305
كواك موك جين، حفيد رئيس قاعة البناء والترميم السابق.
كان شابًا يعمل في حرفة النجارة داخل قاعة البناء والترميم كجده تمامًع
ورغم استمراره بالعمل في القاعة بعد الوفاة المفاجئة لجده، إلا أن حريقًا اندلع في منزله تسبب في إصابة شديدة لكتفه، مما أجبره في نهاية المطاف على ترك مهنته.
وعلى عكس ما يُتوقع من سلالة حرفية عريقة أنجبت كبار النجارين جيلاً بعد جيل، كان بيته صغيراً ومتهالكًا ولعل مرجع ذلك إلى احتراق منزله الأصلي في الحريق وانتقاله إلى هذا المكان.
كان الهدف من البحث عن كواك موك جين — الذي ترك عمله في النجارة — بسيطة للغاية
إذ إن أحد أجداده هو من تولى تصميم وبناء المخزن السرّي المعنيّ بالقضية.
وبطبيعة الحال، سبق لكواك موك جين أن أدلى بشهادته مشيراً إلى أنه لم يسمع أي شيء عن المخزن السرّي من رئيس القاعة السابق — أي جده.
ومع ذلك، رأى إي هيون أن هناك ضرورة لمقابلته وجهًا لوجه.
"هل من أحد هنا—؟"
نادى إي هيون وطرق حلقة الباب الخشبي عدة مرات، فُفتح الباب على مهل.
طقطقة…
ظهر رجل من خلف الباب تبدو عليه ملامح الكِبر بأكثر مما توقع إي هيون؛ إذ كان شعره وأثواب لحيته الأشعث يمنحانه مظهر رجل في منتصف العمر للوهلة الأولى.
وما إن لمحت عيناه زي محقق مكتب الاستخبارات السرية ، حتى تحولت تعابير وجهه اللامبالية إلى البرود في لحظة.
"……ماذا تريد قاعة الاستخبارات مني هذه المرة أيضًا؟"
"هل أنت الحرفي كواك موك جين؟"
" أظن أنني خضعتُ من التحقيق بما فيه الكفاية، أليس كذلك؟ غادر المكان."
وعندما شرع كواك موك جين في إغلاق الباب، بادر إي هيون بالحديث بسرعة
"إغلاقك للباب لن يغير من الأمر شيئًا؛ إذ يمكنني تسور الجدار باستخدام الفنون القتالية يتوجب عليّ إجراء التحقيق اليوم بلا أدنى شك، وإن أغلقت الباب فسنفذ ذلك فوراً."
"كيف تتفوه بمثل هذا الكلام……!"
"لكنني لا أرغب في سلك هذا السلوك؛ فذلك مجرد من الأدب مهما كان الوضع إن عائلة كواك قدمت مساهمات جمّة لطائفة دانغ عبر الأجيال وتستحق كل احترام كعائلة حرفية جليلة، ولا أود ارتكاب الوقاحة بحقك وأنت سليلها وأرجو من كرم أخلاقك أن تتفهم موقفي."
"……."
شخص كواك موك جين بنظرات حادة ونظر إلى إي هيون مليًا ثم فتح الباب الخيزراني بنمط بطيء.
"شكراً لك."
وعندما دخل إلى الداخل، لمحت عيناه في عمق الورشة قطع أثاث متنوعة كان قد جرى صنعها.
ضيّق إي هيون عينيه فكراً.
'قيل إن إصابة كتفه منعتها من ممارسة النجارة.'
أيعقل أن إصابته قد شُفيت تمامًا؟
فإن كان الأمر كذلك، فما السبب الذي يمنع كواك موك جين من العودة إلى قاعة البناء والترميم؟
أي نجار يقطن بلدة عائلة دانغ — بل وفي مدينة تشنغدو برمتها — سيتمنى العمل داخل قاعة البناء والترميم؛ إذ تحظى بشرف تنفيذ أعلى مشروعات التشييد مستوى، ناهيك عن أنها الأكثر إدراراً للدخل على الإطلاق.
علاوة على ذلك، تُعد عائلة كواك سلالة عريقة في فن التشييد والعمل بالقاعة أب عن جد.
وإذا ما تحسنت حالته الصحية، فإن عودته تظل أمراً ميسوراً.
ورغم ذلك، فإن عدم عودته تشير إلى شيء واحد.
'لا بد أنها مشكلة تتعلق بالأشخاص.'
فالمخزن السرّي بناه أحد أجداد عائلة كواك وتسبب اختراق ذلك المخزن السرّي في خضوع رئيس القاعة الحالي والعديد من الرفاق لتحقيقات موسعة، وهذا جانب واحد فقط من المشكلة.
أما الجانب الأكبر، فهو أن الطائفة وجدت نفسها في موقف حرج للغاية ومحفوف بالخسائر منذ بداية مواجهتها مع طائفة الشياطين.
فلو لم يُسرق المخزن السرّي، لربما ما مات سيد العائلة السابق.
ولربما ما كان سيد العائلة الحالي ليقف عاجزاً أمام سُم الجيم بهذا الشكل.
ولا ريب أن مثل هذه الأقاويل كانت تلاحقه أينما حل؛ ففي الأوقات العصيبة يبحث البشر دومًا عمن يلقون عليه باللوم.
خاصة وأن سرقة الإكسير الروحي من المخزن السرّي شكلت ضربة موجعة حقًا في هذه الحرب.
ولم يكن من السهل على كواك موك جين العودة إلى قاعة البناء والترميم وسط تلك الأجواء المشحونة.
وفي تلك الأثناء، وبينما كان إي هيون يجول ببصره في أرجاء الورشة، وقعت عيناه على صندوق خشبي ما.
كان الصندوق متقن الصنع بلا شك، إلا أنه لم يكن من الممكن التكهن بالغاية التي صُنع لأجلها.
وبما أنه كان موضوعًا على طاولة العمل وتحيط به الأدوات المنثورة، فمن الواضح أن كواك موك جين كان يعالجه بيده قبل وصول إي هيون لحظات.
وما إن خطى إي هيون داخل الورشة لتفحص الصندوق، حتى لحق به كواك موك جين فارضًا ارتباكه
"لماذا تقتحم المكان دون إذن؟!"
"ما هذا الصندوق؟"
"مجرد قطعة أصنعها لقضاء الوقت ولا فائدة منها."
"يبدو متماسكًا وثابتًا بدقة رغم عدم استخدام أي غراء أو مسامير، فاستغربت ذلك وسألتك إنها مهارة نجارة فذة حقًا."
"……."
"هل هذه تقنية تتوارثها عائلة كواك جيل بعد جيل؟"
"أجل! إنها تقنية التعشيق التي تتوارثها عائلتنا جيلاً بعد جيل! وهي ذات التقنية التي أُنشئ بها المخزن السرّي المعنيّ بالقضية أصلًا، أنت تعتقد في سرّك أن تقنية عائلتنا واهية بدرجة تسمح للصناع باختراقها، أليس كذلك؟! ولا بد أنك جئت اليوم كالعادة لتسأل عن حادثة المخزن لا تحاول التملق والمداهنة بلا فائدة، فذلك يثير غثياني!"
زفر كواك موك جين نَفَسه بحدة وشخص فيه بنظرات ضارية، فما كان من إي هيون إلا أن أومأ رأسه برحابة
"هذا صحيح في الواقع، السبب في مجيئي اليوم هو كما ذكرت، للتحقيق في قضية المخزن السرّي ولهذا الغرض قصدتُ الاستفسار منك عما إذا كنت قد سمعت شيئًا من جدك."
"هه، بالطبع، كان ذلك متوقعًا"
"لكن يبدو أنك تسيء فهم أمر واحد."
"……إساءة فهم؟"
"أنا أرى أن السبب في عدم حل هذه القضية حتى الآن يرجع في الواقع إلى أن ذلك المخزن السرّي قد بُني بإتقان شديد وبأعلى درجات الدقة والكمال."
"……ماذا؟"
"الأمر بسيط؛ فهذا ليس أي مكان، بل هو المخزن السرّي لطائفة سيتشوان دانغ ولم تكن تُحفظ فيه الإكسيرات الروحية الثمينة فحسب، بل شمل أيضًا سمومًا فتاكة لا ينبغي أن تخرج إلى أرجاء العالم قط فهل يعقل أن تستهين طائفة دانغ — أو عائلة كواك الشهيرة ببراعة التشييد — في بناء مكان كهذا؟"
"……."
"لو كانت هناك ثغرة خروج تتسلل منها أجساد البشر وتخالف التصميم الأصلي، لكان نجارو قاعة البناء والترميم قد اكتشفوها منذ زمن بعيد أليس هذا ما يثير حنقك وضيقك يا كبيـر النجارين كواك؟"
"……."
"فأنت تفكر وتقول في نفسك: "بعد كل هذا الفحص والتدقيق، إن لم يتبين أي عيب، فالمؤكد أن المخزن السرّي خالي من أي خلل، وإذاً أليست المشكلة في الحراسة والأمن بالأساس'؟!"
أُطبقت شفتا كواك موك جين بإحكام.
فقد كانت تلك هي الكلمات التي صرخ بها في دواخله مئات المرات.
"لكن في الوقت ذاته، كان المخزن يخضع لحراسة مشددة لا تغفل عنها الأعين ولو لبرهة وبحسب تقديري، لم يحدث هذا الأمر وجود ثغرة هيكلية في المخزن، ولا جراء تقصير في الحراسة."
"وإذاً، فما الذي أدى إلى وقوع هذه الكارثة؟"
سأله كواك موك جين بلا شعور منه، والاضطراب يكسو ملامح وجهه.
إذ لم يكن محققو مكتب الاستخبارات السرية الذين توافدوا إلى هنا من قبل سوى مصدر للإزعاج والاستياء؛ يكررون الأسئلة ذاتها مراراً وتكراراً، وينظرون إليه بريبة وكأنه يخفي شيئًا
أما هذا المحقق القابع أمامه فكان مختلفًا ؛ إذ سرت في نفسه رغبة جامحة لمعرفة ما سيقوله تاليًا دون أن لعلم لهذه الرغبة سببًا
"أنا أيضاً لا أستطيع الجزم بحقيقة الأمر بدقة حتى الآن، غير أن المفتاح لكشف هذا السر يقع بين يديك أنت يا كبير النجارين كواك."
"في يدي أنا؟"
"نعم ورغم أنني لا أعلم ما ماهية ذلك المفتاح، إلا أنه إن كانت ثمة طريقة للتسلل إلى ذلك المخزن والخروج منه، فلن تكون مجرد ثغرة ظهرت بسبب رداءة البناء، بل ممراً مُخططًا ومُصممًا مسبقًا منذ البداية."
جحظت عينا كواك موك جين وجمدتا بدهشة عارمة
"هـ- هل تقصد أن هناك ممراً سرّيًا?!"
"بالضبط."
"لكن جدي لم يخبرني بأي شيء من هذا القبيل قط! بل والأهم من ذلك…… إن وجد مثل هذا الممر، فكيف يعقل أن يجهله سيد العائلة?!"
"لقد اعتلى سيد العائلة السابق منصبه فجأة ودون أي تحضير، إثر الوفاة المفاجئة لأبيه وأخيه الأكبر ومثل هذه الممرات السرّية يغلب أن يُنقل سر الدخول إليها شفاهًا في خفاء تام، بدلاً من تدوين طريقتها في وثائق."
"……ولكن، أليس هذا غريبًا رغم ذلك؟ كيف يتسنى لذلك اللص أن يعرف سرّاً يجهله سيد العائلة نفسه، ليقوم بسلب المقتنيات؟"
"هذا ما ننوي تقصّيه واكتشافه من الآن فصاعداً."
"……."
غرق كواك موك جين — الذي انتابه هياج لبرهة — في التفكير الشديد، ثم قال بنبرة مريرة
"……ولكن، ما الفائدة من فك أسرار ذلك المخزن السرّي بعد كل هذا الوقت؟ فحتى لو انتهت الحرب، لن يعود ذلك المخزن القديم للاستخدام مجدداً."
"الفائدة هي وجوب الكشف عن هوية الخائن الذي غدر بطائفة دانغ ألا تملك الشغف لمعرفة ذلك يا كبيـر النجارين كواك؟"
نظر إليه إي هيون بنظرة ذات مغزى وأردف
"ألا تودّ معرفة من هم أولئك الذين اختلسوا مقتنيات المخزن ولوّثوا شرف جَدّك؟"
اهتزت حدقتا كواك موك جين بشدة عند سماع ذلك.
"ألا يعتريك الفضول لرؤية وجوههم؟"
"……."
أطبق كواك موك جين على أسنانه بقوة دون أن يشعر.
حقًا كان هذا المحقق رجلاً غريب الأطوار.
'حين كان يأتي المحققون الآخرون، لم أكن أشعر سوى بالبؤس والمهانة.'
شعور يشبه أن تكون مجرمًا متقاعسًا
أما عند الاستماع إلى كلمات هذا الشاب، فقد جاشت في صدره مشاعر مشتعلة غريبة؛ رغبة عارمة في استعادة شرف عائلته.
في واقع الأمر، لم يفكر كواك موك جين مليًا من قبل في هوية الجاني الذي نهب المخزن؛ إذ كانت كل سخطه ونقمته موجهة نحو رجال مكتب الاستخبارات السرية وقاعة إنفاذ القانون الذين حاصروه الشكوك، ونحو أولئك الذين يتهامسون خلف ظهره.
ولكن حين أعاد التفكير في الأمر، اتضح له أن عدوه الحقيقي والفعلي لم يكن سوى ذلك اللص الدنيء الذي سرق المخزن وشوه شرف عائلته في التراب.
"……."
ساد الصمت بينهما لفترة طويلة، قبل أن ينقل كواك موك جين بصره ببطء نحو الصندوق الخشبي الذي كان يعكف على صنعه بيده.
"هذا…… أحد الأغراض التي صنعها جدي بيده."
"رئيس قاعة البناء والترميم السابق؟"
أومأ كواك موك جين رأسه
"لقد قال لي ذات يوم إنه إذا استطعتُ فك نظام التعشيق هذا، فإنه سيعترف بي كنجار حقيقي."
وفيما كان يتحدث، تحسست أنامله الصندوق الذي لم يكن يُعرف من أين يُفك أو يُفتح، ثم حرّك بعض أجزائه هنا وهناك بحركة سلسة حتى انفتح الصندوق.
ورغم أنه لم يكن يحوي أي شيء بداخله
"……لكنني لم أتمكن من فتح هذا الصندوق بمفردي."
"ألم تفتحه للتو؟"
"اهه..."
زفر كواك موك جين حسرة ونفض رأسه نفيًا
"أتعلم أن حريقًا قد اندلع في منزل عائلتنا؟"
"نعم."
"في ذلك الوقت، احترق جزء من هذا الصندوق أيضًا وما تراه هنا ليس سوى إعادة ترميم للصندوق الملتهم بالنيران."
ولما أدار إي هيون بصره، وجد صندوقًا يطابق هذا الصندوق، إلا أن أجزاء منه كانت متفحمة وموضوعة في زاوية الورشة.
"إذاً، لقد استنتجتَ هيكل الجزء المحترق من الأجزاء المتبقية وصنعتَ هذا الصندوق من جديد."
"هذا صحيح لذا في الحقيقة، هناك احتمال أن يختلف هيكله قليلاً عما صنعه جدي ناهيك عن أنني صنعته بعد تفحص هيكله الداخلي، فلا يمكنني القول إنني فتحت الصندوق بمهارتي الخاصة."
"ألم يكن هناك أي شيء متبقٍ داخل ذلك الصندوق؟"
هز كواك موك جين رأسه نفيًا
"لا أدري إن كان قد احترق بالنار أم أنه كان فارغًا منذ البداية، لكن عندما أخرجته لم يكن فيه أي شيء."
"أفهم."
"هذا كل ما أعرفه عن جدي، لكنني بصراحة لا أعلم ما إذا كان لهذا الصندوق أي علاقة بالمخزن السرّي ولهذا لم أذكره لمكتب الاستخبارات السرية تحديداً، إذ لم يكن هناك شيء بداخل الصندوق على أي حال."
حدق إي هيون الصندوق بنظرة متأملة لبرهة، ثم قال لكواك موك جين
"هل يمكنك أن تريني كيفية فك هذا الصندوق مرة أخرى؟"
"……حسنًا، لا بأس."
تعلم إي هيون من كواك موك جين طريقة فتح الصندوق وإعادة تركيبه بدقة، ثم غادر منزله.
'……أيعقل أن يكون كل هذا محض مصادفة حقًا؟'
وفاة رئيس قاعة البناء والترميم السابق بصورة مفاجئة جراء المرض، واندلاع الحريق في منزل حفيده الذي كان مفترضًا أن يرث سر مهنته بالذات.
بالطبع، كان هناك فارق زمني كبير بين الحدثين، كما أن رئيس القاعة السابق كان طاعنًا في السن، مما جعل الأمر يبدو طبيعياً دون ما يدعو للشبهة أو الريبة.
غير أن الأمر ظل يساوره بنوع من القلق والغرابة.
وبينما كان يسير مستغرقًا في أفكاره، وجد نفسه قد وصل إلى مقر سيد العائلة الواقع في القلعة الداخلية.
إذ جاء ليتفقد حال دانغ هوي مجدداً بعد أن تملكه القلق عليه.
إلا أن الفناء الأمامي لمقر سيد العائلة كان يضج باضطراب غير عادي؛ إذ كانت خطوات الخارجين والداخلين مشحونة بالهرولة، ووجوههم شاحبة كالموتى.
اقترب إي هيون من الخادم الذي رآه في المرة السابقة — والذي كان يقف عاجزاً عن الدخول وهو يضرب الأرض بقدميه اضطرابًا — وسأله
"ما الذي حدث بالضبط؟!"
أجاب الخادم بوجه أبيض كالقماش وهو يرتعد رعبًا
"سـ- سيد العائلة تقيأ الدم وفقد وعيه……! وبحسب رئيس قاعة الطب والدواء، فإن هذه الليلة قد تكون هي الفاصلة……!"