309
ريشٌ كئيبٌ متناثرٌ بأعدادٍ هائلةٍ في كل مكان، كأنما عصفت به أرياحٌ عاتيةٌ فبددته كأوراق الورد.
وكانت كل تلك الريش قد تساقطت على الأرض قبل أن تلمس إي هيون أو تصل إليه بمليمترات.
"……."
أدار بصره نحو ما حوله ببطء، فتراءت له أجساد دانغ هوي ودانغ تاي يول وبانغ سوول وهم ممددين على الأرض.
ولحسن الحظ، لم تكن تبدو عليهم أي آثارٍ لاختراق الأسلحة الخفية
"الجميع……."
وما إن خطا خطوةً متخبطةً نحوهم، حتى ظهرت أمام عينيه لفيفتان من المخطوطات وانشقت مسرعةً بوجهه
[هدف المهمة] ١. اجتَز الطابق الأول من برج مان غيوب ريون
[المهلة الزمنية] شهر واحد.
[نسبة التقدم] ١٧/١٧ (تم الإنجاز)
[مكافأة النجاح] إنجازٌ في التدريب العقلي، وكتيب فنون قتالية سرية، و■■ ■ ■■ الخاصة بـ ■■.
[عقوبة الفشل] روح إي هيون
[تم إكمال المهمة: '١. اجتَز الطابق الأول من برج مان غيوب ريون'!]
[سيتم تحويل خبرات القتال المكتسبة في برج مان غيوب ريون إلى التدريب الواقعي.]
[تم الحصول على تقنية في البوابة 17 من الطابق الأول!]
[جارٍ تحويل ■■ الخاصة بـ ■■ ■ ■……]
[تم الحصول على عزيمة دانغ هوي!]
'……إذن كانت تلك البلورة التي قبضت عليها يومها هي بالفعل عزيمة وإرادة شقيقي الأكبر.'
وبما أن مانغ ريانغ كان قد أراها له في مان سانغ، فقد استطاع التعرف عليها ورؤية أنها عزيمة وإرادة بمجرد وقوع عينيه عليها.
ولكن، لماذا كان موقنًا للغاية أنها تخص دانغ هوي بالتحديد؟
'……بالطبع، لقد كانت في أعمق نقطةٍ داخل الكهف الذي تنبعث منه سموم الجيم.'
في تلك الظروف، كان الافتراض الأكثر منطقيةً هو أنها تعود لـدانغ هوي.
لوّح إي هيون بيده بقلة صبر فوق المخطوطة، فانسحبت المخطوطة وانطوت وتلاشت مع حركة يده.
وفي تلك اللحظة ذاتها.
بدأت ذرات الضوء التي كانت تمثل سيد الطابق الأول تحوم ببقعٍ هادئةٍ في الفضاء المفتوح، قبل أن……
'ما هذا؟'
غيّرت مسارها بغتةً وانجذبت بقوةٍ نحو جسد دانغ هويرالملقى على الأرض.
شُووووووووو—!
"……!"
هرع إي هيون المذعور فوراً نحو دانغ هوي، ووضع أطراف أصابعه عند أنفه لتفقد تنفسه.
وما إن شعر بأنفاسه تلامس أنامله، حتى انطلق من صدره زفرةُ ارتياحٍ عميقة.
'……ولكن لماذا امتص جسدُ دانغ هوي سيدَ الطابق الأول؟'
حتى الآن، كان الشياطين والأرواح الشريرة يتبددون كغبارٍ من النور ويتلاشون بمجرد الإطاحة بهم.
فما الذي كان يعنيه ذلك المكان الذي عاش فيه بشخصية تشون أي إذن؟
تلاحقت هذه التساؤلات في ذهنه واحداً تلو الآخر، لكن أفكاره كانت مشوشةً ولا تنضبط، وكأن الصدأ قد أصاب عقله.
قرر إي هيون التركيز أولاً على العناية بالأشخاص الثلاثة الذين ما زالوا فاقدين للوعي.
"أخي الأكبر، استفق رجاءً أخي."
"أُوغ……"
ربت على كتفه بلطف وناداه بضع مرات، لترتفع جفون دانغ هوي ببطء.
وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما شعر إي هيون باضطرابٍ غريبٍ يعصر صدره؛ إذ تملكه شعورٌ بأنه قد عثر للتو على الرجل الذي اختفى بمفرده للتعامل مع سموم الجيم.
"……"
بدت على وجه دانغ هوي ملامح الذهول وهو يحدق في إي هيون بشرود قبل أن تحتد حدقتاه فجأةً ويهبّ واقفًا أسرع من رمش العين ليقفا حاجزاً أمامه لحمايته.
ولم ترتخِ كتفاه قليلاً إلا بعد أن أدرك أن الخطر قد زال بالفعل.
تنفس دانغ هوي بخفة ثم التفت لينظر إلى إي هيون
"هل أصابك أي مكروه؟"
"لا، أنا بخير."
ودون الحاجة لتبادل الكلمات اتجه كلٌّ منهما نحو بانغ سوول ودانغ تاي يول لتفقد حالتهما.
ولحسن الحظ، انتفض كلاهما وسرعان ما استعادة وعيهما.
"السيد الشاب بانغ هل أنت بخير؟ هل تتذكرني؟"
"أوه……"
جلس بانغ سوول وظهرت الحيرة والاندهاش على وجهه وهو يلتفت بعينيه حول المكان بسرعة.
"أين ذلك الوحش الذي كان يشبه الدرع قبل قليل؟"
"يبدو أنه اختفى، فقد انغرست أسلحة تاي يول الخفية في قلبه مباشرةً."
"آه، إذن هل انتصرنا في هذه المعركة الحسم؟"
"أجل."
"ياللراحة ظننتُ للحظةٍ أننا غرقنا في كارثة—"
وفي اللحظة التي قال فيها بانغ سوول ذلك بنبرةٍ يملؤها الارتياح……
دَدَدَدَدَدَدَدَدَوِيٌّ عاصِف—!
"ما هذا؟!"
بدأت الأرض تهتز بجنونٍ وكأن زلزالاً هائلاً قد ضرب المكان.
شَخْخخخخخ!
وفي لمح البصر، ظهرت المخطوطة مجدداً أمام إي هيون واندفعت الكلمات تتدفق على سطحها بسرعةٍ فائقة.
[تعلُو أصواتُ اضطرابِ الأرواح الشريرة .]
[تجهرُ الأرواح الشريرة بسخطِها واعتراضِها على آلية الرهان الإجحافية.]
[جارٍ البحثُ عن سُبلٍ جديدة لكبح وجَمح الأرواح الشريرة……]
وفجأةً، بدأت المعالم الدائرية لهذا الفضاء الذي شهد صرع سيد الطابق الأول تعيد التشكّل والتركيب في فوضى عارمة قبل أن تبثق من أعماقه بوابةٌ صرحية عاتية.
كُوووووورررررر!
[تم فتح الطابق الثاني من برج مان غيوب ريون!]
ومع ظهور هذه العبارة، بدأت البوابة الضخمة تفتتح ببطء وصوت احتكاك ثقيل ومزعج.
وفي اللحظة التي رفعوا فيها أسلحتهم فوراً مستعدين للقتال أمام تلك الطاقة المظلمة والخبيثة التي بدأت تتسرب من فتحة البوابة……
"كَيانغ!"
فَاااااااات!
انطلقت صرخةٌ حادة من ثعلبٍ صغير، ليغمر الضوءُ الساطع ساحةَ رؤيتهم بالكامل.
وعندما فتحوا أعينهم ببطء، وجدوا أن المشهد حولهم قد تغير بالكامل.
مقصورةُ ريون جانغ الشاهقة والمخطوطاتُ المنسدلة في كبد الهواء والكتبُ المنسقة برصانةٍ على امتداد الجدران…… لقد عادوا إلى مكتبة مانغ ريانغ
يبدو أن الثعلب ذا الذيلين قد أنقذهم في الوقت المناسب قبل أن يحدث ما لا يُحمد عقباه.
ترنح إي هيون وفقد توازنه حتى كادت ركبتاه تخورانه وتخونانه ليركض بانغ سوول الواقف بجواره ويمسك به سريعًا
"مهلاً، هل أنت بخير؟"
"آه، أجل……"
اقترب دانغ تاي يول بخطواتٍ حثيثة ووضع أطراف أصابعه على معصم إي هيون ليفحص نبضه ثم وضع ظهر يده على جبهته.
"…… رأسك يشتعل جمرةً كالنار."
"حقًا……؟"
لا عجب أنه كان يشعر بالشتات والذهول منذ فترة.
وعندما مد دانغ تاي يول يده داخل كُمّه ليخرج حافظة إبر العلاج أمسك إي هيون بمعصمه بضعفٍ خائر
"أنا…… بخير بمجرد أن نعود إلى العالم الواقعي ستزول جميع الإصابات التي أُصبنا بها هنا."
"إذن فمن الأفضل أن نغادر فوراً كيف نعود إلى العالم الواقعي؟"
أجاب إي هيون على سؤال دانغ هوي وهو يجيل بصره في أرجاء المكتبة المعتمة
"إن طلبنا ذلك من الثعلب ذي الذيلين……"
طَقْ طَقْ طَقْ!
وكأنه علم بأنهم يبحثون عنه ركض الثعلب ذو الذيلين نحوهم وأخذ ينظر إلى إي هيون بنظراتٍ يملؤها القلق وهو يأن أصواتًا خفيفة.
"كُورُورُوك كَيانغ!"
أراد إي هيون أن يبتسم له برقة كعادته ليطمئنه ولكن…… لماذا يحدث هذا؟
أخذت قواه تتسرب وتتلاشى في لحظةٍ خاطفة تمامًا كحبات الرمل التي تتسرب من بين الأصابع.
ترنح جسده وهوى ساقطًا وحاول أحدهم الإمساك به والتحدث إليه لكنه لم يعد قادراً على تمييز الكلمات أو استيعابها.
وكأنما يغرق في قاع مستنقعٍ عميق غاصت روح إي هيون ووعيه في ظلمةٍ سحيقة
****
"……أنسيتَ أنك قلتَ إن كل شيء سيعود على ما يرام بمجرد عودتنا للواقع؟ أيها المحتال اللعين."
لو سمع إي هيون كلمات دانغ تاي يول هذه لشعر بظلمٍ شديد؛ فقد كان الأمر كذلك حقًا في كل المرات السابقة.
غير أن هذه المرة كانت مختلفة.
فحتى بعد أن استعاد دانغ هوي ودانغ تاي يول وعيهما أولاً لم يستفق إي هيون على الإطلاق بل كان جسده في العالم الواقعي أشبه بجمرةٍ تشتعل ناراً.
تمتم دانغ تاي يول في سرّه وهو يسحب الإبر المهروسة في جسد إي هيون واحدةً تلو الأخرى
'……لكن ربما يُعدّ هذا أهون المصائب.'
صحيحٌ أن ارتفاع الحرارة يُشكل خطراً في بعض الحالات إلا أنه أصلٌ يدخل في نطاق ما يمكنه التعامل معه وعلاجه.
نعم، إن مقارنة هذا بوضعٍ لا يدري فيه المرء من أين يبدأ ليعيده إلى وعيه أو بوضعٍ يُترك فيه بمفرده داخل الـتشون را تجعل الأمر أفضل بمليار مرة.
وعندما انتهى من نزع الإبر فتح إي هيون عينيه بنصف إغماضةٍ وملامح غارقة في الغيبوبة وأخذ يحدق في دانغ هوي بذهولٍ وشرود.
لاحظ دانغ هوي نظرته فسأله بصوتٍ هادئ
"هل استعدت وعيك؟"
"……."
"هل تريد أن تشرب بعض الـ—"
"يا رئيس…… العشيرة."
"……؟"
رئيس العشيرة؟
وعندما ارتسمت علامات الحيرة والاستغراب في أعين دانغ هوي ودانغ تاي يول تمتم إي هيون بصوتٍ خافتٍ كأنه يتلاشى
"لا تمت…… بمفردك……."
وقبل أن يكمل إي هيون جملته غرق في الغيبوبة مجدداً ليرخي الصمت بسدوله بين الشقيقين التوأمين.
نظر دانغ تاي يول إلى أخيه الأكبر بنظرةٍ مريبة ثم قال بنبرةٍ حادةٍ ملؤها التوجس
"……أي وسيلةٍ استخدمتها؟"
"ماذا تقصد؟"
"كيف استطعتَ ضم الأخ الثالث إلى فصيلك بالضبط؟ هل كان تدريبك له على الفنون القتالية بجديةٍ مؤخراً لأجل هذا السبب أيضًا؟"
"ليس الأمر كذلك."
"لكنه قال للتو وبوضوح يا رئيس العشيرة أليس كذلك؟"
"……لا تأخذ كلام مريضٍ يتأرجح وعيه بين الصحوة والغيبوبة على محمل الجد."
"إذن ماذا يعني بقوله لا تمت بمفردك؟ أليس معناها: إن كان هناك خطرٌ فسأتحمله معك فلا تحمله بمفردك؟ متى بالضبط استطعت استمالته وتغيير رأيه لـ—"
"……قلتُ لك ليس الأمر كذلك."
أجاب دانغ هوي بملامح يظهر عليها الارتباك على غير عادته ثم خرج من الغرفة وكأنه يتهرب من نظرات أخيه المليئة بالشكوك.
"آهه ."
تنفس بارتياح دون أن يشعر ورفع رأسه ليرقب السماء؛ فإذا بنور الفجر المائل إلى الزرقة ينساب رويداً رويداً ليحلّ على مقر عائلة دانغ المحاطة بالغيوم.
خفض دانغ هوي رأسه بغتةً لينظر إلى كف يده.
شعر منذ فترةٍ بإحساسٍ مريبٍ للغاية إحساسٍ يصعب شرحه أو التعبير عنه بالكلمات.
أجل، وتحديداً منذ أن استعاد وعيه بعد أن فقد إدراكه في غرفة سيد الطابق.
'يبدو أنني…… حلمتُ بحلمٍ ما.'
رغم أن غيابه عن الوعي لم يدم إلا لحظاتٍ معدودة إلا أنه شعر وكأنه رأى حلمًا طويلاً جداً.
حلمٌ رغم ما فيه من ألمٍ وعذاب إلا أن المرء لا يود نسيانه أبداً.
قبض دانغ هوي يده وبسطها بتمهل وهو يستحضر ذلك الشعور ويتأمله في صمت.
"……."
لسببٍ ما، راوده شعورٌ بأنه لو ركّز على تقنية التنفس والتقوية الداخلية الآن، لتمكّن من الارتقاء إلى مستوى أعلى بكثير.
لماذا فجأةً؟ هل كانت المعركة التي خاضها في برج مان غيوب ريون هي الحافز الذي منحه هذا التنوير ؟
لكن رغبته لم تطاوعه.
ففي وقتٍ تبدو فيه حالة الأخ الثالث غير مستقرة لم يستطع إجبار نفسه على الانغماس في تدريب الفنون القتالية.
وحتى فكرة عدم مطاوعة رغبته تلك أثارت دهشة دانغ هوي نفسه.
فهذا الشعور لا يطرق باب المحاربين بسهولة وكان حريًا به في الأحوال العادية أن يترك كل شيء جانبًا ويكرس نفسه للتدريب فوراً.
ولو كان هذا هو دانغ هوي الذي سبق اجتماع جمعية التنين الألهي، لكان قد فعل ذلك دون تردد.
'……بالطبع، لقد وقعت أحداثٌ كثيرة جداً خلال هذه الفترة.'
وبعد أن تردد دانغ هوي في تفكيره لبرهة جلس أمام غرفة إي هيون كأنه يحرسها وبدأ بتدوير الطاقة
كان من الأجدر في الأصل أن يفعل ذلك في مكانٍ هادئ ينعزل فيه بنفسه إلا أنه شعر بطريقةٍ ما أن قلبه سيكون أكثر طمأنينة وراحة إن فعلها هنا.
ولا يعلم كم مرّ عليه من الوقت وهو يغمض عينيه على تلك الحال.
وعندما فتح عينيه ببطء، كانت سماء الفجر الزرقاء تتراءى له كما هي.
وبجواره، كان إي هيون يجلس بطريقةٍ مماثلةٍ وهو يغمض عينيه.
لاحظ إي هيون نظرات دانغ هوي الموجهة نحوه فابتسم له ابتسامةً خفيفة.
"صباح الخير، أخي الأكبر."
"……صباح الخير."
تأمل دانغ هوي لبرهة قبل أن يسأل إي هيون
"كم لبثتُ على هذه الحال؟"
"يومًا تقريبًا."
أاكل هذه المدة!
لا عجب، فقد تساءل في نفسه عن سبب استمرار سماء الفجر حتى الآن.
"هل حققتَ إنجازاً أو ارتقاءً؟"
"أجل، يبدو أنني بلغتُ مرحلة الإتقان العظيم في تقنية عودة المسارات الثلاثية المضيئة إلى الأصل "
"مباركٌ لك."
"شكراً."
"وبمناسبة التهنئة هل تسمح لي بالتحقق من أمرٍ ما؟"
"التحقق؟"
وفي اللحظة التالية اتسعت عينا دانغ هوي ذهولاً؛ فقد امتدت يد إي هيون بغتةً لتشد خده ونظراً لخلو حركته من أي نيةٍ قتالية أو نية قتل لم يخطر بباله حتى أن يتفاداها.
كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يقرص فيها أحدٌ خده مما أربكه في داخله بحق.
"……أي نوعٍ من التحقق هذا؟"
"أردتُ التأكد مما إذا كنتَ تشعر بالألم."
"كنتُ سأقول إنني…… لا أشعر بألم ولكن لماذا تزيد من شدة القرصة هكذا؟"
"ياللراحة إذن."
"……؟"
ترك إي هيون خد دانغ هوي ووقف
"يبدو أن أخي الأكبر يقع في الفخاخ والمهجمات المفاجئة أيضًا."
"أتسمي ما حدث للتو هجومًا مفاجئًا؟"
"أجل، فليس هناك قانونٌ ينص على أن أكون الوحيد الذي يخضع لتدريبات الهجوم المفاجئ."
"همم."
"اعتبرها انتقامًا صغيراً على كل القلق والعذاب الذي تسببتَ لي به……"
لم يستطع الأخ الأكبر أن يفهم المغزى الحقيقي من كلام أخيه الأصغر غير أن الشعور لم يكن سيئًا على الإطلاق
مما جعل ابتسامةً خفيفة ترتسم على وجه دانغ هوي أيضًا