307
مرّ الوقت كالسهم حتى غدا العام الجديد على الأبواب.
خلال تلك الفترة، بذل إي هيون كل ما في وسعه، غير أن حدود طاقته كانت جليّة في ظل وضع كهذا فلم تكن لديه هنا فرصة لكسب ثقة الآخرين، ولا المتسع من الوقت لتحقيق ذلك.
لكي يصغى الناس إلى حديثه ويولوه ثقتهم، كان لا بد من رصيدٍ من الإنجازات أو سلطة تُلقي بظلالها فكيف بفتىً يافعٍ يعمل مفتشًا مغموراً؛ هل يُعقل أن يُصغي إليه أحد في حربٍ يتوقف عليها بقاء القوة أو فناؤها؟
لذا، راهن إي هيون بكل ما لديه على دانغ هوي.
إذ كان إقناعه بالاستفادة من نصائحه هو الطريق الأسرع والأنجع في هذا الظرف حتى إنه تجرأ على تقديم مشورات الجريئة، متحذراً ومتقبلاً مخاطرة إثارة الشكوك حوله.
ولعل مراوغات إي هيون الحذرة وإجاباته الملتوية قد آتت ؛ إذ لحسن الحظ، كان دانغ هوي يصغي إلى كلامه باهتمام، وما إن يراه منطقيًا حتى ينقله إلى رئيس الوزراء الأكبر، ساما كيونغ وكأنه رأيه الشخصي.
وأدرك إي هيون أن عدم كشف دانغ هوي عن كون تلك الآراء صادرة من مفتش صغير في قاعة السرية إنما كان بغرض حماية تشون أي وتوفير الغطاء له.
ورغم النجاح في إحداث تغييرات صغيرة من خلال دانغ هوي على هذا النحو، إلا أن…
'……القوى الأخرى لا تتزحزح قيد أنملة كما هو متوقع.'
فصوت دانغ هوي ونفوذه لم يتجاوزا حدود طائفة دانغ.
أما الطوائف والعائلات الواقعة خارج تلك الحدود، فكانت لا تزال ترقب الموقف عن كثب دون حراك.
وكان السبب الرئيس في ذلك يعود إلى إعلان الجيش الشيطاني — عندما خرجت القوة الضاربة للطائفة الشيطانية إلى الحرب، أعلنت أن هدفها الوحيد هو طائفة دانغ في سيشوان.
بمعنى أن خروجهم هذا ليس إلا انتقامًا مشروعًا وأنه بمجرد سحق طائفة دانغ، سيعود الجيش الشيطاني أدراجه وما أضفى الصفة الواقعية على هذا الإعلان هو مرور الجيش الشيطاني بجوار طائفة كونلون وطائفة كونغدونغ دون التعرض لهما بأذى.
ورغم أن طائفة دانغ بادرت بطلب العون من التحالف القتالي فور اندلاع الحرب، إلا أن التحالف يواصل المماطلة ويقف موقفًا مبهمًا
ويرجع ذلك إلى أن جثة ابن زعيم الطائفة الشيطانية، التي تحمل آثار سم ساهونرو وكانت السبب في شرارة هذه الحرب، لا تزال محط جدلٍ واختلاف.
وعلى الرغم من أن الرسالة الواردة من الذين ذهبوا لمعاينة الجثة قد برأت ساحة طائفة دانغ، إلا أن المفتشين بأكملهم لقوا حتفهم في ظروف غامضة، فلم يتبقَ من الأدلة سوى تلك الرسالة الوحيدة.
ورغم أن التحالف القتالي أقرّ برسمية الرسالة وصحتها، إلا أن الشكوك ظلت تحوم حولها لدى الكثيرين.
'……"……مع أنني تجشمت كل تلك المشاق في مهرجان تشيلسوك بالتحديد لتبرئة الساحة وتجنب وقوع هذه الكارثة بالذات.'
لقد أصابت خطة الطائفة الشيطانية بتحديد هدفها في طائفة دانغ وحدها كبد الحقيقة وبدقة متناهية؛ إذ لم تتدخل معظم القوى الصالحة، رغم أن الجيش الشيطاني كان يطأ أراضيها ويتوغل فيها.
ولذا، كان العالم الخارجي لا يزال يطلق على هذه المعركة اسم حرب دانغ والشيطان"
فلو أن الطائفة الشيطانية أبادت طائفة دانغ في سيشوان ثم عادت أدراجها حقًا فلن يعدو الأمر كونه انتقامًا شخصيًا للطائفة الشيطانية لا أكثر.
بل يبدو أن الجميع يتمنون أن تُحسم هذه الحرب سريعًا ليتثبتوا مما إذا كانت الطائفة الشيطانية ستنسحب حقًع بعد إبادة طائفة دانغ أم لا.
وجدير بالذكر أن الحرب في رواية لم تنتهِ بالطبع عند حد إبادة طائفة دانغ.
"……."
في حجرة نوم سيد عائلة دانغ في سيشوان.
غرق إي هيون في أفكاره وهو ينظر إلى الخريطة الموضوعة على الطاولة هناك.
فمنذ وقت ليس بلقريب، غدا إي هيون يتردد على حجرة نوم سيد العائلة وكأنها بيته، يقضي فيها معظم وقته باستثناء الأوقات التي يحتاج فيها دانغ هوي إلى الراحة.
فعل دانغ هوي ذلك لأنه أدرك وجود نقاط ريبة كثيرة حول تشون أي، غير أنه آثر استغلال قدراته وكفاءته بدلاً من استجوابه ومساءلته.
وفجأة، نادى دانغ هوي على إي هيون.
"تشون أي."
"نعم، يا سيد العائلة."
لحسن الحظ، بدا وضع دانغ هوي أفضل من المعتاد؛ فبسبب سمّ الجيم كان يجد صعوبةً بالغةً في نطق كلمة واحدة في كثير من الأحيان، أما اليوم فقد ارتسمت على وجهه ملامح أكثر ارتياحًا
"اشرب بعض الشاي لتروّح عن نفسك قليلاً، فإني أراكَ يتملكك الإرهاق."
"أشكرك على لطفك يا سيد العائلة، لكني لا أشعر بالتعب كثيراً."
نظر دانغ هوي إلى إي هيون بملامح جامدة عند سماع ذلك، ثم أطلق زفرةً خفيفة
"إذاً، هل لك أن تعدّ لي بعض الشاي وتأتيني به؟ لقد جفّ حلقي."
"آه، أمرك انتظر لحظةً من فضلك."
"وفيمَ تفعل ذلك، أعدّ لنفسك كوبًا أيضًا."
"……أمرك."
وضع إي هيون أوراق الشاي في إبريق الفخار الأرجواني (المعروف بـالزاساهو) المُسخّن، وسكب عليه الماء الأول ليشطفه بلطف قبل أن يريقه؛ وكان الهدف من التخلص من غسلة الشاي الأولى هو تنقية الأوراق من الشوائب وإبراز عبيرها الزكي بابهى صورة.
وما إن سكب الماء في المرة الثانية ليستخلص الشاي مجدداً، حتى عبق عبيرٌ ناعمٌ وصافٍ في أرجاء الغرفة سريعًا
وبعد أن قدّم كوب الشاي إلى دانغ هوي، ارتشف إي هيون بدوره جرعةً من الشاي الدافيء ومع تسلل الدفء إلى جسده، أدرك إي هيون حينها فقط كم كان مجهداً ومستنزف القوى.
تأمله دانغ هوي بنظرات هادئة، ثم ناول الكوب الفارغ
"يبدو أنك لم تذق طعم النوم البارحة أيضًا عد إلى مقرك اليوم واسترح."
"أنا بخير يا سيد العائلة، بل إن وجودي هنا هو ما يمنحني الراحة والأمان."
"لكنه لا يمنحني الراحة."
"……."
تسبب ذلك الرد المباشر للغاية في سعلة مرتبكة من إي هيون؛ فبالطبع لن يشعر أحد بالراحة حين يظل شخص ما ملاصقًا له طوال اليوم.
غير أن وجود شخص إلى جواره في الحالات الطارئة كان الخيار الأفضل للاستجابة السريعة.
ولعل هذا الفكر هو ما كان يجعل قلبه قلقًا ومضطربًا كلما فكر بالعودة إلى مقره؛ فعندما يخلو بنفسه، تتوارد إلى ذهنه شتى الأفكار والهواجس حول الحرب وبانغ سوول وغيرها، فضلاً عن حالة دانغ هوي الصحية التي لا يُؤمن تقلبها المفاجئ في أي لحظة.
وعندما تردد إي هيون وعجز عن إيجاد جواب، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي دانغ هوي
"رغم أنني على هذه الحال، إلا أنني لست ضعيفًا لدرجة تعجزني عن التصرف أثناء نومك لذا انسحب واسترح."
"……."
وأمام نبرته الحازمة تلك، انحنى إي هيون برأسه في النهاية مستسلمًا
"……أمرك ، سأقوم بتهوية الغرفة لبرهة ثم أغادر فوراً."
"حسنًا."
تقدم إي هيون وفتح النافذة، فانساب هواء الشتاء العليل إلى داخل الغرفة.
رغم أنه شعر وكأنه لم يمر وقت طويل منذ أتى إلى هذا المكان مع إشراقة الصباح، إلا أن الشفق كان يكسو السماء بالخارج.
منذ فترة، كفّ رئيس قاعة الطب والأدوية عن إطلاع حتى المقربين من دانغ هوي على حالته الصحية.
كان ذلك يبعث في النفس شعوراً غريبًا يثير القلق والاضطراب، لكن إي هيون بذل قصارى جهده كي لا يظهر ذلك؛ فمن المؤكد أن دانغ هوي هو أكثر من يعاني اضطرابًا وضيقًا في هذه اللحظات.
ما الذي سيؤول إليه مستقبل العائلة القابع على شفير الهاوية؟ وأين دانغ تاي يول الآن وقد انقطعت أخباره تمامًا؟
لا بد أن رأسه يكاد ينفجر طوال اليوم من كثرة هذه المخاوف والظنون التي يتولد بعضها من بعض.
في الوقت الحالي، كانت الأنباء الوحيدة المتاحة عن مستجدات دانغ تاي يول هي تلك الأخبار المتفرقة التي نقلها المصابون الذين أُجلوا إلى مقر العائلة الرئيس؛ شائعات تفيد بأنه حاول نبش القبر فور سماعه بنبأ مقتل دانغ سا هيون ، وبأنه تعرض للضرب على يد بانغ سوول جراء ذلك.
ويقال إنه بعد تلك الواقعة، ساعد في تقديم الإسعافات الأولية للمصابين دون أن ينبس ببنت شفة، ثم اختفى فجأة ومنذ ذلك اليوم، لا تزال أخباره ومكانه مجهولين تمامًا
وبينما أنهى تهوية الغرفة وأغلق النافذة مجدداً، شعر إي هيون بنظرات تُسلط عليه، فالتفت ليرى دانغ هوي يتأمله بنظرات جامدة.
"يا سيد العائلة، هل هناك ما تود قوله؟"
"لا—"
تمتم دانغ هوي بذلك، ثم صمت لبرهة قبل أن يستكمل حديثه ببطء
"هل اخترت اسمك الرمزي تشون أي بنفسك؟"
"عفواً؟ آه…… نعم، هذا صحيح."
'على الأرجح.'
وعند سماع إجابته، غرق دانغ هوي في تفكيره بنظرات غريبة، ثم نطق
"……أنا أسف."
"عفواً، علامَ تعتذر فجأة يا سيد العائلة؟"
نظر دانغ هوي إلى الشفق الغارب من النافذة، واستطرد وكأنه يحدث نفسه
"لقد أردتُ أن أكون درعًا يحمي العائلة والأقارب، لكني أرى أنني لم أتمكن من حماية أي شيء كما ينبغي……حتى أنت."
"……لا تقل ذلك يا سيد العائلة إنك تؤدي دورك بأفضل طريقة ممكنة أكثر من أي شخص آخر ولا بد أن السلف الأكبر نفسه يندهش الآن وهو يرى إنجازك قائلاً إنه لم يتوقع منك أن تبلي بلاءً حسنًا إلى هذا الحد."
عند سماع ذلك، ابتسم دانغ هوي ابتسامة ساخرة خفيفة، ثم أغمض عينيه ببطء.
"بما أنك تقول ذلك، ينتابني شعور بأنه سيطري عليّ بتلك الكلمات حقًا."
"……."
"لقد عانيت اليوم أيضًا حان الوقت لتذهب وتستريح."
"……أمرك، يا سيد العائلة."
بعد أن أدّى إي هيون التحية بتهذيب واحترام، غادر مقر سيد العائلة وعاد أولاً إلى حجرة تشون أي، حيث نشر الوثائق والأوراق.
ولأنه مجرد مفتش صغير، كانت هناك بضع قضايا صغيرة أخرى وُكِّل إلى تشون أي متابعتها، فكان إي هيون يجلب وثائقها من قاعة السرية ليتفحصها كلما أتيحت له فرصة.
'هذه الوثيقة تتعلق بالتحقيق في وكالة هوا بيونغ المالية.'
وكالة هوا بيونغ المالية هي منشأة تجارية تختص بمختلف المعاملات النقدية والمالية وقد وسعت نفوذها انطلاقًا من سيشوان، وتخطط في الآونة الأخيرة لبسط نفوذها إلى مناطق أخرى.
يقال إنها تقرض الأموال للناس بفائدة منخفضة للغاية، وإذا عجزوا عن السداد، تجد لهم وظائف وأعمالاً بديلة؛ لذا شاع عنها في بعض الأوساط أنها وكالة ذات ضمير حي.
'……بالطبع، ما كانت قاعة السرية لتهدر وقتها في التحقيق مع مكان كهذا بلا سبب.'
وبينما كان إي هيون يتعمق في قراءة تفاصيل الوثائق…
طرق! طرق! طرق!
اخترق الصمتَ صوتُ طرقٍ متسارعٌ وعنيف على الباب.
"المفتش تشون أي! يا مفتش تشون أي!"
فتَح الباب بسرعة!
وما إن فتح إي هيون الباب وخرج، حتى وجد خادم دانغ هوي — الذي بات وجهه مألوفًا لديه — واقفًا هناك بملامح شاحبة كالأموات.
سأله إي هيون بجهامة وعينين متسعتين من الذهول
"ماذا حدث؟"
"سـ، سيد العائلة……! لقد اختفى سيد العائلة!"
"……عفواً؟"
لهّث إي هيون وهو يركض بذعرٍ وهلع حتى وصل إلى مقر سيد العائلة، ليجد الفراش الذي كان يستلقي عليه دائمًا فارغًا تمامًا
وكان قد وصل إلى المكان بضعة شيوخ من فصيل الابن الأكبر، ممن بقوا لحراسة المقر الرئيس لطائفة دانغ.
قال رئيس مجلس الشيوخ بصوتٍ متسارع وهو يقرأ رسالةً بملامح يكسوها الذعر إلى جانب الشيوخ
"لـ، ليس هذا وقت الوقوف هكذا! تفرقوا فوراً وابحثوا عن سيد العائلة! فوراً!"
"أمرك!"
وما إن غادر الشيوخ الغرفة بذهول وهلع شديدين، حتى رفَع إي هيون الرسالة التي تركوها خلفهم بيدين ترتجفان.
—لقد وصل جسدي إلى حده الأقصى، لذا أعتزم المغادرة لأتعامل مع سمّ الجيم بأمان وفي فترة غياب الابن الثاني، أوكل إدارة شؤون العائلة كبيرها وصغيرها إلى رئيس مجلس الشيوخ وحالما يعود الابن الثاني سلّموه مسند سيادة العائلة دون أي إبطاء كما أرجو ممن دعموني طوال حياتي أن يقفوا إلى جانبه بعد توليه سيادة العائلة وأن يبذلوا قصارى جهدهم لأجل مستقبلها.
علاوةً على ذلك، فقد أنهيتُ ورتّبتُ جميع الشؤون التي كنتُ أتولاها في حياتي وما عليكم سوى مراجعة الوثائق المتعلقة بها والاستمرار في إدارتها.
وفي تلك الرسالة التي تنساب كلماتها ببرود وهدوء، وردَ ذكرٌ لإي هيون أيضًا؛ إذ أشار دانغ هوي إلى النصائح السديدة التي قدمها له في حدودٍ تضمن عدم إثارة الشكوك حول تشون أي
—المفتش تشون أي من قاعة السرية موهبةٌ جليلة القدر تستحق الاستعانة بها؛ فلا تُقحِموه في الخلافات والصراعات الداخلية بل قدِّروا موهبته واستعينوا به في المكان المناسب.
وأخيراً، أمر الشيوخ بعدم البحث عن جثتي أو محاولة استعادتها وهذا أَمْري الأخير بصفتي سيداً لهذه العائلة.