302
كان دانغ تاي يول الواقف أمامه يبدو أطول قامةً بقليل من ذاك الذي يعرفه إي هيون.
غير أن الفارق الأكبر من الطول تمثل في تلك النظرات الفاتكة التي تكاد تشق البشرة من حدتها وبفضل الهالات الداكنة أسفل عينيه—والتي بدت وكأنه لم يذق طعم النوم لعدة أيام—بدت الهالة المحيطة به أكثر شؤمًا وشراسة.
ولأن إي هيون في الوقت الحالي لم يكن سوى محققٍ بسيط في نظر الجميع، لا أخًا ولا غير ذلك، فلم يكن أمامه سوى الالتزام بالصمت دون أن يجرؤ على التدخل في الحوار.
تولى دانغ هوي الراقد على الفراش الحديث نيابةً عن إي هيون
"……ليس رجلاً مشبوهًا إنه محقق من الاستخبارات السرية "
"ماذا تقول—؟ ههههه!"
هز دانغ تاي يول كتفيه بسخرية، وافتر ثغره عن ضحكة تهكمية واستطرد
"أن تنطق بمثل هذا الكلام ومخزن مقتنيات عائلة دانغ قد تعرض للنهب للتو! كيف لمحققٍ بسيط أن يعثر فجأة وعلى نحوٍ مريب على طريقة لإبطال سم الجيم، في حين عجز عن إيجادها حتى رئيس قاعة ملك السموم ورئيس قاعة الطب والأعشاب؟ بل إن حبة تطهير ألف سم هي إحدى المكونات، ألا يعني هذا أنه قد يكون شريكًا لأولئك الذين نهبوا الخزينة؟"
رمق دانغ تاي يول إي هيون بنظرة حادة وهو يواصل حديثه
"أن يبقى علقًا بجانبك دون أي حراسة أو حذر... يا أخي، لم تكن قط رجلاً متساهلاً بهذه الطريقة! ويبدو أنك تتألم لدرجة جعلتك تتصرف بطريقة لا تمت لك بصلة يظهر أن القيام بدور سيد العائلة قد أصبح شاقًا عليك، فما رأيك أن تتنحى عن المنصب الآن؟"
"……."
يبدو أنه كان يسترق السمع للأحاديث من الخارج.
"آه، أما هذا الفتى المشبوه فسأتولى استجوابه والتحقيق معه بنفسي على أكمل وجه الآن وفوراً."
"……تشان آي اخرج إلى الخارج ولا داعي للعودة مجدداً حتى أستدعيك."
"سيد العائلة."
"إلى أين تحاول الهرب؟"
انقلبت عينا دانغ تاي يول بشراسة وهو يهم بالتقدم خطوة نحو إي هيون، لكن دانغ هوي استوقفه
"أظهر الاحترام والتبجيل لسيد عائلة دانغ."
"……."
نقَرَ دانغ تاي يول بلسانه مستاءً ثم أشاح بنظره.
ولما لم يكن بمقدور إي هيون أن يجعل سيد العائلة يكرر أمره مرتين، لم يكن أمامه سوى الانسحاب من الغرفة ومع ذلك، لم يرجع إلى مقر إقامته مباشرة؛ إذ كانت الأجواء المحيطة تُنذر بأمرٍ غير عادي على الإطلاق.
وبينما كان ينتظر قبالة الباب لبعض الوقت…
طاخ!
لم يدم الصمت طويلاً حتى تعالت أصوات صراخ حادة وتحطم شيء ما برنين مدوٍّ من خلف الباب المغلق.
"سيد العائلة؟!"
عندما فتح الخادم المذعور وإي هيون الباب واندفعا إلى داخل الغرفة، كان دانغ تاي يول يمسك بمعصم دانغ هوي ويلويه بقوة.
وبالنظر إلى وجه دانغ هوي الشاحب كالموت وشظايا الفخار المتناثرة على الأرض، يبدو أن الأواني الساقطة تحطمت أثناء محاولته دفع شقيقه وإبعاده عنه.
ورغم ملامح الذهول التي اعتلت وجه إي هيون، إلا أنه دفع الخادم إلى الخلف بخفة، موصلاً إليه إشارة بعينيه كي ينسحب ويترك الأمر له ليتولى تصريفه.
وعلى الرغم من أن الخادم لم يستطع إخفاء قلقه، إلا أنه انسحب في النهاية خارج الغرفة بحذر.
أعاد دانغ تاي يول لوي معصم دانغ هوي بقوة أكبر، دون أن تتغير نظرة واحدة على وجهه
"كفّ عن المقاومة بلا فائدة، فسوف أستخرجه منك بالقوة على أي حال قد يتعرض شخص آخر لسم الجيم مستقبلاً، أليس من الأفضل أن نُجري بعض التجارب للاستعداد لتلك اللحظة؟"
"……."
عند تلك الكلمات، ارتخت قبضة دانغ هوي المتشنجة.
وعندما رأى إي هيون يد دانغ هوي تسودّ تدريجيًا أدراك ما الذي يفعله؛ لقد كان يستخرج سم الجيم وطردَه خارج جسده.
أخذ سائل أسود يتساقط قطرة قطرة من أطراف أصابع دانغ هوي لينهطل داخل الزجاجة التي أعدها دانغ تاي يول.
وما إن امتلأت تلك الزجاجة الصغيرة إلى حد ما، حتى أغلقها دانغ تاي يول بإحكام بملامح خالية من التعبير.
ظل دانغ تاي يول يحدق في تلك الزجاجة لبرهة بملامح توحي بأنه على وشك قتل أحدهم، ثم تمتم بصوت خفيض
"يبدو أمراً مريبًا بالفعل."
تشسس!
وفي لحظة خاطفة، أطلق إبرة كبيرة بصورة مفاجئة، ليتحاشاها إي هيون دون وعي منه باستخدام خفة حركة بَرق
"……."
"……."
خيم صمت كالمقابر على حجرة سيد العائلة.
ورأى إي هيون دانغ تاي يول ينهض ببطء بملامح تقطر شراسة، فتردد وتراجع خطوة إلى الخلف.
'ل ،اللعنة……!'
لقد قُضي عليّ.
فمنذ أن أمسك دانغ غا غيوم بتلابيب إي هيون، كان دانغ هوي يخضعه لتدريبات مراوغة قاسية عبر شن هجمات مباغتة عليه بين الحين والآخر دون سابق إنذار.
فحين يقول له "صباح الخير يا أخي"، يجيبه "أهلاً" ثم يطلق نحو أسلحة مخفيةفجأة.
ولم تكن تلك الفترة طويلة، إلا أنها جعلت حواسه أكثر حدة من المعتاد.
ولذا، قبل أن يحلل عقله هجوم دانغ تاي يول المفاجئ، استجاب جسده وتفاعل تلقائيًا
شووو!
شو-شو-شووو!
وكأن الهجوم السابق كان مجرد دعابة، تطايرت مجموعة من الإبر الكبيرة متتابعة بسرعة أشد حدة وشراسة.
انغرزت إبرتان في ذراعه بينما خدشت أخرى خده.
وفي تلك اللحظة بالذات، ودون أن يدرك متى اقترب منه، استقر دانغ تاي يول خلف إي هيون ولَوى ذراعه ليطرق رأسه بعنف في الأرض.
طاخ—!
"كح."
"محقق بسيط يتقن خفة حركة بَرق التي لا يتعلمها سوى أفراد السلالة المباشرة؟ من تكون بحق السماء؟ وممن تعلمتها؟"
'لقد تعلمتها منكم أنتم……!'
كان يتمنى لو صرخ بها في وجهه، لكن كلامًا كهذا لم يكن ليفيد أو يُصدق.
حتى دانغ هوي كان يرمقه بنظرات مريبة وكأنه بدأ يشك فيه هو الآخر.
في تلك اللحظة، أدخل دانغ تاي يول أصابعه بالقوة داخل فم إي هيون، وأخذ يفتش منطقة الأضراس بدقة، وكأنه يظن أنه قد يخفي هناك سمًّا للانتحار كعادة القتلة المأجورين.
"كح! غصة!"
وما إن سحب أصابعه حتى شعر بإغماءة وتقيؤ لا إرادي وبينما كان إي هيون يسعل بشدة، افتر ثغر دانغ تاي يول عن ابتسامة خبيثة
"أجل، أجل لن تكون هناك متعة إن اعترفت بسهولة."
تغ!
ضغط دانغ تاي يول بسرعة على نقاط الطاقة لـإي هيون لشل حركته ثم قبض على شعره بقسوة ورفع وجهه إلى الأعلى.
وهمس في اذنه
"يمكنني إجبارُك على الاستفراغ بالاعتراف شيئًا فشيئًا ابتداءً من الآن أساليب التعذيب لدى عائلة دانغ متنوّعة تمامًا ، لذا لن تشعر بالملل—"
"في الحقيقة، أنا الابن الخفيّ لسيد العائلة السابق!"
"……."
"……."
خيّم الصمت الثقيل على الغرفة مرة أخرى.
"……ما هذا الهراء الذي تفوهت به للتو؟"
في تلك العبارة القصيرة، تقاطعت ملامح الذهول مع الغضب في لحظة خاطفة.
وإدراكًا من إي هيون بأنه سيُطرق رأسه في الأرض مجدداً إن لم يستغل الفرصة، واصل حديثه دون إعطائه مهلة لتدارك الأمر
"هذا صحيح! كان سيد العائلة السابق أبي بالفعل وهو من علمني خفة حركة بَرق بنفسه وإلا كيف يمكنني كشخصٍ عادي أن أسرق وأتعلم تقنية خفة حركة لا يُسمح باستخدامها إلا للسلالة المباشرة؟!"
الفنون القتالية العالية المستوى مثل خفة حركة بَرق لا تُورّث إلا لأبناء سيد العائلة القادرين على المنافسة على منصب السيد الشاب.
أمّا أفراد الفروع الذين استُبعدوا ولم يتمكنوا من غزو منصب السيد الشاب، فيُحظر عليهم تعليم هذه الفنون لأبنائهم.
ولو كُشف أمرهم وهم يفعلون ذلك، لن ينجوا من عقابٍ صارم وقاسٍ، لذا لم يكن هناك سبب يدعو أحداً للمخاطرة والمغامرة بانتهاك ذلك القانون.
وبإيجازٍ شديد، إن كان تشان آي قد تعلم خفة حركة بَرق من أحدٍ ما كما قال إي هيون، فإن المعلم الأكثر ترجيحًا لن يكون سوى دانغ تشونهوا
"……."
يبدو أن كلامه كان منطقيًا إلى حدٍّ ما، إذ ارتخت قبضة دانغ تاي يول الممسكة بشعره قليلاً، مستغلًا ارتباكه هذه الفجوة وتابع ثرثرته بلسانٍ ذلق
"بالطبع، لم أستخدم الفنون القتالية التي تعلمتها من أبي أمام الآخرين، ولم أعلّمها لأي شخصٍ قط لقد علمني إياها فقط لأحمِيَ بها نفسي عند الضرورة القصوى وفي الواقع، لم تكن لدي أي نية لكشف هويتي الحقيقية على الإطلاق."
صمت دانغ تاي يول لفترة وجيزة وكأنه يفكر مليًا ثم ما لبث أن عاد ليعتصر شعره الذي ارتخت قبضته عنه قبل قليل، ورفع وجه إي هيون إلى الأعلى مجدداً.
"آه!"
"إن كان كلامك صحيحًا ، فلا يوجد سبب يدعو والدي لإخفائك أنت وأمك لقد مر وقت طويل منذ اختفاء السيدة الأولى، ولو كنت من نسله حقًا لقدم أمك لتكون السيدة الأولى الجديدة وجعلك فرداً من عائلة دانغ فهل لديك طريقة لتثبت بها صحة ادعائك؟ إن لم تكن تملك دليلًا، فسوف أجعلك تفارق الحياة وسط آلام فظيعة لا يمكنك حتى تخيلها، عقابًا لك على إهانة سيد عائلة دانغ."
"بالطبع، لدي دليل."
"……لديك دليل؟"
"نعم ، ألم تتلقيا كتاب الفنون القتالية مباشرة من سيد العائلة السابق عندما تعلمتما فن توجيه الشموس الثلاثة
؟"
"……."
لم يجبا على كلامه، غير أن ردة فعلهما جعلت إي هيون يدرك أن حدسه كان في محلّه.
فحين غادر إي هيون إلى هيبي بحجة الاستجمام والعلاج، كان قد تلقى كتب الفنون القتالية من دانغ تشونهوا أيضًا
وكان من بينها كتاب سرّي لـفن توجيه الشموس الثلاثة التي أتقنها كلاهما.
ورغم أن إي هيون اختار اسلوب القلب العناصر الخمسة بدلاً منها، إلا أنه ألقى نظرة سريعة على كتاب التقنية الأخرى أيضًا
"في أجزاء متفرقة من ذلك الكتاب السرّي، ترك سيد العائلة السابق شروحات وتوضيحات بخط يده لتسهيل الفهم عليكما ألا تتذكران ذلك؟"
كانت صفحات تقنية اسلوب القلب العناصر الخمسة نظيفة تمامًا لأن دانغ تشونهوا لم يمارسها بنفسه، أما كتاب تقنية توجيه الشموس الثلاثة فكان مليئًا بالشروحات والتوضيحات التي بدا أنه كتبها خصيصًا لأبنائه.
ومثل هذه التفاصيل والشواهد الشخصية الدقيقة لا يمكن لجاسوسٍ تسلل إلى أعماق عائلة دانغ أن يعرفها بأي حال.
"بالطبع، كان بمقدوره إحضاري رسميًا إلى العائلة لكن أمي هي من رفضت ذلك! فقد سمعتُ أنكما تعرضتما للمضايقة والتحيز منذ الصغر لكونكما ابنين بالتبني فقط ……. وكان أبي يساوره القلق بشأن هذه المسألة أيضًا."
"……."
وما إن ظهرت ملامح الاضطراب والحيرة على وجهَي دانغ هوي ودانغ تاي يول، حتى انتهز إي هيون تلك الفجوة ووجّه ضربته القاضية بنبرة تعتصر حسرة وألمًا
"وأنا كذلك لم أكن أرغب في أن أُلقى فجأة في معركة صراعات عائلة دانغ القذرة في هذا الوقت بالذات غير أنني، بعد أن سمعتُ عنكما…… بل عن إخوتي الثلاثة الكبار عبر الأحاديث فقط، تملكني الفضول لرؤيتكم كما أنني كنت أعتبر قلعة عائلة دانغ موطني دائمًا في أعماق قلبي ولهذا السبب انضممتُ إلى قاعة الاستخبارات السرية برغبةٍ مني في تقديم العون لسيد العائلة وللعشيرة أرجوكم، صدقوني……!"
'أنا أؤلف رواية بحق!'
كان يمثل ببراعة ووقاحة شديدة لدرجة أنه شعر بذلك في نفسه
ولسببٍ ما، خُيل إليه أنه يرى وجه دانغ تشونهوا أمامه مرتسمًا بتعبيرٍ يعلوه الوجوم والامتعاض.
'سيد العائلة دانغ، أنا آسف جداً... ولكن لا بد للأحياء من التمسك بالحياة والاستمرار، أليس كذلك؟'