296
"إنه أول صديق في حياة دوهاي أيُّ فتى يكون؟"
لم تكن لديه رغبة يُذكر بها في التدخل بحياة شقيقه الاجتماعية، بل كان ينتابه الفضول المحض ليس إلا؛ فشقيقه بانغ دوهاي لم يكن قط من النوع الذي يتخذ أصدقاء
عندئذٍ قال بانغ دوهاي بوجنٍ ارتبكت ملامحه
"ليس الأمر إلى حدِّ تدعيته صديقًا فقط…… حدث أن ساعدت ذلك الفتى—عفواً، السيد جين—حين تعرض للمناوشة من قبل بعض السكارى ليس إلا……"
"يا رجل، أهذا كل ما في الأمر حقًا؟ ألم تحسبه صعلوكًا وتصدقت عليه، ثم اعتراك خجلٌ شديد حين تبين لك عكس ذلك؟"
"بانغ بي وون! لا شأن لحديث السيد جين بما نتداول فيه الآن!"
"أجل، أجل على أية حال يا أخي سوول، لم تجبني عن سؤالي بعد ألا تزال ينطوي عزمك على الرحيل إلى سيتشوان؟"
"ممم……"
في حقيقة الأمر، كان حدس بانغ بي وون في موقعه؛ فقد كان القلق يساوره.
ورغم أنه استقر على العودة إلى مقر العشيرة إرضاءً لعائلته، إلا أن فؤاد بانغ سوول لم يهدأ له بال منذ ذلك اليوم الذي تُرِك فيه إي هيون وحيداً على متن قارب النجاة في مونغ رين
كان الوضع قد تحسن قليلاً مؤخراً، غير أنه عاد فجأة إلى ما كان عليه حين رأى هيون يفقد وعيه لأول مرة.
قلقٌ يعتصر صدره، وتوترٌ ووجلٌ يفرضون عليه ألا يقف مكتوف اليدين.
وكان يراوده شعورٌ بأنه لن يهدأ له بال حتى يراه حيًا يرزق أمامه؛ أيعود هذا الخوف إلى أن إي هيون تُرك وحيداً في طوق الخطر، أم لأنه لم يعد حتى هذه اللحظة؟
حقيقة الأمر أن بانغ سوول نفسه لم يتبين العلة من ذلك.
وعلى كل حال، فإن بقاءه في مقر العشيرة بهذه الحالة لن يجدي نفعًت؛ إذ لن يتمكن من التركيز على أي شأن آخر وذهنه مشغولٌ به.
ولهذا السبب بالذات، جزم أمره على العودة إلى هابوك بأقصى سرعة ممكنة وبأن يشد الرحال مجدداً نحو سيتشوان.
بالطبع كان يعلم أنه لن يتمكن من البقاء إلى جواره طوال الوقت.
'ولكن……'
في تلك اللحظة، قالت بانغ يون هوا بثرثرة لطيفة
"أخي الأكبر، أستذهب لرؤية ذلك الأخ الذي يبدو ضعيفًا كما حدث في ذلك الوقت؟"
"آه، أجل."
"لماذا؟"
"لأن ذلك الفتى قد يكون في وضع خطير ربما."
"وهل أنت مقرب جداً من ذلك الأخ الذي يبدو ضعيفًا؟"
"……"
في ذلك الوقت، كان ما رأته يون هوا ليس هيون، بل إي هيون.
هل يصح أن أصف علاقتي بإي هيون بأنها مقربة؟
بينما تردد بانغ سوول لبرهة، أجاب بانغ دوهاي نيابة عنه
"أجل ، الأخ هيون هو صديق لا بديل له بالنسبة للأخ سوول."
"إذن لا حيلة في الأمر…… ستتحمل يون هوا وتنتظر، فالصديق يجب مساعدته."
وفي تلك اللحظة التي ابتسم فيها بانغ سوول دون أن يشعر أمام كلماتها المفعمة بالشهامة
"سيدي الشاب الأكبر!"
سُمِعَت خطوات مسرعة من الخلف، وعندما التفت، وجد الخادم يقترب بخطوات حثيثة.
انحنى الخادم
"السيدة تناديك."
يبدو أن الاجتماع قد انتهى في هذه الأثناء.
ودّع بانغ سوول أشقاءه وتوجه مباشرة إلى قاعة زعيم العشيرة وعلى الكرسي الفاخر ذي المقابض، لم يكن والده هو الجالس، بل والدته نيونغ سوهوا
حيّاها بانغ سوول باحترام
"لقد عدت للتو هل استدعيتني يا أمي؟"
"أهلاً بك."
نهضت نيونغ سوهوا من الكرسي واقتربت، ثم أخذت تفحص كتف ابنها حتى معصمه بدقة لترى ما إذا كان قد أصيب بأذى.
"هل أُصبت بأي جروح؟"
"لا، لم أُصب."
"ياللراحة تعالَ لنجلس هناك."
عندما جلس الاثنان إلى طاولة الشاي في الغرفة المجاورة، قدمت إحدى الخادمات الشاي.
"عتبي على نفسي أن سببت لكِ القلق يا أمي هل يُعقل أن أبي…… قد دخل في تدريب العزلة المغلقة؟"
أومأت نيونغ سوهوا برأسها مجيبةً على سؤاله
"بعد مغادرتكم لحضور جمعية التنين ألقى نظرةً على تقنيات بايك ريم، ولم يلبث بضعة أيام حتى دخل في العزلة المغلقة مباشرةً."
"……هكذا إذن."
عدم كسر والده لعزلته المغلقة كان يعني أيضاً أن نيونغ سوهوا لم تبلغه بهذه الأحداث والخطب الجلل.
"أنا آسفة، لكنني لو قاطعتُ عزلته التدريبية، لما عرفنا متى ستتاح له فرصةٌ كهذه مجدداً، ولهذا لم أُخبر والدك بما حدث بعد."
"أحسنتِ صنعًا يا أمي بل لو كسر زعيم العشيرة عزلته بسبب هذا الأمر لخجلتُ من نفسي وقبل كل شيء، طالما أنكِ تجلسين بثباتٍ ومهابة على كرسي الزعامة، فلا داعي لنقل الأمر إلى أبي."
فلم يكن من الشائع أن يدخل زعيم عشيرة—ولاسيما خبيرٌ فذ في ذروة القوة مثل بانغ مو غيوول—في تدريب عزلة مغلقة.
ففي مستواه المتقدم ذاك، لا جدوى من دخول العزلة المغلقة لمجرد الرغبة في ذلك دون وجود لحظة إلهام.
بل كان يحتاج إلى ذلك الشعور الوشيك بالاستبصار، كحكةٍ لطيفة تجعله يخيل إليه أنه على وشك القبض على طرف خيط الحكمة.
فقط حين يراوده ذلك الشعور، يدخل ويركز ليخترق حدوده الحالية.
وبصرف النظر عن ذلك، فإن انشغاله الشديد كان يجعل دخوله العزلة أمراً عسيراً للغاية؛ فموقع زعيم العشيرة يجعله يفكر دائمًا: هناك حدثٌ قريب، وعليّ التعامل مع كذا بعد فترة، مما يحرمه من العزلة حتى وإن رغب فيها.
ورغم ذلك، فإن دخول بانغ مو غيوول العزلة فوراً كان يعني شيئًا واحداً
'……لقد شعر أبي أيضًا بأنه قادرٌ على الارتقاء خطوةً أخرى إلى الأمام.'
فلولا أن صانع الفضل عليهم (إي هيون) هو من طلب منه ذلك، لما دخل العزلة بهذه السرعة وهذا يعني أن ذلك الفتى إي هيون قد نصحه بالعزلة في الوقت المناسب تمامًا
'إنه فتى عجيبٌ حقاً.'
شرع بانغ سوول يشرح لـنيونغ سوهوا كل ما حدث بالتفصيل دون أن يسقط منه شيء؛ سواء ما وقع في مونغ رين ، أو ما شهدته مدينة ووهان في حفل تشيلسوك
وبما أنه كان يرفع تقريره إليها بوصفها القائمة بأعمال زعيم العشيرة لا بصفتها أمه، فقد استبعد المشاعر الشخصية واستعرض الحقائق المجردة بنبرةٍ هادئة وموضوعية.
ورغم أن نيونغ سوهوا حافظت على رباطة جأشها طوال سماعها للحديث، إلا أنها أطلقت تنهيدة ارتياحٍ عميقة فور انتهاء ابنها؛ فقد كانت حقيقة الأحداث ومجرياتها أعتى وأشد خطورة بمراحل مما بلغ مسامعها سابقًا
ولهذا السبب بالذات، نزلت كلماته الأخيرة على أذنيها بذهولٍ أكبر
"بعد كل ما جرى، أتقول إنك تريد الرحيل إلى سيتشوان فوراً؟"
"……أجل."
وما إن أتم بانغ سوول شرحه، حتى طلب من أمه الإذن بالرحيل إلى سيتشوان مجدداً، مستعداً لتلقي سخطها.
إذ رغم علمه بما تتسم به أمه من مرونة في هذه الأمور، إلا أنه ما من والدين يرسلان ولدهما إلى ذاك المكان القاصي مجدداً عقب مواجهة تلك الأخطار مباشرةً.
غير أن أمه نطقت بما لم يكن في الحسبان
"اذهب."
اتسعت عينا بانغ سوول ذهولاً وطرف بهما
"أتسمحين لي بالذهاب؟"
"حين أنظر إلى وجهك، أعلم انني لو رفضت إعطائك الإذن، لغادرت دون علمي على إي حال"
"……"
وحين أصابت كبد الحقيقة، عجز بانغ سوول عن الرد وتحاشى نظراتها، فابتسمت نيونغ سوهوا ابتسامةً ممتزجة بالمرارة
"ثم إن ذلك الفتى صديقك ومنقذ حياتك، أليس كذلك؟ وطالما أنك تقلق عليه إلى هذا الحد، فمن المؤكد أن ثمة سببًا وجيهًا يدعوك لذلك لذا اذهب وأعنه."
"……"
شعر بانغ سوول بغصة تأثرٍ تملأ ركناً في صدره، فأنكب خافضًا رأسه وضامًا يديه بتحية الاحترام
"شكراً لكِ يا أمي أعدكِ أنني سأعود سالمًا بلا أدنى ريب."
"لكن بشرط أن تصمد أمام ضرباتي لثلاث هيئاتٍ وتبقى واقفًا على قدميك."
"……عذراً؟"
وضعت نيونغ سوهوا فنجان الشاي جانبًا ونهضت واقفةً
"بما أن حرصك وخوفك على السيد الشاب الثالث لآل دانغ كبيران إلى هذا الحد، فأنا واثقةٌ من قدرتك على تجاوز أمرٍ يسير كهذا."
"مهلاً يا أمي؟! أتقولين أن أصمد أمام ثلاث هيئاتٍ من خبيرةٍ فذة مثلكِ؟! هذا يعني أنكِ لا تنوين إرسالي من الأساس، أليس كذلك?!"
"يا إلهي، لا تقلق يا بني هل يُعقل أن أهاجم ابني بنية قتله؟ لكن رغم ذلك، لن أتساهل معك إطلاقًا لذا إن لم تجمع شتات عقلك وتركز كليًا فعليك أن تستعد لكسر عظمةٍ من عظامك على الأقل."
"……علم."
***
وصل إي هيون برفقة دانغ هوي ودانغ تاي يول إلى البيت الخفي الواقع في منطقة تشونغتشينغ.
كان البيت الحفي يربض في غابةٍ ليست ببعيدةٍ جداً عن المدينة، لكنه كان محاطًا بتشكيلة مصفوفات غامضة ، بحيث يستحيل على من لا يعرف طريقة إبطالها الاقتراب منه.
وبما أنه كان من الأفضل ألا يُكشف موقع البيت الخفي ، فقد أوقف الإخوة عربتهم عند أطراف الغابة ونزلوا منها.
"عودا أنتما إلى وسط المدينة وانتظرا هناك."
"أمرك يا السيد الشاب الأكبر."
وما إن ابتعدت العربة ولم يبقَ سوى الأخوة الثلاثة، حتى تقدم دانغ هوي وسار في المقدمة، ثم قال لإي هيون دون أن يلتفت إليه
"اليوم سأعلمك مواقع جميع البيوت السرية لآل دانغ المنتشرة تحت أرجاء المعمورة، إضافةً إلى طرق إبطال المصفوفات المنصوبة فيها وبما أنه سيكون من الصعب عليك حفظها فوراً، سأدونها لك على ورقة أولاً، لكن عليك أن تحفظها عن ظهر قلب ثم تحرقها أثناء إقامتنا في هذا البيت الخفي."
"علم، وشكراً لك يا أخي الأكبر."
"حسنًا بدأت تشكيلة المصفوفات من هنا، لذا اتبع خطواتي بدقة ووطئ حيث أطأ."
وبينما كانوا يتبعون خطوات دانغ هوي لاختراق المصفوفة المعقدة لبعض الوقت، انقشعت الرؤية فجأةً وتجلت أمامهم فيلا حسناء يفوح منها عبق الفخامة والرقّة.
وبما أن هذه المرافق مصممةٌ في الأساس لإقامة زعيم العشيرة أو أفراد السلالة المباشرة، فقد كانت مجهزةً بأفضل ما يكون.
قال دانغ هوي لإي هيون
"هنا لن يستطيع أي متسلل الدخول، لذا فالمرَبَعُ آمن وبما أنه ما يزال لدينا متسعٌ من الوقت قبل الموعد المتفق عليه مع السيد الشاب الأكبر لآل بانغ، فسأشرف على تدريبك بشكل مكثف خلال هذه الفترة."
"أمرك يا أخي الأكبر!"
وعند سماع هذا الرد المفعم باللياقة والتهذيب، نظر دانغ هوي إلى إي هيون بنظرةٍ غريبة ومطبوعة بالغرابة؛ إذ لم يكن لديه من الأخوة سوى دانغ تاي يول الذي ينظر إليه دائمًا بوجهٍ عابس وكأنه في حالة مزاجية سيئة كلما رآه، لذا كان تصرف إي هيون بهذه الطريقة يمنحه شعوراً فريداً ومختلفًا
بل كان ذلك الشعور يدفعه دون وعي منه لرغبةٍ أشد في تعليم هذا الأخ وتبذير الجهد لأجله.
وعلى الفور، جعل دانغ هوي أخاه إي هيون يبدل ملابسه إلى زي تدريب خفيف أُعد في البيت الخفي ثم أخذ يدربه في ساحة الفنون القتالية بلا هوادة طوال اليوم.
يطرحه أرضًا هنا.
ويصرعه هناك.
ولم يكن الأمر يقتصر على تقبل إي هيون للتعليم بحماسٍ وشغف فحسب، بل كان يستوعب كل درسٍ يتلقاه بسرعةٍ فائقة، مما جعل توجيهه أمراً ممتعًا ومجزيًا للغاية.
ورغم أنه حين تذكر وضعية إي هيون الأولى عندما علمه فن السهام الخفية بدا له وكأن الفتى قد نسي فنونه القتالية بالكامل حقًا ، إلا أن مهارته الحالية كانت مذهلة.
ورغم أن دانغ هوي لم يعلم الفنون القتالية لأحدٍ من قبل إلا نادراً، إلا أنه كان يعلم يقينًا أنه ليس كل التلاميذ في هذا العالم يملكون جودة وشغف أخيه الثالث.
فلو كان كل التلاميذ على شاكلة هذا الفتى، لكان المعلمون في كل مكان يرقصون طربًا وحماسًا كل يوم.
نعم، كان الأمر كذلك تمامًا
كان دانغ هوي يستشعر متعةً بالغة في تعليم إي هيون دون حتى أن يدرك ذلك.
فخلال عملية تبسيط الشروحات وتفكيكها لتسهيل فهمها على أخيه الأصغر، كان دانغ هوي نفسه يتوصل إلى إدراكاتٍ واستبصارات جديدة.
وفي المقابل، كلما اشتعل حماس دانغ هوي وزادت حديته، كان وجه إي هيون يزداد شحوبًا واصفراراً من الإرهاق.
ورغم ذلك، فقد بذل إي هيون قصارى جهده دون تراخٍ؛ إذ كان بطبعه يملك شغفًا وحرصًا على تعلم كل شيء، بل وإن إي هيون نفسه كان يشعر بمتعةٍ غريبة في هذه اللحظات.
ولِمَ لا……
'فالأمر يبدو حقًا وكأنه……'
وفي اللحظة التي تراودت فيها هذه الفكرة إلى ذهنه دون وعي منه، اعتراه شعورٌ غريبٌ للغاية؛ شعورٌ كأن قلبه يُعصر وينكمش لتسري فيه برودةٌ قاسية.
"……"
هز إي هيون رأسه بسرعة لطرد تلك الأفكار الشاردة، ثم عاد ليركز مجدداً في تدريبه.
وبعد مرور يومين كالسهم في إنهاكٍ وتدريبٍ شاق لا يمنحه حتى فرصةً لالتقاط الأنفاس، أشرق أخيراً اليوم الموعود للقاء بانغ سوول في مان غيوب ريون جانغ (ساحة العوالم العشرة آلاف).