308
حتى في رواية اختفى دانغ هوي عندما شعر باقتراب نهايته
غير أنه في الرواية لم يكن قادراً على الحركة بمفرده، فطلب من رئيس مجلس الشيوخ أن ينقله إلى كهفٍ في أعمق أرجاء الجبال وما إن دخل ذلك الكهف حتى فاضت روحه.
وفور موته، وبالمقدار الذي تحدث عنه دانغ هوي تمامًا بدأ سمّ الجيم الهائل الذي كان يكبح أذاه ينفث سمومه، فلم يجد رئيس مجلس الشيوخ بداً من ردم الكهف وتدميره تنفيذاً لوصية سيد العائلة.
وفور موته، تسربت طاقة سمّ طائر الجيم الهائلة التي كان يكبحها طوال الوقت لتملأ المكان—تمامًا كما حذر دانغ هوي دائمًا —فلم يجد رئيس مجلس الشيوخ بداً من ردم الكهف وتدميره تنفيذاً لوصية سيد العائلة.
ولأن نهايته في الرواية كانت على هذا النحو……
كان إي هيون قد طلب سابقًا من رئيس مجلس الشيوخ أن يخبره فوراً إذا ما طلب منه سيد العائلة يومًا أن ينقله إلى جبلٍ ناءٍ.
ورغم أن هذا الطلب كان صادراً من مجرد مفتش صغير يُدعى تشون أي إلا أن رئيس مجلس الشيوخ وافق على إجابة طلبه.
ولعل تناوله لتنين العشب الأخضر جعل دانغ هوي يصمد لفترة أطول مما حدث في الرواية؛ إذ لم يتخيل أحد أنه بعد أن ظل طريح الفراش لا يتحرك سيمتلك القوة الكافية ليرحل بمفرده بحثًا عن مثواه الأخير.
"……أيعقل ألا يتمكن أي من الشيوخ من العثور على أثر لشخص مريض بسمّ الجيم لن يستطيع الابتعاد كثيراً؟! ما الذي تفعلونه بالضبط؟!"
صصرخ أحد الشيوخ بصوتٍ ملؤه الغضب والغيظ ورغم أنه هو نفسه عجز عن العثور على أثر إلا أن لم يجرؤ أحداً على الرد عليه؛ فالحقيقة الثابتة هي أن لم يعثر احدًا عليه والجميع كان في حالة من الذهول وفقدان الصواب.
قال رئيس مجلس الشيوخ بنبرة ثقيلة بعد صمت قصير
"……لا أدري كيف استطاع وهو بتلك الحالة الصحية أن يخفي طاقة سمّ الجيم تمامًا ويهرب من ملاحقتنا."
ثم استطرد موضحًا
"……يبدو أن سيد العائلة قد وصل إلى الاستنارة والذكاء المطلق خلال الفترة التي كان يصارع فيها هذا السم."
"عفواً؟"
"إن تلك الأشهر التي قضاها في كبح سمّ الجيم كما كانت تلتهم حياته مكّنته في الوقت نفسه من اختراق الجدار والوصول إلى ذروة الفنون القتالية؛ وإلا فمن المستحيل أن يتوارى عن أنظارنا جميعاً بهذا الشكل."
لم يدرِ أحدٌ هل يعجبون من هذا الإنجاز الفذ في هذا الموقف العصيب أم يغضبون أم يتحسرون على ما آلت إليه الأمور؛ فاختراق جدار الذروة ليس بالشيء الذي يستطيعه أيّ كان ناهيك عن شخص في زهرة شبابه مثل دانغ هوي.
لكن أن يكون أول وآخر عمل يقوم به مقاتلٌ بلغ ذروة المجد هو البحث عن مكان يموت فيه بمفرده……
ارتسمت ملامح البؤس والأسى على وجوه الجميع حتى قال أحدهم
"إذا كان اختفاء سيد العائلة كما ورد في رسالته بسب عجز جسده عن كبح سمّ الجيم بعد الآن…… فحتى لو عثرنا على جثته الآن فإن محاولة استعادتها قد تكلفنا أرواحنا ولعل هذا هو السبب الذي جعله يوصينا بعدم البحث عنه."
"وهل تعني بذلك أن نترك جثمان سيد طائفة دانغ ملقىً على فارع الطريق؟! لا تتفوه بهذا الكلام الفارغ! حتى لو تعفن جسدي وتلاشى فلن أتوانى عن استعادته!"
"لو علمنا أن الأمور ستؤول إلى هذا، لكنا طلينا سيد العائلة بـعطر التتبع"
"وهل ترى أن أنف سيد العائلة كان مسدوداً؟ ما كان ليخفى عليه أمر كهذا أبداً!"
"على أي حال…… فلنتفرق ولنواصل البحث أما مسألة التعامل مع جثمانه فيمكننا مناقشتها لاحقًا لكن ألا يجدر بنا على الأقل أن نعرف مكان وجوده؟"
"بما أنه ذكر أنه رحل لينظف سمّ الجيم بأمان فربما توغل في عمق الجبال البعيدة لذا يستحسن ألا نكتفي بتمشيط محيط مقر الطائفة بل أن نبتعد في بحثنا."
"هذا هو الصواب بعينه."
وفي تلك اللحظة، خرق الصمتَ صوتٌ هادئٌ
"لا ، لا تفعلوا ذلك."
"ماذا؟"
التفت الشيوخُ بدهشة، ليتفاجأوا بوجه مفتش يافع في مقتبل الشباب؛ لم يكن الذي استوقفهم سوى إي هيون.
"……ماذا لو شنّت طائفة الشيطان هجومًا على مقرنا في ظل غيابكم جميعًا؟ لهذا السبب بالذات شدّد سيد العائلة على عدم البحث عن جثمانه ألا يجدر بكم يا حضرات الشيوخ امتثال أوامره؟"
"……."
"ولكن، تلك الأوامر كانت موجّهةً إليكم أنتم وليست لي لذا سأخرجُ أنا للبحث عن سيد العائلة نيابةً عنكم."
وعندما التزم الشيوخ جميعًا الصمتَ ووجَموا ضمّ إي هيون قبضتيه محييًا ثم خطا بثباتٍ نحو الباب.
ومن خلف ظهره ناداه رئيس مجلس الشيوخ
"المفتش تشون أي…… أمانةُ سيد العائلة بين يديك."
"أمرك."
أجاب إي هيون ، ثم غادر مقر سيد العائلة بخطى متزنة.
لحسن الحظ، كانت الإصابة التي تعرّض لها بالسلاح الخفي في اليوم الأول قد التأمت كثيراً ورغم بقاء آلام خفيفة إلا أنها لم تكن لتُعيق استخدام مهارة خفة الحركة والقفز
وما إن اجتاز بوابات القلعة الداخلية ثم الخارجية حتى تلاشت أضواء شوارع المدينة تمامًا
ولم يعد يقف في وجهه سوى ظلامٍ دامسٍ يمتد في الأرجاء.
كانت سماء ليلة الشتاء مظلمه لا يلوح فيها نجم وكأن العالم بأسره قدُ غُمس في المحبرة.
وبينما كان يتقدم في ذاك السكون لبعض الوقت…
خفقان!
سرت في أذنيه جلبةُ خفق أجنحة طائر.
ومدّ ذراعه بشكل طبيعي ليحطّ عليها بهدوء غرابٌ طار نحوه عبر الجو.
كانت ثمة صرةٌ صغيره جداً مربوطة بإحكام في ساق الغراب فتح إي هيون العقدة بعد إزاحتها ليرى بداخلها بذوراً صغيرة.
'……بذور لوتس ثلج جبل السماء.'
وبالنظر إلى لطخات الدماء التي تلطخت بها الصرة، فربما كان دانغ تاي يول قد توجه بالفعل إلى جبل تيانشان
وهناك، في نهاية المطاف……
"……."
إن كان هذا صحيحًا ألم تُصبح الأوضاع أسوأ بكثير مما كانت عليه في الرواية؟
قد تتلاشى طائفة دانغ وتندثر في المستقبل القريب، لكن ذلك لم يحدث في هذا الوقت المبكر داخل الرواية إذ إن دانغ هوي صمد طوال الأشهر الماضية متحملاً ذاك العذاب الأليم لمنع هذه النهاية تحديداً.
ولكن بسبب تدخله، تسارعت الكارثة واقتربت قبل أوانها.
أضحت طائفة دانغ تجهل مكان جثمان سيدها.
ودانغ تاي يول، خليفته المرتقب ربما يكون قد أزهقت روحه الآن في جبل تيانشان
"……."
وبينما كان أنفاسه الشاحبة تتصاعد كالضباب وتتشتت في الفراغ الدامس من شدة البرد خطا إي هيون خطوته التالية ببطء مجابهًا رياح الشتاء القارص بجميع جسده.
ولا يعلم كم تجول وهامَ على وجهه.
وحين استعاد وعيه فجأة، وجد نفسه واقفًا أمام كهفٍ في عمق غابةٍ نائيةٍ انقطعت عنها أثر البشر.
'……غريب، متى غبتُ عن الوعي؟'
على أية حال، كانت ثيابه رثةً للغاية وممزقة مما أتاح له استنتاج أنه قضى وقتًا طويلاً في تمشيط الأرجاء بحثًا عن دانغ هوي.
لم يكن مدخل الكهف مسدوداً بأي عائق غير أن طاقة السموم كانت تتسلل بهدوء من أعماقه الظلمه
إنها طاقة سمّ طائر الجيم التي شعر بها عدة مرات سابقًا
لو كان دانغ هوي حيًا لما تسرب سمّ الجيم وخرج من جسده بهذا الشكل؛ وكان انبعاث السمّ يعني موته بلا أدنى شك
"……."
'لا بد أن الكهف الآن ممتلئٌ الى آخره بسمّ طائر الجيم ولا فائدة تُرتجى من الدخول إلى هناك.'
كان الأمر وكأن أحداً لا يُرى بالعين يهمس في أذنه مستهزئًا يخبره بأنه يعجز عن تغيير أي شيء وأن كل محاولة يخوضها للصراع لن تزيد الأمور إلا سوءاً.
'بسببي أنا، فقد الأخ الثاني حياته وإن واصلتُ العيش والتخبط على هذا النحو فسوف أتسبب في تقصير عمر بانغ سوول والإسراع بوفاته أيضًا '
كان يعلم أنها أوهامٌ وهلاوسُ سمعية لا محالة وربما كلماته ليست سوى أطيافٍ نسجها عقله تحت وطأة الصدمة النفسية الشديدة التي ألمّت به.
وحاول جاهداً أن يفكر بعقلانيةٍ ورباطة جأش ليكبح جماح أفكاره غير أن تلك الأصوات الحبيسة في رأسه لم تتوقف عن الرنين.
'لذا…… فلنذهب إلى هناك.'
وكأن الأمر قد أُعِدّ له مسبقًا امتدت أمامه جرفٌ شاهق يطل على هاوية سحيقة كان جرفًا مخيفًا للغاية لو حرك قدمه للأمام قليلاً لسقط فوراً في أعمق أرجائه.
' اقفز إلى الأسفل…… فهذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ بانغ سوول على الأقل.'
"هكذا إذن…… أنقذ بانغ سوول على الأقل……؟"
وما إن تمتم إي هيون بهذه الكلمات بصوتٍ جافٍ مبحوح حتى وافقته الهلاوسُ ومضت تؤيد فكرته.
[نعم ،لم أعد أُريد التسبب في موت أي شخص بعد الآن لذا إن أردتُ إنقاذه هو على الأقل فليس أمامي سوى هذا والخيار……]
ظل إي هيون يحدق في أسفل الهاوية السحيقة بشرودٍ لبرهة قبل أن تخرج منه ضحكة ساخرة كأنها زفير حزين.
"ها، هاهَاها……"
[……؟]
رفع إي هيون رأسه ليرنو إلى سماء الليل الدامسة بذهول ثم أطلق ضحكة باردة خافتة.
"من المستحيل إنقاذه بطريقةٍ سهلةٍ كهذه."
طَخّ!
شقّ صوت تمزق اللحم وانبثاق الدماء سكون الظلام الدامس.
ودون أن يدرك هو نفسه متى حدث ذلك كانت يد إي هيون تقبض على خنجرٍ حاد.
إنه الخنجر ذاته الذي أعطاه إياه مانغ ريانغ
[كياااااااك!]
وكان الشيء الذي طعنه الخنجر هو عين ثعبانٍ أحمر عملاق كان يقترب منه وكأنه على وشك التهامه في أي لحظة.
كان هذا الوحش أكبر حجمًا من أي ثعبانٍ واجهه سابقًا بعد الإطاحة بالأرواح الشريرة
صرخ الثعبان الأحمر بصوتٍ مرعب وهو ينفض إي هيون عنه ثم ضرب بذيله الضخم بغضبٍ عارم محاولاً سحقه.
تفادى إي هيون الهجوم بشق الأنفس مستخدمًا تقنية خفة الحركة تقنية خطوة الرعد ثم ركض بهستيريةٍ واندفاع نحو الكهف الذي يقبع فيه جثمان دانغ هوي.
ورغم أن طاقة السموم المتصاعدة من داخل الكهف كانت تلفح وجهه وتخترق جسده إلا أنه لم يبالِ فحتى لو ذاب جلده بالكامل وتلاشى لم يعد ذلك يهمه على الإطلاق.
هذا الشيء لن يقتله.
لأن هذا هو دانغ هوي
لأنه شقيقه الأكبر
لذا……
طَخّ!
ورغم أن أطراف أصابع إي هيون كانت تحترق وتوشك على الذوبان لتآكلها بفعل طاقة السموم إلا أنها قبضت على شيءٍ ما.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه على تلك البلورة الصافية التي يكاد بريقها يخطف الأبصار أدرك السبب دون حاجةٍ لشرح؛ أدرك أن هذه هي عزيمة وإرادة دانغ هوي.
وفي اللحظة التي استقرت فيها عزيمته داخل مجموعة الكواكب المنقوشة على خنجر مانغ ريانغ
امتلأت ساحة رؤيته بفن الثعبان الأحمر الذي اندفع خلفه واقتحم الكهف يطارد أثره.
دَوِيٌّ هائل!
طَخْ—!
وسط هجمات الوحش المدوية التي كادت تطيح بالكهف وتهدمه على رؤوسهما وبينما كان إي هيون يتفادى ذيل الثعبان بشق الأنفس مستخدمًا تقنية خطوة الرعد
خاطرت ذهنه فجأةً تلك النصيحة التي أسداها إليه دانغ هوي ذات يوم.
'ليست العبرة في تقنية خطوة الرعد بفرط سرعة القدمين وحسب ألا ترى كيف يضرب البرق فجأه بلا إشعارٍ ولا مسارٍ محدد؟ كَثِّف طاقتك واحبسها ثم افجرها في طرفة عينٍ لختل الأبصار والتلاشي عن الأنظار متى ملكتَ تلك اللحظة خاطفةً غدوتَ قادراً على حزّ رقاب أعتى الخصوم.'
وفي اللحظة التي ارتد فيها ذيل الوحش الضخم كالبيت عاصفًا بالمدى وجارفا الأرض حوله أطلق إي هيون الطاقة المكمونة في دانهجون دفعةً واحدة ووثب صاعداً بأسفل قدميه.
انطلق جسده كشرارة برقٍ خاطفة يرتد بين جدران الكهف ويثبُ كالصاعقة.
ولم تعد ثيابه التي ترفرف مع حركة جسده الخاطفةً زي محققي الاستخبارات سرية بل غدت عباءةً طويلةً يكسوها الأخضر الداكن.
دفع إي هيون جدار الكهف بقدمه وارتفع في الهواء عكس اتجاه الجاذبية ثم هبط كالشهاب الساقط مباشرةً نحو رأس الثعبان الأحمر.
وفي اللحظة التي انغرس فيها الخنجر في قمة رأس الثعبان
انبثق ضوءٌ ساطعٌ كاد يعمي الأبصار غمر المكان بأكمله فتلاشت معالم الكهف واختفى الثعبان الأحمر تمامًا وكأنه لم يكن موجودًا
وعندما أغمض عينيه بشدة ثم أفرجهما بتمهلٍ ورويداً كان الشيء الذي وقع عليه بصره……
"……."
شُوووووووووو…….
كان هيئة سيد الطابق الأول وهو يتلاشى ويتبدد كذراتٍ متناثرةٍ من النور.