297
أخذ بانغ سوول يتفقد الأعمال المتراكمة واحداً تلو الآخر خلال فترة غيابه؛ فقد أراد ترتيب كل الأمور وإصلاحها ببراعة دون ترك أي ذيلٍ للشبهات قبل توجهه إلى سيتشوان.
'حبذا لو استطعت رؤية وجه بايك ريم قبل المغادرة.'
لكن بما أنه كان يخوض تدريب العزلة المغلق حاليًا فقد كان ذلك أمراً مستحيلاً.
زار بانغ سوول ورشة إي هيون الواقعة في بكين بناءً على طلبه.
كان المكان المخصص لتعليق اللافتة فوق الباب الرئيسي ما يزال فارغًا إذ لم يُعلّق الاسم الجديد بعدُ منذ أن أزيلت لافتة طائفة بونغ دو
وكان هذا طبيعيًا فهم لم يحددوا اسمًا للورشة حتى الآن.
طرق الباب وانتظر قتيلاً، فخرجت كل من غيوم ران و مو ليان لترحبا به في منتصف عملهما.
ولعل السبب في عدم وجود أحدٍ غيرهما هو أن الورشة لم تبدأ عملها الفعلي بعد.
قالت غيوم ران بملامح يعلوها الاعتذار
"نعتذر منك يا السيد الشاب الأكبر لآل بانغ، فالأنحاء هنا ما زالت تعمّها الفوضى ولم تُرتّب بعد"
"لا عليكِ إطلاقًا، لقد جئتُ فقط لأوصل أمراً طلب مني السيد الشاب الثالث لآل دانغ تسليمه لكما."
"يا إلهي، أكان ذلك من السيد الشاب الثالث لآل دانغ؟"
قدّمت مو ليان فنجان الشاي بوجهٍ خالٍ من التعبير، فبادلها بانغ سوول بتحية خفيفة وبعد أن ارتشف جرعةً من الشاي، جالت عيناه في المكان وغمغم
"لكن يبدو أنه لا يوجد أي مستخدمين أو عمال هنا بعد هل أنتُما بمفردكما؟"
"أجل، فقد ذكر السيد الشاب الثالث لآل دانغ أن هناك أحاديث ومسائل يتعين عليه إتمامها أولاً ولذا رأينا أنه من الأفضل توفير النفقات قدر الإمكان حتى ذلك الحين، ونقوم أنا و مو ليان بإدارة المكان بمفردنا."
"فهمت وهل هناك ما يضايقكما أو يزعج إقامتكما هنا؟ لقد شدد عليّ السيد الشاب الثالث لآل دانغ أن أسألكما عن هذا تحديداً."
"نحن بخيرٍ تام! فالسيد بونغ زعيم الطائفة الذي كان يشغل هذا المكان سابقاً قد نظّف المنزل الريفي تمامًا قبل مغادرته، بل وترك خلفه كميةً لا بأس بها من المؤن والأغراض الصالحة للاستخدام."
وكما قالت، فقد قام بونغ دو جين بتنظيف الضيعة بعنايةٍ فائقة وإخلائها، غير أنه ترك الأغراض التي قد يحتاجها من سيسكنون هنا فوراً بشكلٍ يدعو للامتنان، مع ورقةٍ صغيرة كُتب فيها أن بإمكانهم التصرف بالباقي كما يشاءون.
ثم اختفى من بكين دون أن يودع غيوم ران وداعًا أخيراً أو يترك أي أثرٍ لخبره.
قررت غيوم ران قبول هذا اللطف الأخير من بونغ دو جين وعدم ردّه.
ورغم أن إي هيون أخبرها بأنه لا بأس باستخدام أموال التشغيل لشراء ما يلزم للحياة اليومية، إلا أن الوقت الحالي كان يتطلب التوفير والحرص قدر الإمكان.
سألت مو ليان بانغ سوول بحذر
"إذن، ما هو الشيء الذي جئت لتسليمه لنا ……؟"
"هذا هو."
كان المكتوب ورقةً واحدة وزجاجة صغيرة وضع بانغ سوول الورقة أمام غيوم ران، والزجاجة الصغيرة أمام مو ليان
"ما هذا……؟"
"افتحيها وستعرفين."
بسطت غيوم ران الورقة بحرصٍ شديد، فوقعت عينها على خطٍ أنيقٍ ومتناسق.
لم يكن مكتوبًا على الورقة سوى ثلاثة أحرف كورية
هيو شين غاك 'جناح فجر المشرق '
"هل هذا…… اسم هذه الورشة؟"
"هذا ما سمعته."
"يا إلهي، إنه اسمٌ رائعٌ حقًا!"
تألقت عين غيوم ران وعمقتا بالنور بمجرد تأكدها من الاسم.
كانت كلمة غاك (閣 - الجُناح) حرفًا يُندر استخدامه في لافتات الصيدليات ومحلات الأدوية.
ففي المعتاد، يُختار لأسماء الصيدليات أحرفٌ تُبرز الصحة أو طول العمر أو العافية، وتُنتهى بكلمة دانغ (堂 - القاعة)، تماماً مثل سونغ هاك دانغ (송학堂 - صالة الصنوبر والكركي) أو أن سو دانغ (안수堂 - صالة السلامة والعمر المديد).
[ م:م/ دانغ يقصد بها قاعة مثل ما لاحضتو نطق الكلمه يشبه عائلة دانغ بس طريقة كتابة يختلف عائلة دانغ 唐 الصاله او قاعه 堂 ]
غير أن الاسم الذي صاغه السيد الشاب الثالث لآل دانغ لم يحمل أي أثرٍ يدل على أنها صيدلية.
وهو رجلٌ على قدرٍ عالٍ من الذكاء، فلو كان ينوي إدارة المكان كمجرد ورشة لصناعة الأدوية والعقاقير، لاختار اسمًا يوضح للناس ماهية المكان للوهلة الأولى.
'السيد الشاب الثالث لآل دانغ لا ينوي إنهاء أمر هذا المكان عند حد كونه ورشة لبيع الترياق فحسب.'
خاطرٌ راود غيوم ران بأن السيد الشاب الثالث لآل دانغ ربما أراد إيصال مقصده ونيته لها من خلال تضمينها في هذا الاسم المكون من ثلاثة أحرف.
فتحت مو ليان غطاء الزجاجة التي تسلمتها، وما إن تفحصت الحبة المخبأة داخلها حتى قالت
"هذه الاكسير الابيض ."
"هذا صحيح."
"ولِمَ هذه……؟"
"لقد طلب مني السيد الشاب الثالث ذلك؛ وسأل عما إذا كان بإمكانكِ استنباط طريقة تركيب وصناعة الاكسير الابيض"
فطالما فرضت الظروف جلب أشخاصٍ آخرين إلى عالم مانغ ريانغ ، وبما أن الاكسير الابيض أصبح ضرورةً قصوى لذلك، كان لابد من معرفة طريقة صنعها بأي ثمن.
فلا أحد يعلم متى ينفد مخزون هذه الحبّات، ولهذا السبب، ورغم أن كل حبة تُعد غاليةً وثمينةً في الوقت الحالي، فقد سلمها عدة حبّات لغرض التحليل.
اعتلت ملامح مو ليان حيرةٌ وارتباك.
"أعتذر لأنني قد لا أستطيع رد هذه الثقة، لكن سيكون من الصعب على قدراتي استنباط طريقة صياغة وتصنيع هذا الدواء؛ فهذه الحبة لا تقتصر على…… مجالي فحسب، بل يبدو أنها تعتمد على تطبيق عددٍ غير قليل من تشكيلات المصفوفات أيضًا."
ولأن مو ليان لم تكشف لـغيوم ران بعدُ عن كونها مُشعوذة أرواح ، فقد اكتفت بقولها مجالي
قالت غيوم ران باستغرابٍ وعجب
"أمن الممكن أن تكون هناك تشكيلة مصفوفات مرسومة داخل حبة الدواء؟ كيف يحدث هذا؟"
"لأن هذه الحبة بحد ذاتها تُعتبر تشكيلة مصفوفات متحركة."
" يا إلهي، أيكون ذلك ممكنًا حقًا ؟"
"في القِدم، كان تشغيل تشكيلات المصفوفات يتطلب وضع ورصف العديد من الأدوات والمعدات يدويًا واحدة تلو الأخرى وتشكيلات غيمون ابتُكرت خصيصًا للتقليل من تلك المشقة والتعب وبالطبع، حتى في وقتنا هذا، هناك حالات كثيرة لا يمكن حلها بواسطة تشكيلات غيمون وحدها، كما هو الحال مع المصفوفات التي تتطلب طاقة روحية هائلة."
"أها، فهمت! هذا يعني أن المواد اللازمة لتفعيل تشكيلة المصفوفات قد أُدمجت ورُكبت داخل هذه الحبة!"
أومأت مو ليان برأسها تأكيداً
"إنها أداةٌ صُنعت بتكثيف تقنيات عالية الدقة والتعقيد ورغم أنني ما زلت أحتفظ بالسجلات والتفاعلات التي دونتها عند تحليلها في المرة السابقة…… إلا أن التكهن بالآثار العامة للدواء أمرٌ، واستنباط طريقة تركيبه وصناعته بدقة أمرٌ آخر تمامًا."
"فهمت."
"إذن—."
"لو كان هناك خبير مصفوفات بارع، أيكون بإمكاننا استنباط طريقة الصنع؟"
وعند مقاطعة بانغ سوول هذه، طُرفت عينا مو ليان لبرهة قبل أن تجيب بحذر
"……من الصعب الجزم بذلك، لكن الأمر ليس مستحيلاً تمامًا."
"إذن يرجى البدء بالتحليل في حدود المستطاع أولاً، فسوف يصل إلى هنا خبير مصفوفات لاحقًا."
قضبت مو ليان حاجبيها بنظرةٍ يملؤها الشك والريب
"خبير مصفوفات؟ ومن عساه يكون……؟"
"هناك شخصٌ ما…… فتى ذو طباعٍ حادة وسيئة."
"فتى ذو طباعٍ سيئة……؟"
وعند سماع تلك العبارة، تبادلت غيوم ران و مو ليان نظراتٍ حائرة ومليئة بالتساءل.
***
واصل إي هيون تدريباته في منزل عائلة خلال النهار، وما إن حلّ الليل حتى فرغ من تناول طعامه والاستحمام، واستعد أخيراً لدخول قاعة مان غوب ريون جانغ
'عند الدخول إلى عالم مانغ ريانغ، قيل لي أن أوجّه أمري إلى الثعلب ذي الذيلين'
وكان المعنى الواضح من ذلك هو أن يتوجه بطلبه إلى اللويحة الخصرية المزينة بحلية الثعلب.
فمنذ أن تحوّل مانغ ريانغ إلى تلك الهيئة، لم تعد الحلية على اللويحة الخصرية إلى شكل الثعلب ذي الذيلين قط.
ولحسم الشك باليقين، ناول إي هيون اللويحة لكل من دانغ هوي ودانغ تاي يول وحثهما على تجربتها، غير أن وعي أيٍّ منهما لم ينقطع.
'ممم، هذا محالٌ حقًا كما توقعت.'
ولم يكن أمامه خيارٌ آخر، فناول إي هيون الاكسير الابيض لكل من دانغ هوي ودانغ تاي يول، ثم شرع في التوضيح لهما.
أخبرهما بأنهما بمجرد تناول الحبة وفتح أعينهما، قد يجدان نفسيهما في هيئة هيئة حيوانا يمتطون عربةً تطير في السماء، ومشدداً على ألا يتحركا بطيش في حال حدوث ذلك، بل ينتظرا في مكانيهما إلى حين وصوله.
وبعد أن أنهى شروحاته، حدق إي هيون الثياب التي يرتديها دانغ هوي ودانغ تاي يول باستغرابٍ
"ولكن لِمَ يرتدي كِلاكما يا أخَوَيَّ المأزر الأخضر فوق ثيابكما؟"
فقد فعل بانغ سوول الأمر ذاته في المرة السابقة، وها هما هما الآخران يتوشحان بالمأزر الأخضر والزي القتالي.
أجابه دانغ تاي يول بنبرةٍ جافة وغير مبالية
"تحسبًا لأي ظرف؛ فقد نَفقد الوعي وننتقل إلى العالم الآخر بالهيئة والملابس التي نرتديها هنا."
"آه، فهمت."
ألهذا السبب كان الأمر إذن.
خاطرٌ راود إي هيون بأن هذا ربما كان السبب وراء ظهور بانغ سوول بملابسه التي كان يرتديها خلال النهار عندما ذهب إلى النعيم لأول مرة.
ولأنه هو نفسه كان يظهر في العالم الآخر دائمًا مرتداءً المأزر الأخضر والزي القتالي حتى لو كان يرتدي ثياب النوم هنا، لم يفكر في هذه النقطة من قبل.
ولكن على أي حال، قد تكون حالته استثنائية، فلا بأس من الاحتياط والأخذ بالأسباب.
وعندما أمسك إي هيون باللويحة الخصرية المزينة بالثعلب وطلب إدخاله إلى عالم مانغ ريانغ ، لم يمضِ وقتٌ طويل حتى غرق وعيه في نومٍ عميق.
وما إن استعاد وعيه، حتى تجلت مكتبة مانغ ريانغ أمام عينيه.
وعلى غرار المرة السابقة، تودد إليه الثعلب ذو الذيلين ممتنًا ، فمسد إي هيون على رأسه وانتظر لبرهة.
سرعان ما ظهرت نقطة سوداء في الهواء بعين المكان، ثم أخذت تتسع تدريجيًا حتى شكلت هيئة إنسان.
'أوه، إذن هم يظهرون بهذه الطريقة عندما يأتون إلى هذا المكان.'
كان شعوراً عجيبًا فهذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها لحظة دخول شخص آخر.
وما لبثت الهيئة التي بدت وكأنها رُسمت بفرشاة أن اكتست بالألوان، حتى تجسد بانغ سوول بكامل ملامحه.
وطأت قدم بانغ سوول الأرض وفتح عينيه، وما إن وقع بصره على إي هيون حتى مرر عينيه سريعًا يمسحه من رأسه إلى قدميه.
أخرج زفيراً خفيفًا ثم اقترب من إي هيون
"يبدو أنه لا توجد مشكلة."
"بالطبع؛ فشقيقاي هنا ورجالهما معهما أيضًا ولكن أنت، من أين انتقلت إلى هنا ؟"
"من المقر الرئيسي للعائلة لقد وصلتُ البارحة."
"……ماذا؟ لا، كيف يعقل ذلك بسرعة؟!"
كان إي هيون يعرف جيداً أن هذه السرعة غير منطقية، فقد سبق له وأن جرب السفر بالعربة من بكين إلى ووهان.
وحتى عندما حضروا اجتماع التنين ، كان الجدول الزمني مضغوطًا للغاية، أما هو فقد اختصر عدة أيام أخرى فوق ذلك.
'هل يُعقل أن هذا الفتى واصل السفر حتى في الليل……؟'
"على أي حال، أليس هذا خيراً؟ فلا يوجد مكانٌ أكثر أمانًا من مقر عائلتنا عندما يفقد المرء وعيه."
"هذا صحيح، ولكن……"
في تلك اللحظة، أدار بانغ سوول نظره حول المكان مستكشفًا
"ولكن أين الشخصان الآخران؟"
"آه."
وعندها فقط تذكر إي هيون أن دانغ هوي ودانغ تاي يول لم يصلا بعد، فظهرت على وجهه علامات المباغتة والاستدراك.
ولأجل التوفير في حبات الاكسير الابيض، قرر عدم تناول الدواء والدخول أولاً عبر اللويحة الخصرية لانتظارهما، ولكن
يبدو أنه يتوجب عليه العودة إلى الواقع أولاً ثم الذهاب إلى النعيم
"أيُّها الثعلب ذو الذيلين ، أعدني إلى الواقع—."
وفي اللحظة التي نطق فيها بتلك الكلمات.
طق—.
على غرار ما حدث عند ظهور بانغ سوول، تكثفت نقطتان سوداوان كالحبر في الهواء، ثم…
سسسك—
سرعان ما تشكلتا في هيئتي إنسانين؛ كانا دانغ هوي ودانغ تاي يول.
التفت الاثنان حولهما بملامح يملؤها الذهول والارتباك
"……أهذا هو عالم مانغ ريانغ ؟"
"لقد كان كلام أخينا الثالث صحيحًا إذن."
"أخَوَيَّ!"
اقترب إي هيون منهما وهو يطلق تنهيدة ارتياح ة
"ياللراحة، هل انتقلتما إلى هنا مباشرة بعد ابتلاع حبة الدواء؟"
"أجل، رغم أننا لم نركب تلك العربة التي تطير في السماء كما ذكرتَ، ولكن بما أنك تقول ياللراحة، فيبدو أن هذا أفضل، أليس كذلك؟"
"نعم."
عقد بانغ سوول ذراعيه أمام صدره وارتسمت على وجهه تعابير امتعاضٍ وتهجم
"هذا يعني أن كِليهما تمكنا من الدخول إلى هنا مباشرة دون أن يمرّا بتلك التجربة المهينة؟"
"أهاها…… هذا بفضلك أنت!"
"مهمًا يكن، لا يهمني كثيراً فعلى الأقل أنا الوحيد الذي رآك وأنت على هيئة أرنب، أليس كذلك؟ كم كان ذلك مضحكًا—."
"أرنب؟"
"……على أي حال! كُح كُح، سوف ندخل قاعة عجلة مان غيوب الآن، فهل تحتاجان إلى أي تحضير ذهني أو استعداد خاص؟"
أجاب دانغ تاي يول وهو يسترق النظر داخل أكمام ثيابه
"الاستعداد الذهني مكتمل، لنتفقد أسلحتنا أولاً."
"آه، حسنًا."
ورغم أنهما كانا يرتديان الملابس ذاتها التي كانا يرتديانها في الواقع، إلا أنهما شكّا في إمكانية انتقال أسلحتهما معهما بذات الطريقة.
وبما أن قوتهما القتالية تعتمد بشكل كبير على اكتمال اسلحتهما وزيّهما، فقد تفحص الاثنان المقتنيات والأسلحة التي بحوزتهما بدقة وعناية.
"لحسن الحظ، كل شيء موجود كما هو."
"انتهينا من التفقد، نحن جاهزون للإنطلاق في أي وقت."
"حسنًا ، فلننطلق إذن ونرَ ما ينتظرنا هناك."