288
"خائن؟"
تصلبت ملامح دانغ هوي للحظةٍ خاطفة عند سماعه تلك الكلمة.
"ما الذي تعنيه بـ…… لا، كما قلتَ أنت، هذا ليس موضوعًا يُثار في مكانٍ كهذا فلنتحدث مجدداً حال وصولنا إلى الفندق."
"حسناً، يا أخي."
وهكذا، انتظر الثلاثة عودة بانغ سوول ومو يونغ غون ثم انتقلوا جميعًا إلى مطعمٍ قريب.
وما إن انتهوا من طلب الطعام وغادر النادل، حتى بادر إي هيون بالحديث
"سيد مو يونغ هل ستعود إلى مقر عائلتك اليوم؟"
"…… أجل. فكل ما كان عليّ فعله في موهان قد انتهى……"
"فور عودتك، ستخبر زعيم عائلة مو يونغ بـ—، آه، لكن لا بأس، أغلب الظن أن الأنباء قد وصلت إلى عائلتك بالفعل."
فصحيحٌ أن هجوم مو يونغ غىن على إي هيون داخل المان سانغ هو سرٌّ لا يعلمه إلا الخمسة الحاضرون هنا، إلا أن الخطوط العريضة لما حدث كانت قد نُقِلَت بالفعل إلى عائلة مو يونغ
أومأ مو يونغ غون برأسه مكسوراً
"…… فور عودتي، سيسألني زعيم العائلة وحتمًا سيتفقّد الأمر."
سيسألني عما إذا كنتُ قد آذيت أحداً.
"…… ولا يمكنني أن أكذب عليه……"
وعندما قال مو يونغ غون ذلك، مدّ إي هيون رسالةً وثيقةً ووضعها أمامه رمش مو يونغ غون عينيه بذهول عند رؤيتها
"…… ما هذا؟"
"هذه رسالةٌ كتبتها لزعيم عائلة مو يونغ إذا أصرّ الزعيم على إصدار عقوبة بحقك حتى بعد استماعه لقصتك بالكامل، فسلّمه هذه الرسالة."
"……."
تناول مو يونغ غون الرسالة ببطء، في حين واصل إي هيون الشرح
"تحتوي الرسالة على التقييم الطبي لأخي، والذي يُثبت امتلاكك لضبطِ نفسٍ كافٍ ورباطة جأش، كما تُطالبه بإعطائنا مهلةً مدتها ثلاثة أشهر."
"…… ثلاثة أشهر؟"
"نعم؛ فقد كلفتُ منظمه هاو مون بالبحث والقصص عن كتابٍ معين، وهناك احتمالٌ أن يحتوي ذلك الكتاب على طريقةٍ لعلاج نجم القتل السماوي."
ارتجفت حدقتا مو يونغ غون بقوة وذهول فور سماع ذلك
"…… أيعقل أنك استنزفتَ الرمز الأحمر الذي منحك إياه نائب الزعيم الشاب من أجل هذا الأمر؟"
"أنا أبحث عن ذلك الكتاب لأغراضٍ أخرى أيضًا ، فلا داعي لأن تحمل نفسك أي ثقلٍ أو شعورٍ بالذنب أما إن أصرّ زعيم العائلة على معاقبتك، فاقترح عليه أن تدخل كهف التدريب المغلق بملء إرادتك."
كان كهف التدريب يُستخدم في الأصل للاعتكاف وزيادة القوة، إلا أن معظم الطوائف والعوائل كانت تستخدمه أيضًا كمحبسٍ لتقييد العاصين ومعاقبتهم.
أومأ بانغ سوول وهو يكتف ذراعيه موافقًا
"بالتأكيد، إن أعلنتَ عن حبس نفسك في الكهف طواعيةً، فلن يجرؤ أحدٌ على الملازمة والمطالبة بعقابك فوراً."
أطرق مو يونغ غون رأسه، وقال بصوتٍ مكتوم ومتهدج
"…… لمَ تفعل كل هذا من أجلي؟ رغم أنني لم أكن سوى عبءٍ عليكم جميعًا……"
ردّ إي هيون بنبرةٍ مازحة
"هذا لأنك ستنقذنا بالتأكيد حين نقع في مأزقٍ في المرة القادمة، أليس كذلك؟"
"……."
أومأ مو يونغ غون برأسه ببطء شديد
"…… شكراً لكم جميعًا ، حقًا."
ورغم أن علامات الفرح الصادق كانت جليّةً على وجهه، إلا أن ملامحه لم تكن توحي بأنه يتوقع حقاً أن ينجح إي هيون في العثور على العلاج
وهذا أمرٌ طبيعي تمامًا؛ إذ لا بد وأن زعيم عائلة مو يونغ قد سلك كل السبل وبحث في شتى البقاع من قبل، وحتى تلك الأدوية التي تُخدر حواسه لتقميع طبيعة لعنه القاتلة لم تكن إلا حصيلة جهودٍ شاقة وباحثة.
لذا كان من الغرابة بمكان أن يتوقع أحدٌ العثور على علاجٍ غائب في غضون ثلاثة أشهر لمجرد البدء في تقصي الأخبار.
ولم يتطرق إي هيون إلى كون الكتاب الذي يبحث عنه من تأليف طبيب الارواح الأسطوري، كي لا يُعلق آماله بوعودٍ كاذبة
فقد يبدد ذلك الأمل ويحطمه إن عجز عن إيجاده، وسيكون ذلك أكثر قسوةً وجرمًا
"……."
لو أن مشهد علاج مو يونغ غون كان قد ورد في روايته الأصليّة، لكان لديه حلٌّ حاسم وواضح، لكن المشكلة أن إي هيون لم يضع من الأساس خاصية نجم القتل السماوي لـمو يونغ غون عندما كتب رواية .
بل كان قد أظهره مجرد شخصيةٍ أصيبت بالجنون جراء انحراف الطاقة.
وحتى إنه لم يذكر اسم مو يونغ غون في الرواية قط؛ إذ لم يُدعَ سوى بلقب شيطان الجنون.
فشيطان الجنون في الرواية لم يحضر اجتماعات النخب الشابة بصفته مو يونغ غون قط، وكان يعاني من حالات جنونٍ شديدة، يبدو أنها ناتجة عن انقطاعه عن تناول الدواء لفترة طويلة.
بل إن شعره كان قد تحول إلى اللون الأبيض الناصع، وكانت طريقة كلامه مختلفةً عن مو يونغ غون الحالي.
لهذا السبب لم يدرك إي هيون في البداية حتى أن مو يونغ غون هو نفسه شيطان الجنون.
'على كل حال، سواء كان قد أصيب بالجنون بسبب انحراف الطاقة، أو تفاقم جنونه لعجزه عن السيطرة على طبيعة النجم القتل السماوي، فإن الأعراض الظاهرة للعيان تكاد تكون متطابقة.'
إذن، ما السبب الذي جعل شيطان الجنون في الرواية يعجز عن تناول الدواء لفترة طويلة؟
هل طُرِد في النهاية بسبب مشكلاتٍ داخل العائلة؟ أم كان ذلك بسبب الحرب؟
'……لو أنني كتبتُ حامي الحرب من عائلة بانغ بطريقة مختلفة، هل كان سيعفى مو يونغ غون من كل هذا العناء؟'
ربما كان من الأفضل ألا يثور مثل هذا النزاع في الرواية من الأساس.
ورغم يقينه بأنه لم يخلق هذا العالم بنفسه، إلا أن مثل هذه الأفكار كانت تداهمه فجأة بين الحين والآخر.
لكنها فرضية لا طائل منها.
فالأمر قد مضى وانتهى، ولن يفيد الندم والتساؤل عما كان سيحدث لو سارت الأمور على نحو آخر وكان من الأفضل استغلال الطاقة المبذولة في لوم الذات للعمل على تغيير الوضع الحالي.
'……فالاستغراق في التفكير قد يزج بي في قاع الهاوية.'
شدد إي هيون على مو يونغ غون مراراً ألا يبوح بأي كلامٍ قد يُستغل ضده.
لأنه إن وجد من يرغب في التخلص من مو يونغ غون داخل العائلة، فمن المؤكد أنه سيتشبث بهذه الحادثة ليتخذها ذريعة.
وعندما وشكت الوجبة على الانتهاء، قال مو يونغ غون فجأة لبانغ سوول
"……على ذكر ذلك، يا السيد الشاب الأكبر بانغ، إن حافظه البخور تلك قد تلاشت رائحتها تمامًا……"
"حافظه البخور؟ آه."
كان مو يونغ غون يشير إلى حافظه البخور الفضية المعلقة على خصر بانغ سوول.
"عندما التقينا في المرة الأولى كانت تفوح منها رائحة خفيفة…… أما الآن فلا تخرج منها أي رائحة."
"لقد مر وقت منذ أن ملأتها آخر مرة يتوجب عليّ صنع واحدة جديدة فور عودتي إلى مقر العائلة."
وعند سماع ذلك، سأله إي هيون باستغراب
"أتعرف كيف تصنع البخور؟"
"بالتأكيد، وما الغريب في ذلك؟"
"لا شيء……"
ففي الرواية، لم يرد أي وصف يذكر أن بانغ سوول كان يجيد صنع البخور في هذه الفترة.
'……على أية حال، ليست هذه المرة الأولى التي أكتشف فيها اختلافات عن الرواية.'
ففي ظل اندلاع أحداث كبرى لم تكن موجودة في الرواية من الأساس، كالأحداث الأخيرة، ربما كان تغيير بهذا القدر أمراً طبيعيًا.
وفي تلك اللحظة، قدم بانغ سوول صندوقًا من الخيزران المنسوج إلى مو يونغ غون.
فاستلمه مو يونغ غون بملامح يعلوها الذهول
"……ما هذا……؟"
"لتتناوله في طريقك، فالطريق أمامك طويل، أليس كذلك؟"
"……هل يمكنني فتحه؟"
"بالتأكيد."
وعندما فتح مو يونغ غون الغطاء، ظهر في الداخل حلوى الفاصوليا الحمراء وغيرها من أطايب مهرجان تشيلسوك المحدودة.
"لقد وضع كل منا ما اختاره بنفسه وبما أن النكهات متنوعة، فلن تمل منها بسهولة."
قال مو يونغ غون بصوتٍ مكتوم كأنه يغالب العبرات
"……شكراً لكم جميعًا."
"لا شكر على واجب."
"لنلتقِ مجدداً لنستمتع بالمهرجان سويًا في المرة القادمة."
"……أجل."
وهكذا، ودع الرفاق مو يونغ غون وهو يغادر على متن عربة العائلة.
****
عند عودتهم إلى الفندق، قصد إي هيون غرفة دانغ هوي ودانغ تاي يول، فوجدهما في انتظاره.
أشار دانغ تاي يول بدقنه ملوحًا له بالجلوس، فجلس إي هيون على الكرسي الموضوع أمام الطاولة.
قال دانغ تاي يول وهو يكتف ذراعيه
"إذن؟ ما قصتك مع كلمة خائن تلك التي ألقيتها؟"
"يبدو أن طريقة تركيب سم ساهونرو قد تسربت."
ساد الصمت بينهما للحظة جراء كلام إي هيون المباشر دون مقدمات.
عقد دانغ هوي حاجبيه
"لا تقل لي أنك تقصد سم ساهونرو المزيف؟"
"نعم."
"ولكنك قلت إنه يختلف عن الأصلي!"
صرح دانغ تاي يول بذلك معترضًا ، فقام إي هيون باستدعاء سم ساهونرو المزيف من داخله.
وبما أنه كان قد نجح بالفعل في حبسه داخل نواة السم وخلافًا للبارحة حيث كان عليه إظهار آثار السم عمداً، لم يكن بحاجة لإيذاء نفسه هذه المرة؛ لذا اقتصر الأمر على صبغ طرف أصبعه باللون الأسود دون أن يلحق به أي أذى.
"نعم، ولكن يبدو أن بعض مكوناته تتشابه مع سم ساهونرو الأصلي هل لدى أيٍّ منكما معرفة بطريقة تركيب سم ساهونرو؟"
"أنا أعرفها."
"هذا ممتاز أليست لديك القدرة، يا أخي، على تحليل هذا السم إلى حدٍّ ما حالما يدخل جسدك؟"
وبينما كان إي هيون يقول ذلك وهو يحدق في دانغ تاي يول بنظرة ثابته، التوت شفتَا
"أتريد حقن هذا السم المزيف في جسدي؟"
"أعتقد أن هذه هي الطريقة الأسرع والأكثر ضمانًا للتأكد."
"تّـبًًا."
نقَر دانغ تاي يول بلسانه ثم مدّ ذراعه
"أشعر وكأنني أقدم ذراعي لكلبٍ مجنون."
"هذا كلامٌ قاسٍ جداً إذن، هل نبدأ؟"
وقبل أن يجيب دانغ تاي يول بأي كلمة، كان السم الأسود قد تدفق من طرف أصبع إي هيون إلى ذراع دانغ تاي يول طحن دانغ تاي يول أسنانه من شدة الألم
إذ انتشرت بقع السم على ذراعه، وسرى آلم لا يطاق وكأن خناجر تطعن شرايينه بقوة.
'هذا…… المجنون……!'
كيف امتص هذا الشيء دون حتى أن يتعلم الفنون القتالية السمية بشكل صحيح؟!
كادت شتيمة أن تنفلت من بين شفتيه، لكنه كتمها بشدة وبدأ على الفور في تدوير طاقته وتوجيهها.
وبالفعل، وكما هو متوقع ممن يفوق دانغ هوي مهارةً في الفنون القتالية السمية، بدأت البقع السوداء تتلاشى من جسده بسرعة أكبر بكثير مقارنةً بإي هيون.
وبعد لحظات، فتح دانغ تاي يول عينيه وزفر زفيراً عميقًا فقطب حاجبَا دانغ هوي قليلاً
"هل أنت بخير؟"
"أجل، هذا ممتاز بالنسبة لشخص تعرض لعضة كلب مجنون.……وكما قال شقيقنا الثالث، يبدو أن هذا الشيء قد صُنع تقليداً لتركيبة سم ساهونرو."
"……إنه سمٌ قديم التواجد، وحتى يتمكن أحدٌ من تقليده، لا بد أنه كان على علمٍ بتركيبته الأصلية."
تمتم دانغ هوي بذلك وكأنه يحدث نفسه، فأومأ إي هيون برأسه موافقًا
"نعم وأظن أن من ابتكر طريقة تركيب هذا السم المزيف ليس هو العقل المدبر لجمعيتهم؛ إذ لو كان يعرف التركيبة الأصلية، لاستخدم سم ساهونرو الحقيقي دون تردد."
"أتقصدُ أن شخصاً من داخل عائلة دانغ قد عدّل طريقة التركيب وسرّبها إلى العقل المدبر؟"
"هذا ما أعتقده."
"……."
ارتسم التجهم والجدية على وجهي دانغ هوي ودانغ تاي يول.
فمن يستطيع الوصول إلى طريقة تركيب سم ساهونرو لا بد أن يكون شخصًا يمتلك مكانة رفيعة داخل العائلة.
"……سنفكر في هذا الأمر مليًا."
"حسنًا يا أخي."
تردد إي هيون قليلاً ثم أردف
"يستحسن أن نتعامل مع الأمر فور وصولنا لمقر العائلة؛ فلربما يسرّبون ما هو أخطر من تركيبة ساهونرو إن تركناهم وشأنهم."
كالاستيلاء على الخزانة السرية الخاصة بعائلة دانغ في سيتشوان، على سبيل المثال
"……أجل، هذا صحيح."
تمتم دانغ هوي بذلك وكأنه يحدث نفسه، بينما استقرت في عينيه نظرة باردة كالثلج.
وعقب انتهاء محادثته مع شقيقيه، اغتسل إي هيون وعاد إلى الغرفة.
وعند عودته، لاحظ أنه بخلاف ما فعل حين ارتدا ثياب النوم، كان بانغ سوول لا يزال يرتدي الملابس نفسها التي كان يرتديها في النهار.
رمش إي هيون بعينيه
"ألن تغتسل؟"
"ألسنا ذاهبَينِ الآن إلى ذلك المكان الذي تُسميه النعيم أو ما شابه؟"
"عندما نستيقظُ سيكون الصباحُ قد حلّ على الأرجح، فالوقتُ يمرُّ هنا أيضًا كلما مرّ هناك."
"……لا بأس، يكفي ألا أستلقي على السرير؛ فأنا معتادٌ على النومِ جالسًا."
"……ليس عليك القيام بذلك—."
"دعك من هذا، واعطني الاكسير الابيض تلك أو أياً كان اسمها."
أخرج إي هيون الاكسير الابيض من أمتعته ومدّها إليه، فنظر إليها بانا سوول بنظرة غريبة على وجهه.
"لم أتخيل قط أنني سآكل هذا الشيء."
"……بالفعل."
فحين حصل إي هيون على هذه الحبة في قرية غوبيوك، لم يكن يتوقع هو الآخر أنه سيتناول هذا الحبه جنبًا إلى جنب مع بانغ سوول.
جلس بانغ سوول براحة على الكرسي، ثم رفع الاكسير الابيض بين أصابعه
"إذن، لنذهب إلى ذلك المكان الذي تدعوه بالنعيم أو ما شابه."
وفي اللحظة نفسها، ابتلاعا الاثنان الاكسير الابيض معًا