304
سلم مسؤول برج الرسائل الرسالة بسرعة ورحل، دون حتى أن يجد وقتًا لينفض الثلج المتراكم على كتفيه.
—مات السيد الثالث لـطائفة دانغ، دانغ سا هيون، في المعركة تم دفن الجثمان مؤقتًا، وسنعيده إلى دياركم فور أن تسمح الظروف بذلك رئيس عائلة هابوك بانغ ،بانغ سوول.
ظل دانغ هوي يحدق في تلك الورقة الصغيرة بين يديه بشرود، وكأنه فاقد لعقله.
ومهما أعاد قراءتها بنظرات تثقب الورق، لم تكن الكلمات المكتوبة تتغير بحال.
"……."
كان بانغ سوول، رئيس عائلة هابوك بانغ الحالي، صديقًا مقربًا لدانغ سا هيون، ولَم يكن لَه مثيل في قُرْبِه منه في هذا العالم.
حتى في الأيام التي لم يكن دانغ هوي يلقي فيها بالاً لأخيه الثالث، كان يعلم بالروابط الوطيدة التي تجمع بينهما.
وكيف لا يكون الأمر كذلك؟
فقد أهداه جواداً أصيلاً يجري في عروقه دم المخلوقات الروحية، لـصبي من طائفة أخرى لا يجلب له أي فائدة تُذكر.
ولم يكن ذلك إلا لرغبته في الاحتفال بعيد ميلاد صديقه.
ولأن هذه الواقعة أثارت ضجة كبير حينها، فإن حتى أولئك الذين لم يعرفوا دانغ سا هيون جيداً، كانوا يعلمون أنه صديق مقرب لابن عائلة بانغ الأكبر.
ولكن...
مقارنة بعمق علاقتهما، جاءت فحوى الرسالة جافة للغاية، حتى بدا النبأ المحتوى فيه غير واقعي على الإطلاق.
رغم علمه بأن الكلمات التي يمكن كتابتها على ورقة صغيرة تُربط بساق طائر هي كلمات محدودة.
وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، لم يكن للرجل أن يبعث له بحديث مفصل أو مشاعر فياضة عن أخيه الثالث على أي حال.
"……."
طقطق الفحم داخل الموقد وتطايرت منه شرارات صغيرة.
ومن خلال النافذة، كانت ندف الثلج الكثيفة تسقط في صمت وكأنها تطبق على العالم أجمع لتغطيه.
أكان هذا هو السبب؟
أن تشعر أطراف أصابعه بالارتجاف رغم أن تشان أي أحضر موقداً إضافيًا إلى الغرفة؟
"آه..."
في تلك اللحظة، خفض دانغ هوي رأسه وقبض بشدة على ثوبه عند موضع صدره.
ومع تغلغل سُم الجيم إلى أعماق جسده، صُبغت حدقتاه المتألمتان بلون أخضر أكثر جلاءً ووضوحًا.
وفيما كان يحاول ضبط أنفاسه المرتجفة، وقعت نظراته على الورقة الصغيرة التي سقطت فوق المكتب.
أغمض دانغ هوي عينيه بقوة، ثم احتضن الرسالة بين يديه الناصعتين في صمت.
***
رفرفه!
مرة أخرى، عُلّقت الأقمشة البيضاء في كل مكان داخل طائفة سيتشوان دانغ.
ولأن جثمان السيد الثالث لم يصل بعد إلى مقر العائلة، فضلاً عن اشتداد رُحاء الحرب، لم تكن الظروف تسمح بإقامة جنازة كاملة ومناسبة.
لذا بدأت عائلة دانغ مراسم العزاء بشكل مختصر؛ فأقاموا قاعة عزاء مؤقتة ووضعوا فيها لوحًا يحمل اسم دانغ سا هيون، واكتفوا بالحد الأدنى من الإجراءات والطقوس.
وكان من المقرر إكمال بقية المراسيم ودفنه في مقابر الأسلاف مستقبلاً، متى ما أمكن نقل الرفات إلى المقر الرئيسي.
وأخذ البخور يتزايد شيئًا فشيئًا في المبخرة الموضوعة أمام اللوح الجنائزي؛ فقد توافد كل من سمع بنبأ مقتل دانغ سا هيون ليقدموا إكرام البخور.
وقصد إي هيون قاعة العزاء بدوره، وأشعل عود بخور إجلالاً لروح دانغ سا هيون.
"……."
وعندما خرج إلى الهواء الطلق وزفر زفيراً طويلاً، تحول نَفَسه إلى بخار أبيض تشتت في الأجواء المتساقطة ثلوجها.
وأثناء سيره في الطريق، كانت تتردد من هنا وهناك في شوارع القلعة الخارجية أصوات متفرقة مفعمة بالحنق والغيظ
"أيُّ طوائف تسع وأيُّ عائلات كبرى خمس هذه؟! تبًا لهم!"
"ظلت تلك الغربان تردد طوال الوقت أن عائلة دانغ تشبه الطوائف الشريرة وما إلى ذلك، أيعتقد هؤلاء الحمقى أنهم سيكونون في أمان لمجرد أنهم حشروا رؤوسهم في الأعشاب؟"
"ههه، يبدو أنهم يظنون حقًا أن طائفة الشياطين ستكتفي بإبادة عائلة دانغ ثم تعود من حيث أتت."
"……لو استمر الوضع هكذا، فربما حتى السيد الثاني—"
"آه، كفّ عن هذا الكلام المشؤوم!"
فبعد رحيل سيد العائلة السابق، خلفه ابنه الأكبر دانغ هوي، لكنه هو الآخر غدا في وضع لا يعلم فيه متى يقتله سُم الجيم
وفي خضم هذه الأحوال، قضى السيد الثالث نَحبه في ميدان المعركة.
في الماضي، كان معظم سكان بلدة عائلة دانغ لا يعرفون عن السيد الثالث شيئًا يُذكر، أما الآن فقد انقلب الوضع تمامًا فلم يكن مبالغة القول إنه لم يعد هناك أحد في بلدة عائلة دانغ — بل في عالم الموريم بأكمله — يجهل إنجازاته وموهبته الفذة.
ولهذا السبب تحديداً، شكّل مقتل دانغ سا هيون صدمة هائلة لأهالي البلدة ولم يكن إي هيون استثناءً من ذلك.
……إذ لم يتخيل قط أن يأتي اليوم الذي يحضر فيه جنازة دانغ سا هيون.
سرى في نفسه شعور غريب وانتابه غثيان مكتوم.
وعندما شعر بجسده يترنح، حثّ خطاه ليخمد تلك الأفكار الصاخبة التي كادت تفجر رأسه.
وبينما كان جرحه يطلق نغزات مؤلمة، بدأت الأفكار التي ملأت ذهنه تتشتت وتتلاشى شيئًا فشيئًا
وبما أن حالة دانغ هوي قد ساءت وأصبح عاجزاً عن إدارة الشؤون، فقد توقفت مؤقتًا مهمة قراءة الوثائق على مسامعه.
ورغم شعوره بالقلق، إلا أنه لم يُسمح له بدخول مخدعه، فلم يكن أمامه سوى التراجع.
وبسبب إصابته، مُنح تشان أي إجازة لعدة أيام، غير أن إي هيون لم تكن لديه أدنى رغبة في الانعزال بغرفته وقضاء الوقت بلا فائدة.
'أولاً، عليّ أن أبدأ بما يمكنني فعله عبر صلاحيات تشان أي.'
ألا وهو: إجراء تحقيق إضافي في حادثة سرقة المخزن السرّي.
وهكذا، سارع إي هيون بخطاه ليكون المكان الذي وصل إليه ليس سوى قاعة البناء والترميم
كانت قاعة البناء والترميم هي المسؤولة عن مختلف أعمال البناء داخل طائفة دانغ؛ فتتولى المشروعات في أرجاء مدينة تشنغدو، وتنفذ عمليات الترميم للمباني القائمة.
كما أن المخزن السري الذي أُغلق بسبب حادثة السرقة تم بناؤه سابقًا تحت إشراف رئيس قاعة البناء والترميم قبل عدة أجيال.
ولهذا السبب، عندما اختفت المقتنيات من المخزن، كان رئيس قاعة البناء هو أول من تم استدعاؤه، وخضع بالفعل لجلسات استجواب متكررة من قِبل قاعة الاستخبارات السرية وقاعة إنفاذ القانون
ومع ذلك، لم يخرجوا منه بأي نتيجة.
وعندما وصل إي هيون إلى قاعة البناء ، تبين أن رئيس القاعة وكبار النجارين كانوا متواجدين في موقع العمل لتعزيز سور القلعة الخارجية.
وعندما اتجه نحو السور، وجد رئيس القاعة يُصدر توجيهاته بالفعل برفقة شخص يبدو أنه خبير في التشكيلات الروحية
وما إن اقترب إي هيون منه، حتى تعقدت قطبة رئيس قاعة البناء بنظرة انزعاج.
"ماذا تريد قاعة الاستخبارات مني هذه المرة أيضًا؟"
كانت نبرته تحمل معاداة واضحة لقاعة الاستخبارات، وهو أمر طبيعي تمامًا بعد أن خضع للاستجواب عدة مرات بسبب قضية المخزن.
بادر إي هيون بإظهار الاحترام لرئيس القاعة أولاً
"الثلج يتساقط والطقس شديد البرودة، تعازينا لجهودكم الشاقة يا كبير النجارين ."
ارتعش حجب رئيس القاعة لبرهة عند سماع تلك الكلمات؛ فبعيداً عن منصب رئيس قاعة الإنشاءات، كان لقب كبيـر النجارين تقديراً له كمعلم وحرفي خشب رفيع الشأن.
وكما هو متوقع، ليُنت نبرة رئيس القاعة قليلاً
"اه ماذا الآن؟ هل تعرّض مخزن سرّي جديد للسرقة أم ماذا؟"
"أيقيع ذلك؟ وبسبب انشغال كبار القادة بأمور الحرب، توليتُ أنا إدارة قضية سرقة المخزن لن آخذ من وقتك الكثير، بل سأطرح بضعة أسئلة بسيطة هنا ولعلمي بأنك تقوم بعمل في غاية الأهمية حاليًا فلن أضيع وقتك."
"……حسنًا لكنني أظن أنني أجبتُ على كل ما يمكنني الإجابة عنه سابقًا."
"بالتأكيد، ولن أزعجك بإعادة طرح ما أجبت عنه من قبل."
"آهه... اتبعني."
تقدم رئيس قاعة البناء أمامه حتى توقف في ساحة خالية مناسبة لا يوجد بها أحد، ثم التفت نحو إي هيون وقال بتعبير ملؤه التوجس
"إذن، ما الذي يثير فضولك إلى هذا الحد؟"
ولما كانت هناك وثائق تُثبت أن رئيس القاعة قد شارك بنفسه في معاينة المخزن القديم وتفتيشه، فلم يكن هناك معنى لإعادة سؤاله عن التفاصيل ذاتها.
"وفقًا للوثائق، يبدو أن حادثة سرقة المخزن وقعت بعد الوفاة المفاجئة لرئيس قاعة البناء والترميم السابق إثر مرض عضال."
"هذا صحيح."
ولعل السبب في قلة المعلومات المتعلقة برئيس القاعة السابق في سجلات التحقيق القديمة يرجع إلى أن الحادثة وقعت بعد مروره عدة سنوات على وفاته؛ فلم يتجاوز الأمر مجرد وجود مدونات تشير إلى تاريخ آخر عملية ترميم خضع لها المخزن السرّي في عهده.
"ألم تسمع من سلفك أي حديث يخص المخزن السرّي القديم؟ حتى وإن كان أمراً في غاية البساطة."
"لا شيء يُذكر كان الأمر يقتصر على ملاحظات عابرة أثناء الفحص الدوري إن كانت هناك أجزاء تحتاج إلى إصلاح وبطبيعة الحال، كنا نخضع لحراسة مشددة في كل مرة نُجري فيها التريممات، فلم تكن هناك أي فرصة للقيام بأي أفعال مريبة."
وبعد تبادل بضعة أسئلة وإجابات
"شكراً لإجاباتك وسأطرح عليك سؤالاً أخيراً؛ أعلم أن لرئيس القاعة السابق حفيداً، فأين يتواجد الآن؟"
"له حفيد بالفعل، لكن ذهابك إليه لن يجديك نفعًا؛ فقد خضع هو الآخر للتحقيق المستفيض من قبل."
"ومع ذلك أكون شاكراً لو أخبرتني؛ إذ يتوجب عليّ الاستفسار منه عما إذا كان قد سمع شيئًا من جده، لتدوين ذلك في السجلات."
حدق رئيس قاعة البناء والترميم إي هيون بنظرة قصيرة، ثم أخبره بسخاء عن مكان سكن الحفيد ولعله ظن أن هذا المحقق الشاب ذو الرتبة المتواضعة لا يشكل أي تهديد، ولن ينجم أي ضرر عن طرحه لمثل هذه الأسئلة ثم المغادرة.
"شكراً لتعاونك."
"ولكن، أهذا وقت الفراغ للتحقيق في حادثة سرقة؟ أليس لدى مكتب الاستخبارات السرية مهام أكثر أهمية لتؤديها؟ فنحن لا نعلم متى تداهمنا طائفة الشياطين... لو أنكم أديتم عملكم كما ينبغي، لربما ما كان السيد الثالث ليقضي نحبه!"
"كلامك في محله، غير أن كبار القادة يبذلون قصارى جهدهم في ميدان المعركة حاليًا ولا بد لشخص مثلي من تولي الأعمال المتراكمة."
"……تبًا."
"إذن سأستأذن بالانصراف، يا كبير النجارين."
انحنى إي هيون بوقار لرئيس قاعة البناء والترميم، ثم واصل سيره.
وبالفعل، وكما قال رئيس القاعة، قد يبدو نبش قضية سرقة المخزن السرّي في مثل هذا الوقت تصرفًا يخلو من الجدية؛ إذ كانت طائفة الشياطين على وشك المداهمة في أي لحظة، وفك أسرار المخزن لن يُعيد الإكسير الروحي الذي اختفى بالفعل.
غير أن إي هيون كان يرى أن كشف غموض هذه القضية قد يفتح منفذاً للخروج من الأزمة الحالية؛ فبالرغم من اتخاد فصيل السيد الأول وفصيل السيد الثاني موقف التعاون لوجود عدو مشترك، إلا أن الثقة الكاملة كانت غائبة بين الطرفين.
وكانت حادثة سرقة المخزن السرّي إحدى الأسباب الرئيسة لذلك؛ فبدءاً من قضية مهرجان أزهار الخوخ وصولاً إلى تتابع الحوادث الأخرى، بات كل طرف يشك في أن الآخر قد يكون خائنًا للأسرة.
والحرب يُديرها البشر؛ وإن لم تُقتلع جذور الشكوك تجاه الحلفاء، فستتراجع الكفاءة إلى أدنى مستوياتها بلا شك.
علاوة على ذلك، لم يتخلَّ إي هيون عن احتمال عودته إلى عالمه السابق.
فلو أنه فَرّط في الخيط الذي يمكنه الإمساك به هنا، وعاد دون أن يكتشف شيئًا... ثم تكررت هذه المأساة واختفت العلاجات النادرة والإكسير الروحي بما في ذلك التنين الأخضر الثمين، فكيف لعقله أن يغفر لنفسه؟
وفي ظل جسد تشان إي المصاب الذي لا يتيح له حرية الحركة، لم تكن هناك مهمة أكثر أهمية من هذه ليقوم بها.
وبعد أن سار مسافة طويلة، وصل إي هيون أخيراً... إلى مقر الرجل الذي قد يحمل بين يديه مفتاح حل قضية سرقة المخزن السرّي.