء الكؤوس الفارغة.
وُضعت الخمار أمام الكبار بينما وُضع الخمر والشراب اللطيف أو الشاي أمام من لم يبلغوا سن الرشد بعد.
جال دانغ تشونهوا ببصره في الحاضرين ثم استهل الحديث
"أشكركم جميعًا على حضوركم رغم مشاغلكم كما سمعتم بالفعل لقد وقع حادثٌ غير متوقع في جمعية التنين الألهي هذه المرة ولكن بفضل دهاء الأمراء وشجاعتهم تمكنا لحسن الحظ من تفادي كارثة محققة."
رفع دانغ تشونهوا كأسه عالية
"أُقيم هذا المحفل اليوم للترحيب بالعودة السالمة لأبنائي الثلاثة وأعلم أن كثيراً منكم داخل العشيرة قد حرقهم القلق عليهم طوال تلك الفترة ولما كان من حسن الطالع أنهم عادوا دون مكروه فأرجو منكم أن تهنئوهم من أعماق قلوبكم وتتشاركوا البهجة في هذه الليلة."
عندئذٍ، رفع رئيس مجلس الشيوخ كأسه ليرد على كلمات دانغ تشونهوا
"نبارك للأمراء الثلاثة عودتهم السالمة!"
وما إن أنهى رئيس المجلس كلمته حتى رفع الجالسون كؤوسهم بالتتابع
"نبارك لكم!"
"نبارك لكم!"
وبذلك بدأت المأدبة وأخذت الأطباق الفاخرة تُنقل إلى الطاولات دون انقطاع بينما دخل الموسيقيون إلى المساحة الخالية في المنتصف وبدأوا في العزف لإشاعة أجواء الفرح والبهجة.
وفجأة، همس دانغ تاي يول لإي هيون بصوتٍ خفيض
"أتيرى ذلك الفتى الذي يرتدي ثوبًا أزرق وطوق شعر فضيًا هناك؟ لا تنظر إليه بشكل مكشوف."
"نعم، أراه."
"هذا هو دانغ جايل آك حفيد رئيس مجلس الشيوخ إنه شخص خبيث ومكار ، لذا يجدر بك أن تتذكر وجهه جيدا."
"أشكرك على النصيحة، يا أخي."
"على أية حال، إن تحدثنا عن الخبث والمكر فأنت لا تقل عنه في شيء لذا لا أظنك ستكون صيداً سهلاً له."
"……."
لم يعلم إي هيون هل ينبغي له اعتبار هذا مدحًا أم ذم.
وفي تلك الأثناء، كان هناك جمعٌ من الشبان يجلسون في الناحية المقابلة على مسافةٍ من المكان يرمقون إي هيون ودانغ تاي يول وهما يتبادلان الحديث.
وكان ذلك الجمع يضم حفيد رئيس مجلس الشيوخ، دانغ جايل آك وأتباعه من الشباب.
"تلك الثياب والزينة التي يرتديها دانغ سا هيون... أليست ملكاً للأمير الثاني؟ أظن أنني رأيتها من قبل في مأدبة عيد ميلاد الأمير الثاني."
"هل يعقل أنه أعاره إياها بنفسه؟"
"هذا هو المرجح وإلا فكيف لدانغ سا هيون أن ينتزع تلك الثياب والزينة ليرتديها؟"
"……هل يعقل أن وضع الأمير الثالث قد تغير الآن؟ إن كان الأمر كذلك أفلن يسعى للانتقام منا؟ أتذكرون ما فعلناه سابقًا……"
تسللت الظلال وخيمت الريبة على وجوه أولئك الشباب المحيطين بدانغ جايل آك وهم يتبادلون هذا الحديث.
فقد مرّ عليهم زمنٌ قبل سنوات اتخذوا فيه من مضايقة الأمير الثالث والتنكيل به تسليةً ولعبة.
بل إن الأمر لم يقف عند ذلك الحد؛ فخلال غيبوبة الأمير الثالث رشو خادم ليوافيهم بأخباره وأحواله أولاً بأول.
فقد كان القلق يساورهم.
كان يقلقهم أن يتردد على داره رئيسُ المجمع هوه —التابع للأمير الثاني—، أو أن يزوره رئيسُ العشيرة بنفسه للاطمئنان عليه من حينٍ لآخر.
ولكن حين رأوه غارقًا في غيبوبته لعامين كاملين، توهموا أنه لن يفيق منها أبدًا
غير أن ذلك الوغد اللعين قد بعث حيًا من جديد في النهاية.
في الحقيقة لم تكن استعادته لوعيه المشكلة الكبرى بحد ذاتها؛ إذ إن ذلك الفتى أعلن بنفسه فور استيقاظه أنه فقد قواه وفنونه القتالية!
فحتى لو لم يمسوه بأذى كان يتوقعون أن يتحول إلى جثةٍ هامدة تُلقى في غياهب الصراع على السلطة دون أن يشعر به أحد.
ولكن رغم يقينهم بذلك، ظل ينتابهم شعورٌ مريب بعدم الطمأنينة.
حتى جاءت أنباء جمعية التنين الألهي لتؤكد اختفاءه وانقطاع أخباره مع الأميرين الآخرين بين الحياة والموت.
وكم كانت فرحتهم عارمة حينها!
لدرجة أن عصابة دانغ جايل آك اجتمعت بأكملها لتعاطي نخب الإبتهاج بتلك النشرة.
'ولكنه عاد الآن حياً يرزق وبأتم صحة'
بل إنه ارتدى تلك الثياب الفاخرة التي استعارها من الأمير الثاني.
كانت تلك الثياب بحد ذاتها بمثابة تحذيرٍ صريح من الأمير الثاني: أن من يجرؤ على المساس بهذا الفتى كما في السابق لن يسلم من عقابه.
"……مـ ماذا ينبغي لنا أن نفعل؟ هل نرسل له الهدايا ونتقرب إليه من الآن علينا نصلح ما فات؟"
"كلامٌ فارغ لو كنتَ مكانه ولديك مثل ذلك الماضي المعتم معنا أكنتَ ستصفح لمجرد هديةٍ تافهة؟"
"……."
وبينما خيم الصمت على الجميع بوجوهٍ أثقلها التوجس ارتسمت على شفتي دانغ جايل آك ابتسامةٌ هادئة وواثقة وهو يقول بصوتٍ خفيض
"لا داعي للقلق الزائد؛ فلدي خطةٌ لكل هذا."