301
لكن دانغ هوي لم يستطع التحدث على الفور.
ظل إي هيون خافضًا رأسه، ينتظر في صمت حتى تهدأ آلام الآخر ولو بقليل.
وفي خصب هذا الصمت الثقيل، لم يكن يُسمع سوى أنفاسه المجهدة والمتعثرة، ليجد إي هيون نفسه يعض على باطن شفته رغمًا عنه.
'لماذا عذتُ إلى هذا الإطار الزمني بالذات؟'
لو كان مقدراً له المجيء إلى هنا، لكان ينبغي أن يكون ذلك قبل بضعة أشهر على الأقل.
لو حدث ذلك، لما ترك دانغ هوي يصل إلى هذه الحالة المزرية.
كان إي هيون يعلم تمام العلم مدى الألم الفظيع الذي يتحمله دانغ هوي ليصمد حتى الآن؛ ففي الوضع الطبيعي، كان من المفترض أن يكون قد فارق الحياة منذ زمن.
ولم يكن ما أوصل دانغ هوي إلى هذه الحالة سوى السم.
ربما يجد من يستمع إلى هذا الأمر أنه غير منطقي أو سيسخر قائلاً
"كيف لسيد عائلة سيتشوان دانغ مهما كان حديث السن، أن يقع ضحية للسم؟"
لكن السم الذي أصابه لم يكن سمًّا عاديًا بالطبع.
بل كان سم طائر الجيم
ذلك الكائن الروحي المميت الذي لا يتغذى إلا على المخلوقات شديدة السمية، والذي تجف الأشجار والنباتات وتحترق لمجرد تحليقه في السماء فوقها.
كل جزء في طائر الجيم، من رأسه إلى أخمص قدميه، ينضح بـسمّ قتال، ولكن أشدها خطورة وضراوة هو كيس السُمّ الخاص به بلا منازع.
وكان ما ينهك جسد دانغ هوي ويقتات عليه هو سمٌّ نقع أُستخرج بعصر ذلك الكيس تحديداً.
ولا بد أن أوغاد طائفة الشياطين قد ضحوا بأرواحٍ لا تُحصى بطريقة وحشية فقط للحصول عليه.
وما لم يكن المرء قد بلغ مرتبة مناعة الأجساد ضد جميع السموم المذكورة في الأساطير، فمن الغريب ألا يموت فوراً بعد تعرضه لـسم الجيم.
لكن دانغ هوي لم يمت فورًا في مكانه.
لأنه كان قد أتقن بالفعل الفن الإلهي لعودة كل القوى إلى أصلها ، وهو المستوى التالي لفن
تقنية عودة المسارات الثلاثية المضيئة إلى الأصل ،والمهارة الإلهية المنقطعة النظير لعائلة سيتشوان دانغ.
وكان ذلك هو السبب بعينه الذي جعل حدقتيه تصطبغان باللون الزمردي الشفاف في الوقت الحالي.
فبفضل القيام بهذا الفعل المجنون والمتمثل في تشغيل الفن الإلهي دون انقطاع تقريبًا لدرجة أن لون حدقتيه استقر على اللون الأخضر، لم يستطع سم الجيم قتله حتى الآن.
لقد كانت قوة روحية وقوة إرادة تتجاوز حدود البشر.
وهكذا، استطاع دانغ هوي العودة إلى مقر العائلة الرئيسي دون أن يموت في ساحة المعركة، إلا أن فن الإلهي لعودة كل القوى إلى أصلها لم يزد عن كونه يتباطأ في سرعة تفشي السم دون أن يمتلك القدرة على تحليله وإبطاله بالكامل.
'……بالنظر إلى التوقيت، لا بد أنه مكث على هذه الحال لعدة أشهر بالفعل.'
أن يحاولوا قتل سيد عائلة سيتشوان دانغ بالسم... ربما ينطوي الأمر على نية لكسر عزيمة هذا الطرف، لكنه أسلوب تفوح منه رائحة السخرية والخبث بما يتجاوز ذلك بكثير.
وكأن آلامه قد انحسرت قليلاً، حرك دانغ هوي شفتيه الجافتين وقال بصوتٍ مبحوح ومتحشرج
"سمعتُ أنك تقصيتَ وضع ساحة المعركة التي تواجد فيها الابن الثالث ورغم أنني تلقيتُ تقريراً يفيد بفقدانك للذاكرة…… إلا ألا يوجد شيءٌ تتذكره؟"
"سأخبرك بكل ما أستطيع وفقًا لما أسعفتني به ذاكرتي."
بالطبع، لم يكن لدى إي هيون أي ذكريات بصفته المفتش تشان إي ، لكنه كان على دراية بتحركات دانغ سا هيون في هذا الإطار الزمني.
وما إن رفع إي هيون تقريراً مفصلاً للغاية، ضمن الحدود التي لا يُستغرب أن يعلمها مفتش مبتدئ مثل تشان إي، حتى برقت عينا دانغ هوي ببريقٍ عجيب ومندهش.
"……يتطابق مع ما ورد في الرسالة الزاجلة رغم أنك تبدو صغيراً في السن، إلا أنك مفتشٌ بارع."
"لطفك كبير يا سيد العائلة."
"والابن الثالث... ألم يُصب بأي أذى؟"
"……أجل. بالطبع كانت هناك خدوش وجروح طفيفة، لكن عندما تحققتُ منه لآخر مرة، لم يبدُ عليه أنه يعاني من إصابة جسيمة."
"……هذا يدعو للارتياح."
"……."
تق.
تق.
'عجبًا'
وفي تلك اللحظة، هطلت قطرات دموع غزيرة من عيني إي هيون لتبلل الأرضية.
تسبب هذا الموقف المفاجئ في إرباك إي هيون ودانغ هوي على حد سواء.
"لماذا تذرف الدموع؟"
"أعتذر…… لعرضي هذا المشهد المخزي."
"……."
في الواقع، لم تكن علاقة دانغ هوي بـدانغ سا هيون في رواية دافئة بأي حال من الأحوال
ورغم أن نوعًا من الثقة المتبادلة قد نشأ بينهما خلال أحداث الحرب، إلا أنها لم تكن تشبه المحبة العائلية قط.
فبدلاً من رابطة الأخوة، كانت أقرب إلى ثقة بين رفقاء السلاح في ميدان المعركة.
وحتى كلماته قبل قليل، لم تكن نابعة من القلق على أخيه بقدر ما كانت تعبر عن ارتياحه لعدم تضرر إحدى القوى الضاربة والحيوية للعائلة.
وفوق كل ذلك، لم تكن تلك الكلمات موجهة إليه هو القابع هنا الآن، بل كانت موجهة نحو دانغ سا هيون الحقيقي.
ومع ذلك…
في اللحظة التي تمتم فيها دانغ هوي مع نفسه بأنه مرتاحٌ لسلامة الابن الثالث، جاشت في صدر إي هيون مشاعرُ يعسر وصفها
"……."
بما أن توجيه كلمة واحدة يتطلّب منه مشقة بالغة، فإن الانصراف فوراً كان ليكون التصرف الأنسب لمصلحته.
ولو غادر الآن، فقد لا تسنح الفرصة لمبتدئ مثله لرؤيته مجدداً حتى لحظة وفاته.
فـدانغ هوي لن يتمكن من مغادرة هذا الغرفة أبداً.
ولأنه يدرك هذه الحقيقة، لم تطاوعه قدمه على الابتعاد والخروج.
"……هل هناك."
"……؟"
"هل هناك شيءٌ يمكنني فعله من أجلك، يا سيد العائلة؟"
ارتسمت على وجه دانغ هوي ملامح الحيرة والعجب، لكن إي هيون لم يتوقف واستمر في حديثه
"أي شيءٍ سيكون مناسبًا سواء كان تنظيف مقر إقامتك، أو تذوق طعامك لاختباره أي عملٍ بسيط مهما كان."
"……لماذا تقول مثل هذا الكلام أساسًا؟"
"لأنني أرغب في أن أكون عونًا لسيد العائلة ألا تحتاج إلى خادمٍ بسيط يتقن فن السموم ؟ لو كان تحت إمرتك خادمٌ يتقن التعامل مع السموم، لربما استطعت الاستفادة منه في أمورٍ كثيرة"
صمت دانغ هوي لبرهة، ثم تمتم كمن يحدث نفسه
"……أأنت مبعوثٌ لاغتيالي؟……"
"……كلا، لستُ كذلك."
ابتسم دانغ هوي ساخراً وسعل ضحكة خفيفة
"إنها مجرد دعابة ففي حالتي الراهنة، لا حاجة بهم حتى لإرسال قاتلٍ مأجور لاغتيالي."
"……."
"ولكن…… لا أفهم السبب فلن يعود عليك أي نفعٍ يُذكر…… من محاولة التودد إليّ في هذا الوقت."
"……لأنك ذكرتني بأخي الأكبر."
"……أخوك الأكبر؟"
"نعم ، فسيد العائلة يشبه أخي الأكبر إلى حدٍّ كبير."
"……آه، ألهذا السبب إذاً؟ تلك الطريقة الوقحة والمسترسلة في الحديث وكأنك تشعر بالألفه إليّ على نحوٍ غريب."
"……أعتذر منك."
حدق دانغ هوي في الفراغ للحظة، ثم قال ببطء
"……لا بأس على أي حال فأنت أيضًا لن تتمكن من الخروج في مهام خارجية لبعض الوقت بسبب إصابتك."
"إذاً—."
"صادف أنني بحاجة إلى شخصٍ يقرأ لي الوثائق في هذا الوقت تحديداً ، تعالَ إلى مقر إقامتي، وواصل القدوم حتى أبلغك بأنني لم أعد بحاجة إليك"
"شكراً لك، يا سيد العائلة!"
***
وفي صباح اليوم التالي.
وعندما حلّ الوقت المتفق عليه، اتجه إي هيون إلى مقر إقامة سيد العائلة ويبدو أن دانغ هوي قد أعطى أوامره مسبقًا إذ لم يعترضه أحد طوال طريقه حتى وصل إلى قبالة غرفته.
وكان يفكر بالعودة في حال كان لا يزال نائمًا إلا أن دانغ هوي كان قد استيقظ في ساعة مبكرة كعادته أيام صحته، واستكمل تناول وجبة خفيفة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان يمارس مهامه كـسيدٍ للعائلة ببراعة حتى وهو في هذه الحالة الجسدية الحرجة.
ويبدو أنه كان يقرأ الوثائق بنفسه في البداية، غير أن حالته تدهورت قبل أيام، حتى أصبح حمل وثيقة واحدة أمراً شاقًا عليه؛ ولهذا السبب تحديداً طلب شخصًا يقرأ له الوثائق.
فحين كان إي هيون يقرأ محتوى الوثائق بصوتٍ عالٍ، يصدر دانغ هوي قراراته بصفته سيد العائلة، بينما يتولى الكاتب الجالس بجانبهما تدوين تلك الأوامر.
وفي أثناء هذه العملية، كان إي هيون والكاتب يراقبان بعضهما؛ ليتأكد الكاتب من صحة قراءة إي هيون للوثائق، وليتأكد إي هيون من دقة تدوين الكاتب لأوامر سيد العائلة
تطورت الأوضاع في ميدان المعركة، شؤون العائلة الجليلة والحقيرة، ومختلف التقارير والطلبات الواردة من الخارج…….
كانت الوثائق تنهال كالأمواج دون انقطاع، ومع ذلك، استمر دانغ هوي في اتخاذ القرارات السريعة والدقيقة ومعالجة القضايا المتراكمة، رغم الآلام المبرحة التي تكابدها جوارحه.
وعندما راقب إي هيون طريقة معالجته للأمور، أدرك الحقيقة
إن دانغ هوي يرتب الأمور لما بعد موته.
وكان هذا السبب بعينه هو ما يدفعه للصمود والتحمل رغم وصول جسده إلى هذه الحالة.
فحتى لو كان الخلف الذي سيتولى القيادة بارعاً، فإن التغيير المفاجئ في رأس العائلة سيؤدي بها إلى فوضى محتومة؛ إذ إن استيعاب الحاكم الجديد لكل ما أنجزه سلفه سيتطلب وقتاً ليس بالقليل
بل إن الأوضاع الراهنة حربٌ قائمة، مما يجعل وجود مثل هذا الفراغ أكثر خطورة وكارثية.
وبما أن العائلة مقبلة على تغيير مقاليد الحكم مرتين متتاليتين خلال فترة وجيزة، فقد أراد إنهاء التسويات بقدر الإمكان للحد من تلك الفوضى، قبل أن يسلم المقبض لـدانغ تاي يول.
وما إن انتهت الأعمال العاجلة التي وردت للتو، حتى قال دانغ هوي
"……لقد عملت بجد يمكنك الانسحاب والانتظار في الوقت الحالي."
"أمرك، يا سيد العائلة."
وبعد أن غادر الكاتب الذي عمل مع إي هيون الغرفة، ظل إي هيون واقفًا في مكانه دون حراك.
"سيد العائلة، هل تسمح لي بتنظيف الغرفة قليلًا ؟"
"……ليس في هذه الغرفة أي وثيقة مهمة على كل حال."
'هل تحول الاتهام من معاملتي كـقاتل مأجور إلى معاملتي كجاسوس؟'
"حتى لو كان بها شيء، فسوف أتعرض للتفتيش عند الخروج، فما الذي يمكنني أخذه معي؟"
"……أنت فتى غريب الأطوار افعل ما تشاء."
ولأن دانغ هوي كان يحبس طاقة سم الجيم المميتة داخل جسده، فإن الخدمات الخفيفة والسريعة لم تكن تشكل خطورة كبيرة على إي هيون.
ومع ذلك، لم يكن من المستحسن أن يمكث الخدام العاديون لفرة طويلة داخل هذه الغرفة.
ولهذا السبب، لم تكن غرفة سيد العائلة تحظى إلا بالحد الأدنى من العناية والتنظيف وبما أن العائلة في حالة حرب، لم يكن لدى أولئك الذين يمتلكون مناعة ضد السموم أي طاقة أو وقت للفراغ للقيام بأعمال الخدمة البسيطة.
قام إي هيون بتهوية المكان واستعارة الأدوات لتنظيف الحجرة بعناية فائقة، وأثناء ذلك جال خاطر في ذهنه
'ألا توجد طريقة لإنقاذ دانغ هوي بأي شكل؟ باستخدام المعرفة التي أمتلكها؟'
'لو كانت حبوب الإلهية لتطهيرعشرة آلاف سم التي صنعتها ياكسون.'
ألن يكون بمقدور تلك الكبسولات تحسين حالته ولو قليلاً؟
عندما كان في هابوك، سلمت ياكسون طريقة تركيبها إلى إي هيون، ولحسن الحظ، كان إي هيون يحفظ تلك المكونات والوصفة عن ظهر قلب.
لكن المشكلة تكمن في
'……أن تلك المكونات بلا استثناء يصعب الحصول عليها للغاية.'
فالمكونات الأساسية تشمل حبوب تطهير مئة سم وعشبة الجرس الذهبي وحبوب الالف سموم وهو الترياق الخاص بعائلة دانغ لذا يمكن تدبر أمرها، لكن الحصول على عشبة الجرس الذهبي يستلزم التواصل مع مجموعة تشو ريونغ التجارية الواقعة في أراضي ليونينغ البعيدة حتى عن هابوك.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تضمنت الوصفة مكونات نادرة لا يمكن شراؤها بالمال وحده، مثل فطر روح التنين و بذور لوتس ثلج جبل السماء
'لكن لا مفر من المحاولة.'
لو لم تكن هناك طريقة مطلقًا لكان الأمر مختلفًا ، لكن كيف يمكنه ألا يحاول وهو يعلم بوجود ترياق على هذه الدرجة من الفاعلية والقوة؟
'ياكسون، أنا آسف.'
كان إي هيون قد قطع وعداً لـياكسون بأنه لن يسلم طريقة تركيب الحبة الإلهية لتطهير عشرة آلاف سم إلى عائلة دانغ.
ولَوْ أمكنه لطلب إذنها أولاً، لكنه لم يكن يعرف مكانها في الوقت الحالي على الإطلاق.
فشخصية ياكسون لم تظهر بشكل مباشر في رواية قط.
بل وحتى لو حالفه الحظ والتقى بها، فلن يكون لطلب الإذن من ياكسون الموجودة في هذا العالم أي معنى يُذكر.
قدم إي هيون اعتذاره لـ ياكسون في داخله مجدداً، ثم وقف أمام دانغ هوي
"سيد العائلة، لدي أمرٌ أود إخباركم به."
ثم شرع إي هيون يشرح لـ دانغ هوي وصفة الحبة الإلهية لتطهير عشرة آلاف سم ملمحاً إلى أنه عثر عليها بمحض الصدفة والقدر أثناء مهمته الأخيرة.
"……حبة إلهية تتضمن حبة تطهير الالف سم بين مكوناتها؟"
"……نعم."
"……عندما سُرقت مقتنيات المخزن الخزينة في المرة السابقة، اختفت حبة تطهير ألف سم معها أيضًا يبدو أن أحدهم أجرى أبحاثه عليها بعد تسريبها في ذلك الوقت……."
لو لم يُنهَب المخزن الخزينة، لاضطر إلى تقديم أعذار واهية ومبتذلة بشأن تلك الجزئية، ولكن من حسن الحظ أن دانغ هوي اقتنع الأمر بتلك الطريقة.
وإن كان لا يدري هل يُعدّ هذا من حسن الحظ حقًا أم ماذا.
"لقد تحققتُ من فاعلية الترياق بعيني مباشرة ورربما يكون له تأثيرٌ ما حتى على سم الجيم—."
طاخ—!
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بعنف وخشونة.
"إ، إن دخلتَ فجأة هكذا……!"
اقتحم الزائر الغرفة دون أن يكترث لمحاولات الخادم الذي حاول منعه عند الباب
توقف عن السير فجأة، ثم رمق إي هيون بنظراتٍ حادة كالسيف
"هاه، هل بدأتَ تفقد عقلك شيئًا فشيئًا؟ حتى تُدخل كلبًا مشبوهًا كهذا إلى مجلسك."
لقد كان دانغ تاي يول.