312
استلم دانغ تشونهوا بضع حباتٍ من عقار تطهير المئة سم التي قدمها له إي هيون.
لو استطاع إنتاجه بهذه التكلفة مع الحفاظ على الفاعلية المذكورة، لكان عقاراً يستحق أن تطلب العشيرة منه شحناتٍ منتظمة وكما قال الفتى، فإن حوادث التسمم الكبيرة والصغيرة لم تكن نادرةً أثناء التدرب على فنون السموم في عشيرة دانغ.
وكانت تلك الحوادث تقع غالبًا حين تكون مستوياتهم القتالية ما زالت متواضعة وفي أسوأ الحالات قد تسلب سمومٌ زهيدة أرواح مقاتلين يافعين.
'
لو استجبتُ لنداء قلبي، لقلت له في هذي اللحظة إنني سأشتري ألف حبةٍ دون تردُّد……'
لكن بعد استماعه لشرح الابن الثالث، أدرك أن الفتى يخطط لإدارة هذا المشروع بجديةٍ تامة.
لذا رأى دانغ تشونهوا أن يعامله كشريك عملٍ حقيقي—بدلاً من إعطائه المال كأنه مصروفٌ شخصي—سيكون أجدى وأكثر نفعًا له.
إذ إن استشارة مختلف أقسام العشيرة وأجنحتها سيعلن للجميع عن بدء الفتى لمشروعه، وسيكون فرصةً ليُثبت فيها قدراته وكفاءته أمام العائلة.
"سأفحص هذا الدواء بدقة ثم أقرر بشأن طلب الشراء الرسمي لاحقًا."
"حسنًا ، شكراً جزيلاً لك يا رئيس العشيرة."
وفجأةً، ساور دانغ تشونهوا القلقُ من أن يُفهم كلامه على غير محمله فأردف
"……تأكيدي على فحصه ليس ريبةً فيك بل لأن الإجراءات الرسمية أصلح للطرفين طالما أننا نصنع صفقة."
"بالتأكيد، فهذه بضاعةٌ ستُستخدم في عشيرة دانغ بالذات فكيف تُشترى دون تحققٍ تام؟ يرجى اختباره باستفاضة."
شعر دانغ تشونهوا بإحساسٍ غريب وكأنه ينفّذ صفقةً أمام تاجرٍ محترف له في السوق سنوات طويلة.
"آه، وصحيح! لقد أفادتني الأغراض والكتائب القتالية التي أرسلتَها لي كثيراً في الحقيقة طلبتُ هذا اللقاء المنفرد لأعرب عن امتناني لك عليها أيضًا."
"يسعدني أنها نفعَتك إذن أيهما اخترتَ للتأمل…… تقنية عودة المسارات الثلاثية المضيئة إلى الأصل أم اسلوب العناصر الخمسة؟"
"آه، في الواقع لقد بدأتُ بـأسلوب عناصر الخمس بالفعل وبلغتُ فيها المستوى الرابع."
"……ماذا؟"
أخطأ إي هيون فهم وجوم وجه رئيس العشيرة فسارع إلى الاستدراك
"سبب اختياري لاسلوب عناصر الخمس بدلاً من عودة المسارات الثلاثية المضيئة إلى الأصل هو—"
"لا، لستُ ألومك لو كان اختيارك لها مشكلةً بالنسبة لي لما وضعتُ الكتيب بين يديك من الأساس."
"ياللراحة."
"ولكن…… ألم تكن حتى قبل خمسة أشهر تجهل حتى كيفية تدوير الطاقة التنفسية؟"
"هذا صحيح."
ذُهل دانغ تشونهوا وعقدت الدهشة لسانه.
فممارسة اسلوب عناصر الخمس تتطلب إتقان اسلوب العناصر الثلاثة أولاً، وهو أمرٌ قد يستغرق أكثر من عشر سنواتٍ
من التدريب الشاق لمجرد إتقانها بالكامل.
'أفي خلال خمسة أشهرٍ فقط، أتقن اسلوب العناصر الثلاثة بمفرده بل وتغلغل في اسلوب عناصر الخمس '
حسنًا لنفترض أنه استعاد الإحساس القتالي القديم رغم فقدانه للذاكرة وأن إتقانه للأساسيات في هذه الفترة القصيرة أمرٌ ممكن لكن الأمر الأكثر إذهالاً وإرباكاً هو امتصاصه لـساهونور!
وفقاً لتقرير الابن الثاني، يبدو أن ياكسون قد أجرت له عملية تطهير النخاع وغسل العروق وربما تناوله بمساعدته حينها.
لكن حتى لو حضر حكيم له قدرات خارقة من الآلهة، فمن المستحيل تجنيب شخصٍ يفتقر لمؤهلات السموم الهلاك عند امتصاص ساهونور
أن يطوّع سمًا بذاك العنف باستخدام اسلوب عناصر الخمس —وهي تقنيةٌ غير متخصصة في السموم—لهو أمرٌ كان سيدهشه حتى لو لم يفقد الفتى ذاكرته.
'أحقق كل هذا بالتعلم الذاتي خلال خمسة أشهر يجوب فيها البلاد دون معلمٍ يرشده؟'
بل وفي خضم تلك الفوضى العارمة وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره؟
أظلمت الدنيا في عينيه للحظة، لكنه سرعان ما وجد نفسه مرغمًا على الاستيعاب والقبول.
فهذا الفتى…… هو ابن جيغال دان
وإذا كان قد ورث دهاءها وعبقريتها، فليس مستحيلاً عليه صنع هذه المعجزات المنافية للعقل.
'……إذن فقد كان يخفي إدراكه وعبقريته طوال تلك السنين'
كان يخفيها كتمانًا ليتنفس بارتياح ويسبح بعيداً عن صراعات هذا البيت المحفور بالمخاطر وكان اختباؤه وخفوت بريقه نتاج إهماله هو لابنه الثالث طوال تلك المدة.
"……."
شعر دانغ تشونهوا بالغصة والانكسار مجدداً، غير أن إي هيون—الذي لم يدرِ بمكنونات نفس والده—تابع الحديث بنبرةٍ مشدودة بالمرح
"وعلى ذكر ذلك، فقد أسعفني مسحوق النوم ومسحوق تذويب العظام اللذان أعطيتني ايهما كثيراً لولا وجودهما لوقعتُ في
مهالك لا حصر لها."
"……في الحقيقة وضعتُهما للحماية والوقاية ولم أخلْ أنك ستستخدمهما بتلك الكثافة كنتُ سأسألك عما فعلتَه في رحلتك لكن مما سمعتُه عن الحوادث التي اعترضتك يتضح أن أرواحًا عدة لن تكفيك لتنجو."
"ههههه…… على أية حال ولهذا السبب تحديداً هل لك أن تقبل هذا مني؟"
أخرج إي هيون صندوقًا خشبيًا صغيراً كان يحمله، وقدمه نحو دانغ تشونهوا
"……ما هذا؟"
"فقد حظيتُ بفضل ما قدمتَه لي برعايتك على عونٍ جليلٍ في جوانب عدة وهذه هديةٌ ابتعتُها لك من بكين تعبيراً عن امتناني ليست بالشيء العظيم لكنني أرجو أن تنال إعجابك."
وعلى الرغم من أنه أوكل أمر الهدايا الموجهة للآخرين إلى كبير الخدم إلا أنه احتفظ بالهدية المخصصة لدانغ تشونهوا وسلمها له بنفسه.
فتح دانغ تشونهوا الصندوق الخشبي بتمهل لتتكشف الأغراض القابعة بداخلها عن محبرة خزفية نُقشت عليها رسمةٌ لأربعة غزلان تلهو تحت شجرة صنوبر
"……."
وحين صمت دانغ تشونهوا لبرهة دون أن ينبس ببنت شفة، أخذ إي هيون يقلب عينيه حذراً يترقب ردة فعله.
'ظننتُ أن لوحة الصنوبر والغزلان ترمز للسلامة وطول العمر فقدرت أنها هدية مناسبة لرئيس العشيرة…… ألم ترُق له يا ترى؟'
وبينما كان يتصبب عرقًا وخوفًا في نفسخ تحدث دانغ تشونهوا بنبرة هادئة
"……لقد انتقيتَ قطعةً قيمة سأحرص على استخدامها."
"أجل، يا رئيس العشيرة."
ورغم أنه تعذر عليه الجزم من ملامح والده إن كانت الهدية قد راقت له بحق أم لا إلا أن قوله ذاك يعني على الأرجح أنها حازت درجة القبول على أقل تقدير.
وما إن أغلق دانغ تشونهوا الصندوق الخشبي حتى بادر بالقول دون مقدمات
"وعلى ذكر ذلك، فقد لعبتَ دوراً جوهريًا في الفرار من منتجع مونغ رين الجبلي أيضًا لذا أعتزم منحك مكافأةً منفصلةً عن ذلك، فهل هناك شيءٌ ترغب في نيله؟"
مكافأةٌ أخرى فجأة؟
'في الحقيقة إن مجرد موافقته على تقديم المساعدة لمجلس هيو شين دون مقابل يُعدّ بمثابة مكافأةٍ ضخمةٍ بحد ذاتها'
ولكن، ما دمتُ أمام رئيس عشيرة دانغ وهو يعرض منح المزيد فما الداعي للرفض والامتناع؟
فالعاقل من يستغل الفرص فور اقتناصها.
أضف إلى ذلك أنه كان يحمل في قلبه رجاءً أراد التوسل به إلى دانغ تشونهوا منذ البداية.
"يا رئيس العشيرة، هل لي أن أستأذنك بسؤالٍ واحد قبل أن أفصح عما أتمناه؟"
"ما هو؟"
"كيف تُحفظ وتُدار وصفة تصنيع ساهونرو في الوقت الراهن؟"
"في الوقت الحالي لا يوجد أحدٌ في قاعة ملوك السموم ممن سبق له تحضير ساهونور وبما أنه ما من أحدٍ قادرٍ على صنعها فإن المخطوطة التي تضم طريقة تحضيرها لا تُحفظ في قاعة ملوك السموم بل في الخزانة السرية للعشيرة."
"فهمتُ الأمر إذن……."
أطرق إي هيون مفكراً لبرهة، ثم أردف
"إذن، هل يمكن أن تكون مكافأتي هي السماح لي باستكشاف الخزانة السرية واختيار غرضٍ واحد أبتغيه منها؟ برفقة أخوي الأكبرين."
"مع أخيك الأول والثاني؟"
"نعم ألم يبذل أخيّ جهوداً مضنية في هذه الحادثة أيضًا؟ لذا أرغب في أن نتشارك هذه المكافأة سويًا وبالطبع لن أختار شيئًا قد يصعب على رئيس العشيرة التخلي عنه فلا داعي للقلق من هذه الناحية مطلقًا."
أومأ دانغ تشونهوا برأسه موافقًا
"لك ما أردت."
"شكراً جزيلاً لك يا رئيس العشيرة."
وبعد أن انحنى إي هيون باحترامٍ وغادر الغرفة.
أعاد دانغ تشونهوا—الذي بَقي بمفرده—فتح الصندوق الخشبي ثم تناول الغرض الرابض فيه بين يديه.
كانت محبرةً رسمت عليها صورةٌ غزلان كبير وثلاثة غزلان صغيرة.
وبينما كان يتأملها، ارتسمت على شفتي دانغ تشونهوا ابتسامة دافئة ورقيقة.
وعلى الفور أزاح المحبرة التي كان يعتاد استخدامها جانبًا ووضع المحبرة الجديدة التي أهداها له ابنه مكانها بعناية.
طَق.
***
"……أتقول إن المحقق المسمى تشون آي ليس موجوداً في جناح السجلات السرية؟"
"نعم ،هذا ما توصلتُ إليه وفقًا للتحريات التي أجريتُها."
"……."
فور عودته إلى مقر إقامته رفع كبير الخدم تقريره إلى إي هيون محتفظًا بالنتائج التي كُلّف بالبحث عنها.
……أيعقل أن شخصاً يُدعى تشون آي لا وجود له في هذا الواقع من الأساس؟
'أم أنه لم يلتحق بجناح السجلات السرية بعد؟'
فقد كان تشون آي مجرد محققٍ مبتدئ هناك ولذا فإن احتمال عدم انضمامه بعد يظل قائمًا وبشدة.
نقر إي هيون بسبابته على الطاولة بهدوء وهو غارقٌ في تفكيره.
في الحقيقة، كان الدافع وراء طلب التحري عن تشون آي هو التأكد مما إذا كانت المعلومات التي استقاها في ذاك العالم ما زالت سارية الصلاحية هنا أيضًا
فإذا كان وجود تشون آي معدومًا في هذا الواقع ألا يعني ذلك أن بقية المعلومات التي جمعها هناك قد تفقد قيمتها هي الأخرى؟
بالطبع، ما زال الوقت مبكراً للجزم بأي شيء.
وبينما كان مستغرقًا في تأملاته الخاطفة تناهى إلى مسامعه صخبٌ وحركةٌ مضطربة خلف الباب.
"سيدي الشاب، إن السيد الثاني الآن— آه!"
وقبل أن تُتم الخادمة كلماتها اقتحم الغرفة بخطواتٍ واسعة ومقدامة لم يكن سوى دانغ تاي يول
انحنى كبير الخدم انحناءةً قصيرة، فانسحب بخفةٍ خارج الغرفة بعدما فهم الموقف بذكاء.
قام إي هيون من كرسيّه ة
"أخي الأكبر، ما الذي أتى بك إلى هنا…… آه، هل جئتَ لتأخذ الحرير السماوي؟ أما عن الحديد النيزكي فلم يصل بعد."
"تّس! أليس ثمة أمرٌ أشد إلحاحًا من ذلك الآن؟"
"……أمرٌ أشد إلحاحًا؟"
رمقه إي هيون بنظرةٍ تملؤها الحيره فأشار دانغ تاي يول بذقنه
"هيا بنا إلى مقر إقامتي."
"وماذا هناك في مقر إقامتك؟"
"أليس لأنك لا تملك ثيابًا ترتديها؟"
"آه."
حينها فقط ارتسمت على وجه إي هيون معالم التفهم
"أبسبب مأدبة الغد؟ أتبتغي إعارتي رداءً لأرتديه هناك؟"
"أجل."
"وهل يلحقني عيبٌ إن حضرتُ بهذا الرداء الذي أرتديه الآن؟"
عندها اتسعت عينا دانغ تاي يول بغضبٍ
"سوف يحضر أبناء الفروع أجمعهم أفترغب في الظهور أمامهم بهذا المظهر الرديء؟ محال."
يبدو أن جمع الغد أكبر مما تصور؛ فقد ظنها مأدبةً صغيرة طارئة غير أن الحضور سيكونون أكثر بكثير مما متوقع أومأ إي هيون برأسه طائعًا دون تردد
"فهمتُ الأمر."
في واقع الحال، كان إي هيون يجهل صيحات الأزياء والزينة الشائعة جهلا تامًا إذ لم يجد في صدره متسعًا من الوقت ولا الفراغ للتفكير في هذه الأمور أو مراقبتها طوال الأشهر الماضية.
وحين مضى إلى جمعية التنين الالهي عجز عن انتقاء الثياب المناسبة بمفرده، فارتدى ما أهداه إياه
بانغ سوول
وحضر به.
'يبدو أنه قد حان الوقت لأهتم بهذه الأمور أنا أيضًا.'
وما إن تبع دانغ تاي يول إلى مقر إقامته حتى وجد نفسه غارقًا في دوامةٍ لا تنتهي من تبديل الثياب؛ فما إن يرتدي ثوبًا حتى يُنزع عنه ليرتدي غيره حتى اختلطت عليه الأمور وباتت الأثواب كلها في عينيه سواء.
"أخي الأكبر ألا يمكنني الاستقرار على هذا الرداء؟ تبدو هذه الأثواب كُلها فاخرةً وبديعة……"
"اتجهل أن الثياب هي التي تصنع مهابة المرء؟ هيا، ارتدِ هذا هذه المرة."
"……حسنًا ."
وبعد أن جرب ثلاثة أثوابٍ أخرى أومأ دانغ تاي يول برأسه استحسانًا
"حسنٌ، هذا ممتاز ارتدِ هذا الثوب في مأدبة الغد."
"آه، أخيراً انتهينا!"
وما إن انفرجت شفتا إي هيون عن ابتسامةٍ واسعة حتى فتح دانغ تايريول إحدى الخزائن لتظهر بدايتها بضائعُ وأدواتٌ متراصفة بكثرة؛ من تمائم خشبية وتيجانٍ لربط الشعر و أحزمة للخصر وعلبٍ للبخور ومراوح يد.
"عفواً؟ لم ينتهِ الأمر بعد حان وقت انتقاء الزينة والجواهر."
"……سأكتفي بهذا! أرى أن لونه يتناسق تمامًا مع هذا الرداء أليس كذلك؟ والان دعنا ننتقل إلى ثيابك أنت—"
" كفّ عن المماطلة وجرّب هذه أولاً."
"……حسنًا."