289
فُووووووه—.
مرّت نسمةٌ عليلةٌ داعبت وجهه.
ومع شعوره بتضاؤل الضوء الضارب في عينيه، فتح إي هيون جفنيه ليدرك أنه يركب عربةً.
وبشكلٍ أكثر تحديداً، عربةً فاخرةً تحلق في السماء.
"……."
تجمد إي هيون للحظة، ونظر إلى يديه وهو يشعر بشعورٍ غريب.
بل هل يحق له أصلاً أن يطلق اسم يدين على هذين الكائنين المكسوّين بالفراء النبيل؟
مهما نظر إلى الأمر، فهذا……
'……قَدَمٌ أمامية.'
"……هووف؟!"
في تلك اللحظة، انطلق صوت نباح من المقعد المقابل.
وعندما رفع رأسه، رأى كلبًا أسود ذي فراء لامع يدور برأسه يمينًا ويسارًا في ذهول.
"هووف! هووف!"
كان الكلب يبدو مرتبكًا ولا يعلن ماذا يفعل؛ ولا عجب في ذلك، فقد فتح عينيه ليجد نفسه فجأة داخل عربة تطير في السماء، ناهيك عن تحول جسده إلى ذلك الشكل.
كان يبدو كمن يريد قول شيءٍ ما، لكن الكلب الأسود—تمامًا مثل إي هيون—كان يجد صعوبةً في تذكر كيفية النطق بكلام البشر.
وعندما كاد الكلب أن يخرج رأسه من النافذة بشكل خطر، سارع إي هيون بفتح فمه وصاح
"اهدأ!"
وما إن تمكن إي هيون بشق الأنفس من الصراخ بلسان البشر، حتى هرول الكلب الأسود—أو بالأحرى بانغ سوول—نحوه مسرعًا
تنهد إي هيون
"لقد أخبرتك مسبقًا؛ حين تتناول الاكسير الابيض وتفتح عينيك، ستجد أن هيئتك قد تحولت إلى حيوان."
حينها أمال بانغ سوول أذنيه إلى الخلف ونبح مجددًا
"ووو! ووو!"
"لا تنبح بعشوائية، تمهّل وجرّب تخيّل الكلمات في عقلك وصغها داخل فمك."
"هووف?!"
وبعد أن شرح له إي هيون الطريقة، ونجح بينغ سوول بعد عدة محاولات مضنية في النطق بلسان البشر أخيرًا
"ووو! آها! آه! كُح كُح إذن…… أنت إي هيون، أليس كذلك؟"
"أجل."
وبينما كان إي هيون ينظر إليه بنظرة استحسان، ضرب بينغ سوول ذيله بالأرض بلا داعٍ.
وعلى أي حال، ورغم عدم فهمه للسر وراء ذلك تمامًا إلا أنه وفقًا للتعليمات المدونة، فإن من يزور هذا المكان باستعمال حبّة الصعود الى السماء يتجسدُ على هيئة خَالِد، بينما يتحول من يزوره باستعمال الاكسير الابيض إلى هيئة حيوان
[ حبه صعود يتم صنعها من طائفة الشر ]
وبعد أن استعاد بانغ سوول بعضًا من هدوئه، أخذ يتفحص إي هيون من رأسه إلى اخمص قدميه بنظرة جديدة، ثم انفجر ضاحكًا
تمتم إي هيون بنبرة متجهمة
"علامَ تضحك؟"
"لا شيء، لكن من بين كل الهيئات، أن تصبح بهذه الهيئة الضعيفة كذا……"
"تقول هذا وأنت نفسك أصبحت كلبًا"
"على الأقل هذا أفضل من أن أكون أرنبًا مثلك."
وكما قال، كان إي هيون يقبع حاليًا على هيئة أرنب صغير ضئيل……
وكأن تلك الهيئة تعكس حالته تمامًا؛ حيث أتقن القليل من فنون الخفة والتحرك، لكنه لم يتعلّم بعد الفنون القتالية الهجومية ليستعملها في القتال.
"أرنبٌ أو كلب، كلاهما سواء."
وعلى كلام إي هيون، ردّ بامغ سوول بنبرة تزهو بنفسها
"هاه! يبدو أنك لا تعرف مدى قوة فكّ الكلب؟"
"أجل، أجل مدهش جداً……."
"لو كان ولابد من التحول، لكان من الأفضل لو أصبحت ذئبًا أو نمراً، لكن ذلك كان سيلفت الأنظار أكثر من اللازم— على أي حال، إلى أين نحن ذاهبون الآن؟ هل يكفي أن نبقى جالسَين في هذه العربة؟"
"أجل ، يبدو أن أولئك الذين تناولوا حبّة الصعود إلى السماء في تشونغ يو قد وصلوا إلى الفردوس وهم يركبون عرباتٍ أو طيور كركي أو ما شابه ذلك أيضًا"
"هممم—."
نصب بانغ سوول أذنيه، ثم اقترب مجدداً من النافذة المقابلة.
وكان يهز ذيله بخفة، ومما بدا، ورغم غرابة هذا الموقف، إلا أن ركوب عربة تطير في السماء كان أمراً مثيراً للإعجاب بالنسبة له.
'كان يبدو هادئًا ومتماسكًا حين جاء لإنقاذي من تشون را.'
ولكن بالتدقيق في الأمر، لم يكن لديه متسع من الوقت للاندهاش أو التفكير في أي شيء آخر حينها.
"انظر هناك! ثمة جزيرة تطفو في السماء!"
وكان الأمر كما قال بانغ سوول؛ حيث تراءت جزر صغيرة متناثرة فوق أفق السحاب، وقد شُيّدت فوقها قصورٌ وأبنية.
ولم يكن من الممكن معرفة الغرض من وجود جزر معزولة في مكان كهذا.
'هل هي جزر للزينة في السماء مثلاً…….'
وبينما كان يخطر بباله هذا التفكير العابث.
فُووه—!
اندلع شعاعٌ ساطع من الضوء بجوار المقعد الذي يجلس فيه بانغ سوول وعندما فتح إي هيون عينيه اللتين أغمضهما بشدة، وجد فتىً يرتدي قناعًا وثيابًا تشبه ثياب الخالدين يجلس هناك.
فزّ!
قفز بانغ سوول مسرعًا إلى مقعد إي هيون ووقف أمامه بنظرات حذرة ليحميه، وكأنه على أهبة الاستعداد لنهش ذلك الغريب إن بدر منه أي تصرف.
تلفّت الفتى حوله بملامح يعلوها الذهول، ثم صاح بدهشة
"أوه؟! ما، ما هذا؟! هل أنا أطفو في السماء الآن?!"
أخذ الفتى يستكشف ما خلفه عبر النافذة بجنون، قبل أن يتجمد في مكانه ويلتفت نحوهما أخيراً.
"كلبٌ وأرنب……؟"
وقبل أن يبدي بانغ سوول أي ردة فعل، نكزه إي هيون بقدمه الأمامية التي تشبه كورةً من القطن وعندما التفت الكلب الأسود نحوه، سارع إي هيون بهز رأسه نفيا؛ ليحثه على ألا ينبح أو يهدد الشخص القابع أمامهما.
'يبدو أنها مرته الأولى هنا، لذا فسيفترض أغلب الظن أن وجود الحيوانات في العربة أمرٌ طبيعي.'
فلا بد للمرء أن يمتلك بعض المعرفة أولاً كي يستغرب الأمور أو يشك فيها.
وبالفعل، بدا أن الفتى اعتقد أن إي هيون وبانغ سوول هما مجرد جزء من عجائب وغرائب هذا العالم، فمدّ يده نحوهما دون أدنى شك وهو يصدر أصواتًا لتوددهما
"تشت-تشت-تشت-تشت تعاليا إلى هنا، يا صغيرَيّ……."
ولما كان إمساك ذلك الفتى بهما أمراً غير مرحب به، فقد التصق إي هيون بظهر بينغ سو-وول تماماً ورمق الفتى بنظرات حذرة.
وحينها سرعان ما نسي الفتى أمرهما، وانشغل قلبه وعيناه بالجمال الساحر المحيط به؛ إذ كيف لمرءٍ لديه متسع من الوقت للاهتمام بكلبٍ وأرنبٍ عادِيَيْن، بينما تمر من نافذة العربة طيورٌ عملاقة كأنما خرجت للتو من الأساطير؟
وبينما واصلت العربة سيرها لبرهة من الوقت، بدأت بالهبوط تدريجيًا بعدما كانت تشق أثير الفضاء بلا سائق.
وفي تلك اللحظة، حبس إي هيون وبانغ سوول والفتى ذو ثياب الخالدين أنفاسهم في وقتٍ واحد وكأنهم على موعدٍ متفق عليه، وهم يرقبون المشهد عبر النافذة العريضة الممتدة في المقدمة.
فقد ملأت أنظارهم جزيرةٌ هائلة الحجم، لا تقارن أدنى مقارنة بتلك الجزر الصغيرة التي رأوها حتى الآن.
بل كان من الصعب حتى التمييز بين ما إذا كانت جزيرةً تسبح في السماء أم أنه قمة جبل مسطح، نظراً لأن ما تحت أقدامهم كان مخفيًا تحت بساطٍ لا متناهٍ من بحر السحاب.
وعلى امتداد تلك الأرض الشاسعة، كانت هناك مدينةٌ جليلةٌ مهيبةٌ تطبق على الآفاق.
مدينةٌ متلألئةٌ بحق تُدعى أرض الخالدين ، ممتلئةٌ بقصورٍ وأبنيةٍ ذات جدران بيضاء كاليشم الأبيض، وتتوجها أسقفٌ ذهبيةٌ برّاقة.
'……الآن علمتُ لماذا حاول جيغال روك الدخول إليها والتنقيب فيها مراراً وتكراراً.'
فلم يكن ليتقبل عقلٌ كيف لمكانٍ مثل تشونغ يو أن ينشئ عالمًا باطنيًا بهذا الحجم المهيب من مان سانغ
ومن هذا المنطلق، بدت العربة التي تشق عنان السماء وكأنها نوعٌ من التباهي واستعراض القوة.
ففي الحقيقة، كان بإمكانهم جعل الزوار يدخلون مباشرةً من تلك الجزيرة بطريقة أسهل، لكنهم تعمدوا جعلهم يخوضون رحلة الطيران هذه ليثبتوا لهم أن حتى أفق السماء قد أُتقن تجسيده بالكامل.
ناهيك عن أن الطيران على هذا النحو وإتاحة الفرصة للإشراف على مشهد المدينة بأكمله من الأعلى، من شأنه أن يبعث في النفس ذهولاً أشد أمام هيبتها وعظمتها.
وفور أن هبطت العربة بسلاسة وتوقفت عجلاتها عن دورانها، انفتح بابها تلقائيًا
وفي تلك اللحظة الخاطفة، سارع إي هيون وبانغ سوول بالانسلال من العربة والفرار بعيداً على أسرع نحو.
كان المكان عبارة عن منصة واسعة تسبح في الهواء، رُصفت أرضيتها بأحجار بيضاء وحُدّت أطرافها بسياجٍ ومحجر؛ ويبدو أنها صُممت لتكون مهبطًا للعربات.
ومن تلك المنصة، امتد جسرٌ أنيقٌ يربطها بالبوابة الرئيسية لأسوار المدينة القابعة في الجزيرة، بينما كانت أمواج السحاب تتلاطم وتجري من تحته.
وبسبب انشغال الفتى بتأمل المشاهد المذهلة من حوله، لم يلقِ أي بال للحيوانين.
وهناك، خلف عمود أبيض ضخم، اختبأ إي هيون وهمس بصوت خفيض
"لقد نبهتك مسبقًا لا تأكل الدُّراق داخل هذا المكان تحت أي ظرف ورغم أنه لن يعرضه عليك أحد وأنت بهذه الهيئة الحيوانية، إلا أن الحذر واجب."
"أنا أذكر ذلك جيداً فلا تقلق."
"حسنًا المشكلة الآن تكمن في وجود حراسٍ يقفون أمام بوابة المدينة……."
وكما قال إي هيون، كان حراس البوابة يقفون شاهرين حرابهم أمام بوابة المدينة الممتدة عند نهاية الجسر الطويل.
ومهما يكن الأمر، فإن محاولة كلبٍ وأرنبٍ الدخول من بوابة المدينة ستثير ريبتهما وشكوكهما بلا ريب؛ إذ من المفترض أن ينزل من هذا المهبط بشر يرتدون ثياب الخالدين.
ولكن.
'ذلك الشخص الذي اختلس حبّة الاكسير الابيض في قرية غوبيوك لا بد أنه جاء إلى هذا المكان على هيئة حيوانٍ أيضًا.'
ولم يكن يعتقد أنه كان يعود أدراجه في كل مرة يكتفي فيها بالتأمل العاجز في أسوار المدينة.
ألا يعني هذا وجود طريقة تمكّن حيوانًا صغير الحجم من التسلل إلى الداخل؟
على سبيل المثال—.
'قنوات الصرف الصحي مثلاً…….'
وفي تلك اللحظة بالذات، هبطت عربةٌ أخرى، فاستغل إي هيون وبانغ سوول الفرصة للاختباء خلف الجموع وعبروا الجسر، ثم انسلوا مسرعين نحو الجانب بمجرد اقترابهم من سور المدينة.
ولم يمر وقتٌ طويل حتى تمكّن الحيوانان من العثور على قناةٍ للصرف الصحي عند السور.
ولحسن الحظ، كانت المياه فيها نقيةً وجريانها طفيفًا وبما أنه لا أحد يمكنه مهاجمة مكانٍ كهذا على أي حال، فلم تكن القناة مغلقةً بحواجز أو قضبانٍ حديدية.
غير أن إي هيون استطاع التحرك عبر حافةٍ مرتفعة داخل القناة، بينما كانت تلك الحافة ضيقةً جداً بالنسبة لبانغ سوول.
وفي النهاية، لم يكن أمام بانغ سوول خيارٌ سوى التسلل إلى داخل السور وهو يتصبب ابتلالاً بالمياه.
بْرِرررررر!
وما إن خرج بانغ سوول من قناة الصرف متتبعًا إي هيون، حتى أخذ ينفض الماء عن جسده بقوة.
"عُؤ، كم هذا رطب ومزعج!"
"تحمّل القليل بعد، فسرعان ما ستزداد ابتلالاً."
"وما الذي تعنيه بهذا أيضًا…… هاه، إلى أين نحن ذاهبون الآن؟"
"مم، إلى الجناح المقابل للبحيرة."
وحين أدار إي هيون رأسه، تصادف ذلك مع اقتراب أحد الخدم من الفتى والمجموعة الجديدة، ليشرع في إرشادهم إلى مكانٍ ما.
"لنلحق بركاب تلك المجموعة، فأغلب الظن أن وجهتهم هي وجهتنا نفسها."
وهكذا، مضى إي هيون وبانغ سوول يتتبعونهم في خفاء بعدما كتموا أنفاسهم وآثار أقدامهم.
وبعد السير لبعض الوقت، تجلّت أمامهم أخيراً بحيرةٌ شاسعة، وقواربٌ للتنزه، وأشجارٌ منسقةٌ بعناية، إلى جانب أجنحةٍ وقصورٍ فاخرةٍ شُيّدت على ضفاف المياه.
وفي أحد أركان الجناح، كان العازفون يعزفون ألحانًا موسيقية، بينما صُفت في المنتصف أطباقٌ شهية وأصنافٌ من الخمور.
وكان جميع الحاضرين يرتدون أقنعة دون استثناء، فبادر أولئك الذين وصلوا قبلاً برفع أصواتهم للترحيب بالقادمين الجدد
"أوه، لقد وصل خالدون جُدد!"
"أهلاً بكم جميعًا! رغم أنني لست صاحب هذا المكان، هَاهَات!"
أخذ الوافدون الجدد يستكشفون المكان بنظراتهم وهم يتهامسون فيما بينهم
"……يبدو بالفعل أنه عالم مان سانغ الأسطوري، أليس كذلك؟"
"ولكن، أليس حجمه هائلاً أكثر من اللازم؟ حتى تلك السماء تبدو وكأن جزءاً منها قد جُسّد على أرض الواقع بالفعل."
"بعيداً عن الحجم والهيبة، ألم نكن بحاجة إلى آلياتٍ سحرية للولوج إلى مان سانغ؟ لا أستطيع أن أفهم كيف أمكننا الاتصال بهذا العالم عبر حبّة دواءٍ واحدة—."
وبينما كان الخالدون الجدد يتهامسون فيما بينهم، قال شابٌ يرتدي ثوبًا أحمر
"يا هؤلاء، يا من وصلتم للتو! لا تقفوا هناك هكذا، تعالوا وانضموا إلينا لنستمتع بالوليمة معًا— وخذوا لكم من هذا الدراق أيضًا لتأكلوا منه!"
"أهـ، أجل، حَسَنًا."
وفي الوقت الذي كانت فيه الخادمات يوزعن الدراق الموجود في السلال واحداً تلو الآخر، تحرك إي هيون وبانغ سوول بخطواتٍ خفية تجنبًا لأن يلاحظهما أحد.
ضرب الشاب ذو الثوب الأحمر مروحته على يده بخفه
"هُوفو في الحقيقة، إن الدراق الذي يحمله كلٌّ منكم في يده الآن ليس فاكهةً عادية."
"إن لم يكن عاديًا فهل فيه ما يميزه……؟"
"آه، ذلك لأنه…… في الحقيقة، إن أكلتم هذا الدراق فسـ—."
تشواااك—!
وفي تلك اللحظة بالذات.
اندفعت الدماء الحمراء القانية كالفوارة، وطار رأس الشاب ذي الثوب الأحمر في الهواء بينما كان يواصل حديثه؛ إذ شطره رجلٌ ذو ندبة بسيفه!
وأمام ذلك الوقع الصادم الذي حدث في طرفة عين، لم يملك إي هيون وبانغ سوول إِلا أَن يتوقفا عن السير ويلتفتا نحو تلك البقعة.
تَهَادَى الرأس وسقط بضربةٍ خفيفة، ثم أخذ يدحرج على الأرض.
ورغم وقوع حادثة القتل الشنيعة تلك أمام الأعين مباشرة، لم تتوقف ألحان العازفين، بل استمرت بتناغمٍ جليٍّ ومبهجٍ يدعو للغرابة والريبة.
"أهـ…… أهـ؟!"
"عَـاااااااااااااك؟!"
وفي تلك اللحظة الخاطفة، التقت عينا إي هيون بعيني الرجل ذي الندبة، وهو ينفض الدماء التي تقطر قطرةً قطرة من سيفه.