287
تمتم دانغ تاي يول بذهولٍ واستنكارٍ عند سماع كلام إي هيون
"أهذا بشرٌ أم شيطان……؟"
نقَرَ إي هيون على اللوحة بظهر يده نقرات خفيفة وتابع حديثه
"إذا نظرنا إلى الأمر بهذه الطريقة، فقد تبدو خطةً جافةً وركيكة إلى حدٍّ كبير، لكن ذلك لم يكن لفرق لديهم على أي حال؛ إذ يستحيل على الغرباء معرفة التسلسل الزمني الدقيق للحدث."
فالوسيلة الوحيدة التي تُمكن الناس في العراء من معرفة الوقت ليلاً هي قرع الأجراس أو الطبول التي تعلن عن ساعات الليل الخمس
وبناءً على ذلك، فإن اختلاف توقيت مقتل كلٍّ منهما في أماكن متباعدة بفارقٍ بسيط لن يشكل عقبةً كبيرة.
أومأت جيغال تشاي مون برأسها إيجابًا باختصار
"هذا صحيح؛ فمجرد وقوع القتل المتبادل بين السيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ ونائب الزعيم الشاب للفصيل غير الأرثوذكسي كان كافيًا بحد ذاته لإشعال فتيل المواجهة الحتمية بين الطرفين."
"بالضبط ولو نجحت خطتهم، لظنَّ كلُّ معسكرٍ أن الطرف الآخر هو من بادر بالهجوم الغادر."
فالمعارض والمعارك في أصلها—إشعالها أيسر بكثير من إخمادها.
وبخلاف ما حدث في رواية
، كانت عائلة دانغ ستفقد سيدها الشاب الأكبر أيضًا ، مما كان سيعجل باندلاع حربٍ شاملة ومباشرة بلا شك.
غير أن تلك المخططات برمتها تلاشت كالهباء جراء متغيرٍ واحدٍ غفل عنه العقل المدبر خلف الكواليس
وهو تمكُّن إي هيون من امتصاص سم إبرة ساهونرو داخل سمّه الذاتي
وكان من الطبيعي تمامًا ألا يحسب المدبر حساب هذا الاحتمال؛ فمن ذا الذي كان ليتخيل أن السيد الشاب الثالث الخالي من الموهبة القتالية—والذي استفاق بعد غيبوبةٍ دامت سنتين—قد تجرع سم ساهونرو في بضعة أشهرٍ فقط ونجا منها سالمًا؟
بل إن هذا السر لم يكن يعلمه حتى دانغ هوي ودانغ تاي يول أنفسهما، فلم تكن هناك أي طريقةٍ تتيح للشبكة الاستخباراتية للمدبر اكتشافه، مهما بلغت براعتها.
ونتيجةً لذلك، حسم إي هيون الموقف في موقع الحدث فوراً، ليخفق اغتيال نائب الزعيم الشاب، وتتلاشى محاولة إلصاق التهمة بعائلة دانغ
قضبت جيغال تشاي مون أحد حاجبيها
"…… لولا وجود السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ في ذلك المكان، لاندلعت بحورٌ من الدماء لا تُحمد عقباها."
فـساهونرو سمٌّ طال العهد بعدم استخدامه؛ حتى إن دانغ هوي ودانغ تاي يول لم يريا آثار هذا السم بعيونهما قط.
وللتأكد مما إذا كانت الآثار مطابقة للأصلية، كان يتوجب عليهم العودة إلى عائلة دانغ وإعادة تصنيع السم واختباره على جسد أحدهم، فأين لهم بالوقت الكافي لشيءٍ كهذا؟
فضلاً عن أنه كان من المستبعد أساسًا أن يشك أحدٌ في كون سم ساهونرو مزيفًا وسط تلك الفوضى العارمة.
غير أن إي هيون هز رأسه رافضًا إطراء جيغال تشاي مون
"أنا ممتنٌّ لتقديركِ العالي لي، ولكن لو نقص أمرٌ واحدٌ فقط مما حدث الليلة الماضية، لتدهورت الأوضاع إلى نقطةٍ لا يُمكن إصلاحها قرار الأخ هوي بترك آثار ضربة كف العدو على جسده، ووصول قائد فرقة الثعابين السوداء في الوقت المناسب للإمساك بالأعداء، والإسعافات الأولية التي قدمها الأخ تاي يول وصمود السيد الشاب الأكبر بانغ لمنع تدهور الوضع إلى الكارثة حتى وصول قائد الفرقة، وتجنب السيد الشاب مو يونغ لمهاجمة السيد الشاب الأكبر بانغ لتذكره رائحة البخور، ووصول قائده فرقة طائر العنقاء إلى الموقع بفطنتها وسرعة تقديرها للموقف... تضافُر هذه العوامل جميعًا هو ما حال دون وقوع الفاجعة الكبرى."
وعند سماع كلمات إي هيون، نطق تشو إيل غانغ بنبرة جافة
"ولِما تم استبعادي أنا من تلك القائمة؟ ألم نتمكن من تفادي السيناريو الأسوأ—وهو مقتلي—بفضل قيامي بوضع بديلٍ لي؟"
تسببت كلماته تلك في ارتسام علامات الاستهجان والضيق على وجوه الجميع؛ أن يتفوه بمثل هذا الكلام وتابعه قد قضى نحبه أثناء تنفيذ أوامره، فهذا لا يصدر إلا عن شخصٍ مضطرب السلوك بكل ما للكلمة من معنى.
فضلاً عن أنه لو أردنا تحري الدقة، لقلنا إن تلك الأزمة برمتها ما كانت لتقع لولا لجوؤه إلى خطة الطعم تلك من الأساس.
ولكن...
'حتى لو لم يأتِ إلى موهان لكانت الأحداث قد جرت بأسلوبٍ آخر على أي حال.'
فالأمر في النهاية لم يكن سوى مسألة توقيت ومكان لا أكثر.
ورغم أن الحظ لعب دوره، إلا أنه من حيث النتيجة، فإن مجازفة نائب الزعيم الشاب وقراره الشجاع هما ما مكّنا الجميع من احتواء الموقف وتسويته بأسرع وأضمن طريقة.
وبعد استيضاح بضع تفاصيل إضافية، انتقل النقاش إلى الخطة والتوجهات المستقبلية
وانتهت المشاورات باتفاق طرفي تحالف الموريم والفصيل غير الأرثوذكسي على مواصلة التحقيقات المشتركة للكشف عن العقل المدبر خلف هذه الأحداث.
وعلى وجه الخصوص، تم الاتفاق على تبادل المعلومات فوراً في حال العثور على ممارس تقنية سلب الأرواح أو الشيطان الصغير اللذين شهدت مجموعة إي هيون وجودهما.
وفي تلك اللحظة، فتح تشو إيل غانغ فمه قائلاً فجأة
"وعلى ذكر ذلك، يا سيد دانغ الثالث... لقد كنتَ سريعًا للغاية في استخدام البطاقة التي سلمتُك إياها، بل واستغللتها لأقصى حدٍّ لتنتزع منها منافع إضافية."
"…… تبدو أنباؤكم سريعة للغايه يا سيدي."
"حسنًا ، سيتكبد سيد قصر تشونغ هيانغ بعض المشقة الإضافية، لكن هذا لا يهمني في شيء كل ما يثير فضولي حقًا هو ما تنوي فعله بتلك المعلومات."
"لا أعتقد أن هناك ما قد يثير اهتمامك يا نائب الزعيم الشاب؛ فالأمر لا يعدو كونه شأناً شخصيًا محضًا."
"لستُ واثقًا من ذلك؛ فأن يصدر مثل هذا القول ممن درأ خطر الحرب بين الأرثوذكسيين والغير الأرثوذكسيين الليلة الماضية، فهذا كلامٌ يفتقر إلى المصداقية آها، على أي حال، إن ضاقت بك السُّبل يومًا ولم تجد لك مأوى، فباب الفصيل غير الأرثوذكسي مفتوحٌ لك في أي وقت، وسأحرص على توفير منصبٍ مرموقٍ يليق بك."
عبرت ملامح الذهول والدهشة على وجوه الحاضرين عند سماع ذلك.
أيعقل أن يجرؤ على دعوة أحد أبناء عائلة دانغ للانضمام إلى الفصيل غير الأرثوذكسي وهو يجلس في قلب مقر تحالف الموريم؟
وبينما كاد دانغ تاي يول أن ينطق بما يختلج في صدور الجميع ويقول
"أجننتَ يا هذا؟"
...
"لن يحدث ذلك أبداً."
اجتذبت هذه الجملة أنظار الجميع ونظراتهم نحو مصدرها؛ نحو دانغ هوي.
أمال تشو إيل غانغ رأسه بتساؤل
"تُرى؟ لا أحد يعلم ما يخبئه الغد أليست المنافسة على خلافة عائلة دانغ معروفةً بشراستها الضارية؟ حتى في الجيل السابق مباشرةً— أووه، معذرةً على هذا التجاوز."
"سواء أكانت المنافسة على الخلافة في عائلتنا ضاريةً أم لا، فهذا أمرٌ لا يعني نائب الزعيم الشاب في شيء كما أنك لست بحاجة إلى إجهاد نفسك لتوفير منصبٍ لأخي؛ فمكانة أخي الثالث قائمةٌ ومحفوظةٌ بالفعل داخل عائلة دانغ"
اتسعت عينا إي هيون تلقائيًا ونظر إلى دانغ هوي بذهولٍ مكتوم، غير أن ملامحه ظلت هادئةً ورزينة كعادتها.
عقّب تشو إيل غانغ بنبرةٍ شاردة وخالية من الاكتراث
"آه— سمعتُ أن العلاقة بينكما كانت جافةً للغاية، فهل أعدتما الدفء والوفاق بينكما بعد أن اجتزتما الأزمة في فيلا مونغ رين؟يبدو أنني أُستُغلِلتُ مجرد وسيلةٍ لتقريب المسافات وتليين القلوب بين الأخوَيْن إذن عمومًا، وبما أن لكما فضلاً كبيراً في هذه الحادثة، فسأتغاضى عن الأمر بكرم."
"تبًا لك……"
"ماذا قلتَ للتو، يا سيد دانغ الثاني؟"
"هاها، يبدو أنه كان يقصد القول إننا تعرضنا لأزمةٍ عصيبة تُشبه الوباء الفتاك، ولكن ياللراحة أن كل شيء قد حُلّ على خير!"
اندفع إي هيون بالحديث كالسيل لتدارك الموقف وتلميع العبارة، بينما رمقه بانغ سوول بنظرة شفقةٍ ورثاء للحال.
آهه...'
وبعد مناقشة بضع نقاطٍ إضافية، أُغلقت الجلسة واكتملت المحادثات.
"سيد دانغ الثالث، ابقَ معي لنتبادل بضع كلمات."
استوقفت جيغال تشاي مون إي هيون ودعته للبقاء.
"……؟ نعم، أمرُكِ يا قائدة الفرقة."
وهكذا انسحب الجميع وغادروا القاعة، ولما لم يبقَ في الغرفة سواهما، فتحت جيغال تشاي مون الحديث
"هل تشرب كوبًا من الشاي؟"
"لا داعي لذلك، يا قائدة الفرقة."
"همم، لم استدعك إلا لأمرٍ محدد— آه، ولكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع، أود أن أسألك عن شيءٍ واحد."
"تفضلي بالحديث."
"سمعتُ أنك رفضتَ عرض زعيم عائلة جيغال بتبنيك، أهذا صحيح؟"
"…… كيف علمتِ بهذا يا قائدة الفرقة……؟"
"هذا لأن عرض التبني ذاته قد عُرِض عليّ أنا أيضًا."
بالفعل؛ وبمجرد التفكير في الأمر، لم يكن هناك شيءٌ يدعو للغرابة على الإطلاق؛ فإذا كان زعيم عائلة جيغال يرغب في إقامة شخصٍ كفءٍ كسيدٍ شابٍ اكبو مقبل، فمن الطبيعي جداً أن تكون جيغال تشاي مون في صدارة خياراته.
ولم يستطع إي هيون مغالبة فضوله
"إن لم يكن في هذا استخفافٌ أو فضولٌ غير لائق، فهل لي أن أسأل عن ردكِ على العرض؟"
"رفضتُه أليس هذا هو التصرف الطبيعي والبديهي؟"
"بـ... بديهي……؟"
"كيف لي أن أقبل بسلاسةٍ وسهولةٍ منصبًا قاتلت والدتكِ من أجله باستماثةٍ وضراوة، ولم تتمكن من نيله؟"
وعند سماع هذا الجواب غير المتوقع، أطال إي هيون النظر إلى جيغال تشاي مون بذهولٍ وصمت.
"يبدو أنكِ كنتِ تُكنّين لوالدتي احترامًا وتقدير عميقين للغاية."
"لستُ أنا وحدي؛ بل كان المعجبون بوالدتكِ والمقتدون بها لا يُحصَون عدداً فضلاً عن ذلك، فإن الفارق العمري بيني وبين زعيم العائلة يجعلني في مقام أخته الصغرى لا ابنائه، لذا لا أصلحُ لأن أكون سيدةً شابةً مقبلة تتحمل مسؤولية العائلة للجيل القادم."
"لو أصبحتِ أنتِ القائدة، لكانت عائلة جيغال قد حظيت بزعيمةٍ عظيمة بلا شك... إنه لأمرٌ يدعو للخسارة والتأسف بالنسبة لجيغال."
وعند سماع كلماته تلك، ابتسمت جيغال تشاي مون ابتسامة ساخرة خفيفة.
"يبدو أن لسانك قد صُقِل بالدهان والطلاقة! عمومًا ولنعد إلى صلب الموضوع."
"نعم، تفضلي."
"يرغب زعيم التحالف في لقائك شخصيًا."
…… وما الذي يقحم زعيم تحالف الموريم في الأمر أصلاً؟
أمام هذا الكلام المفاجئ، صمت إي هيون لبرهة، ثم ابتسم ابتسامة يسودها الارتباك
"آه، هل هناك أمرٌ يود الاستيثاق منه شخصيًا بشأن هذه الحادثة؟"
"ألم نكتَفِ بالتداول والنقاش الكافي حول تلك الحادثة قبل قليل؟ الأمر ليس كذلك، بل إنه يود التعرف عليك ورؤيتك شخصيًا فحسب."
"…… لا يسعني تخمين السبب أو الغرض من ذلك."
"لقد رُفِعت التقارير بالكامل إلى زعيم التحالف بشأن ما حدث في تشونغ يو ، والمان سانغ، وصولاً إلى أحداث الليلة الماضية ألا ترى أن أحداً لو قرأ تلك التقارير—حتى لو كان أنت—لسارعه الشغف والفضول لمعرفة طبيعة شخصية السيد الشاب الثالث لـعائلة دانغ؟"
"ذـ... لكن كما تعلمين، تلك الأحداث لعب فيها الآخرون الدور الأكبر و—"
"على أي حال، لقد غادر لحاجةٍ عاجلة، لكنه سيعود بحلول عصر الغد تقريبًا فهل لك أن تنتظره حتى ذلك الحين؟ هنا في مقر تحالف الموريم."
"…… في مقر التحالف؟"
ولماذا هنا تحديداً؟
"سأتولى إرشادك وأخذك في جولةٍ مناسبة داخل المقر إلى أن يعود زعيم التحالف فبما أنك أتيت إلى هنا على كل حال، لن يضرك استكشاف المكان ورؤيته."
تراجع إي هيون خطوةً إلى الخلف دون أن يشعر
"…… أعتذر منكِ أشد الاعتذار يا قائدة الفرقة، لكنني أصبتُ بجراحٍ داخلية جراء تجرعي لسم ساهونرو المزيف الليلة الماضية وحتى جلوسي هكذا الآن يرهقني كثيراً، لذا يلزمني العودة فوراً إلى الفندق للراحة."
"ماذا؟ إن كان الأمر كذلك، فسأستدعي طبيب التحالف لـ—"
"أنا ممتنٌّ للطفكِ وعنايتكِ، لكنني تناولتُ عقاراً نادراً بالفعل وأتممتُ الإسعافات العاجلة وأعلم أن هذا تصرفٌ جاف، لكنني أرجو منكِ نقل اعتذاري لزعيم التحالف وأن يلتمس لي العذر بنبله."
"……."
ساد القاعة صمتٌ ثقيل، وتبادلا النظرات وكأنهما في مواجهةٍ حذرة.
نقرت جيغال تشاي مون بلسانها، ثم قالت بنبرةٍ يتخللها التأسف وخيبة الأمل
"…… طالما أنك بلغتَ هذا الحد في القول، فلا حيلة لي حسنًا سأنقل الأمر إلى زعيم التحالف بأسلوبٍ مناسب."
"…… شكراً لكِ، يا قائدة الفرقة."
كبح إي هيون تنهيدة الارتياح بالكاد، وسارع بالخروج من قاعة الاجتماعات.
طَق.
"آهااااه……"
"لمَ يعلو وجهك كل هذا الإنهاك ؟"
التفتَ إي هيون ليرى دانغ هوي ودانغ تاي يول أَمامَه؛ ويبدو أنهما لم يغادرا اولًا ، بل كانا ينتظرانه أمام قاعة الاجتماعات.
ابتسم إي هيون ابتسامةً متكلفةً يسودها الحرج
"لا شيء يُذكر ولكن، أين السيد الشاب الأكبر بانغ والسيد الشاب مو يونغ؟"
اجابه دانغ هوي
"ذكر السيد الشاب مو يونغ أن لديه بضع تعليماتٍ يتوجب عليه تلقيها بشأن تقنية سلب الأرواح قبل مغادرته أما السيد الشاب الأكبر بانغ فقد استُدعيَ لبرهةٍ لاستلام بعض الوثائق الخاصة بـعائلته طالما أنه يتواجد في مقر التحالف."
"فهمتُ الأمر…… آه، يا أخيَّ، وعلى ذكر ذلك، لديَّ حديثٌ هامٌّ وشديد السرية أودُّ إطلاعكما عليه فور وصولنا إلى الفندق."
"أهو أمرٌ يصعب الحديث عنه هنا؟"
"نعم، إلى حدٍّ كبير……"
اقترب إي هيون وهمس في أذن دانغ هوي
"لأن الأمر يتعلق بالخائن الموجود داخل عائلتنا."