276
أمام أحد الأكشاك الواقعة في ساحةٍ ما بمدينة ووهان.
"في الواقع…… لم أرَ سيداً شابًا بمثل هذه الأوصاف من قبل."
"أهكذا إذن."
كان هذا الرد هو ذاته الذي سمعه لعدة مرات بالفعل.
أحنى دانغ هوي رأسه بقليل من التحية، ثم ابتعد عن واجهة الكشك الذي يبيع حلوى الفاصوليا الحمراء
وحتى بعد أن ركض فوق الأسطح وفتش الأنحاء مجدداً، لم يعثر على أي أثر لـمو يونغ غون مما دفع دانغ هوي في نهاية المطاف إلى البدء في سؤال تجار الشوارع عما إذا كانوا قد رأوه، مستعينًا بوصف ملامحه وهيئته.
ومع ذلك، لم يحصل على أي دليل أو طرف خيط حتى اللحظة.
ولعل هذا كان أمراً طبيعيًا فالشخص الذي اختفى وتوارى عن الأنظار دون أن ينبس ببنت شفة، لن يتجول متسكعًا على مهل بين أكشاك الشوارع.
’…… أين ذهب بحق السماء؟‘
كان دانغ هوي يقدّر ويحترم قدرة مو يونغ غون على ضبط النفس.
فحتى وإن لم يكن بمستوى دانغ تاي يول، إلا أن دانغ هوي كانت لديه معرفة وخبرة لا بأس بها في الطب والعلوم الطبية؛ ولذا كان بإمكانه أن يخمن تقريبًا مدى صعوبة كبح غريزة القتل بالنسبة لصاحب نجم القتل السماوي
ولعل تحمل تلك النزعة والسيطرة عليها دون تناول الدواء، يشبه تمامًا حال شخصٍ يعاني من عطش شديد ويسد رمقه لعدة أيام، ثم يرفض الماء حين يُقدم أمام عينيه مباشرة.
ومع ذلك، لم يكن تناول الدواء أمراً هينًا أو يسيراً أيضًا لأن إضعاف حواس أهل القتال وتخديرها لا يختلف بتاتًا عن إتلاف شفرة سلاح المرء بيديه.
ولكن بمعزل عن تقديره لصبره ، فإن اختفاء مو يونغ غون المفاجئ وسط هذه الحشود الغفيرة من الناس كان يحمل نذير شؤم شديد.
إذ ماذا لو وقع——أمر غير متوقع بالمرة؟
"السيد الشاب الأكبر!"
دفع هذا الصياح العاجل دانغ هوي للالتفات بوجهه، ولم يكن صاحب الصوت سوى جيوك بول هاي.
وكان دانغ هوي قد علم بالفعل—عبر شبكة معلومات العائلة—بأن هذا الرجل قد سرق النواة الداخلية الخاصة بالرابطة التجارية وفر هاربًا قبل أن يقبض عليه الأخ الثاني.
وكذلك علم أن الأخ الثالث أدى دوراً كبيراً في تلك الحادثة، وطلب كـمكافأة له الحصول على حضانة هذا الرجل والاحتفاظ عليه.
في البداية، تملكه العجب والتساؤل عن الغاية التي جعلت الأخ الثالث يتخذه تابعًا له، أما الآن، فقد خمن تمامًا بأن هناك سببًا وجيهًا يستدعي ذلك؛ فبناءً على ما عاصره وعايشه بنفسه في عالم المان سانغ لم يكن الأخ الثالث طفلاً يتصرف بتهور ودون تفكير.
ولهذا السبب، لم يكن دانغ هوي يعامل جيوك بول هاي كلص صغير، بل كان يتعامل معه بصفته تابعًا لأخيه الأصغر.
"ما الأمر؟"
"في تلك الناحية……!"
ضاق ما بين حاجبي دانغ هوي وهو يوجه نظراته نحو الاتجاه الذي أشار إليه جيوك بول هاي؛ إذ كانت هناك إشارة ضوئية تنفجر في بقعة بعيدة تمامًا عن ضفة النهر حيث كانت الألعاب النارية في أوجها.
وعلى الرغم من أنها لم تكن تخص مجموعتهم، إلا أنها كانت بلا شك قنبلة إشارة
’…… من المؤكد أن هناك خطبًا ما يحدث الآن في مدينة ووهان.‘
أن تنفجر قنبلة إشارة في سماء مدينة كبيرة تعج بمهرجان صاخب كهذا؛ فحتى دون معرفة الأمر، كان من الأفضل التوجه لمعاينته بأنفسهم.
"سنتحرك إلى هناك."
"مفهوم."
وفي اللحظة ذاتها التي همّ فيها بخطو أولى خطواته.
"عـ، عذراً، أيها السيد الشاب."
"؟"
توقف دانغ هوي عن السير فجأة إثر سماعه صوتًا مباغتًا وعندما التفت، وجد سيدة شابة لم يرها من قبل تنظر إليه وهي تبدو متوترة وقلقة بعض الشيء.
"فيمَ يمكنني مساعدتكِ؟"
"إن لم يكن لديك مانع، هل يمكنك قبول هذا من فضلك؟"
مدت السيدة الشابة يدها فجأة نحو دانغ هوي وهي تحمل صندوقًا صغيراً مصنوعاً من خيزران ملون ، ومغلفًا بالورق ومربوطًا بخيط أحمر، فسألها دانغ هوي بتعجب
"ولِمَ تقدمين هذا لي؟"
"آه، هل أنت من خارج هذه المدينة؟ في هذه الساحة وخلال مهرجان تشيلسيوك، يمكن لأي شخص أن يقدم حلوى الفاصوليا الحمراء لأي عابر سبيل يثير إعجابه ويرتاح له!"
"……."
أن تختارني وتتقرب مني أنا بالذات في مثل هذا الموقف العصيب
’هل يعقل أن تكون مغتالة؟‘
راودته هذه الفكرة لبرهة، لكن السيدة الشابة التي تقف أمامه لم تكن تبدو من أهل القتال بتاتًا
تناول دانغ هوي صندوق الخيزران الذي قدمته له دون أن ينبس ببنت شفة؛ فلو كانت هذه المرأة مغتالة، فسيكون عليه التحقق مما إذا كان الصندوق يحتوي على سم أو أسلحة مخفية، وإن لم تكن كذلك، فلن يكون من الأدب أو اللياقة إحراج امرأة وكسر خاطرها.
"إذ، إذن إن لم يكن لديك مانع، ما رأيك أن نذهب إلى مقهى الشاي في تلك الناحية لنتناول الشاي معًا……!"
وبدا أن الفتاة قد استجمعت شجاعتها إثر قبوله للحلوى؛ إذ تهلل وجهها بالفرح وهمّت بمواصلة حديثها، ولكن في تلك اللحظة بالذات.
وووش!
"هاه؟"
كل ما حدث هو أنها رمشت بعينيها لمرة واحدة، لتجد جسدها فجأة محتضنًت بين ذراعي دانغ هوي وهو يحلق بها عاليًا في الهواء.
"مـ، ما هذا؟ كـياااااااا سأهلك!"
بات بات بات بات بات!
وتزامنًا مع حركات جسده السريعة التي كانت تنعطف وتغير اتجاهها يمنة ويسرة كشريط مرن، تطايرت قطع حديدية حادة واخترقت الهواء، لتنغرس بقوة في أكوام البضائع والجدران.
"مـ، ما الخطب؟!"
"آااااااااخ!"
"إنه قتال!"
"ليبلغ أحدكم تحالف الموريم فوراً!"
خشية أن يتأذى الآخرون إن استمر في المراوغة والفرار، هبط دانغ هوي على الأرض فوراً.
وفي تلك اللحظة بالذات، وكأنهم كانوا يترقبون هذه الفرصة، انطلقت أسلحة مخفية حادة وضارية من زاوية ميتة.
تشي-تشي-تشي-تشي-تشانغ!
استل دانغ هوي خنجراً من حزامه في رمشة عين وأطاح بها جميعًا وعندها هبط ظلان من فوق الأسطح على الأرض دون إحداث أي صوت.
"……."
تضيقت عينا دانغ هوي وهو يتفحص ثياب المهاجمين؛ إذ كانت مطابقة تمامًا للزي الذي يرتديه حراس تشو إيل غانغ الزعيم الشاب لتحالف الساودو
’لماذا يهاجمني حراس ذلك الرجل؟‘
إن مواجهة أهل القتال من الفصائل الأرثوذكسية وغير الأرثوذكسية لبعضهم البعض ووقوع شجار أو نزاع بينهم هو أمر مألوف وشائع ولكن حين يكون أطراف هذا النزاع هما السيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ في سيتشوان والزعيم الشاب لتحالف الساودو، فإن موازين الأمور تختلف تمامًا
ففي اللحظة التي يستل فيها أحد الطرفين سيفه أولاً، يحمل هذا الفعل وزنًا وثقلاً لا يقل عن كونه إعلاناً للحرب بين القوتين العظميين.
ولهذا السبب بالذات، حرص دانغ هوي على المرور سريعًا وتجنب تشو إيل غانغ عندما التقيا سابقًا منعًا لحدوث أي جلبة أو خلاف لا داعي له.
’لكن لِمَ يحدث هذا بحق السماء؟‘
لم تدم تساؤلاته طويلاً؛ إذ اندفعت شفرتا سيفين زرقاوين حادتين بضراوة تستهدف حياته وحياة جيوك بول هاي.
كـاكـاكانغ!
تصدى الرجلان للهجوم بسلاحيهما، فدوى رنين اصطدام المعادن الحاد ليكاد يمزق دوي الألعاب النارية المتفجرة في السماء.
"آاااااااخ!"
"فرّوا من هنا بسرعة!"
"آه، آه……."
"لا تقفي شاردة هكذا، اركضي!"
صرخ معظم الناس المحتشدين في الساحة وتفرقوا ذعراً في كل حدب وصوب، إلا أن السيدة الشابة التي قدمت حلوى الفاصوليا الحمراء لدانغ هوي كانت قد خارت قواها تمامًا فسقطت أرضًا وعجزت حتى عن الحراك أو الفرار.
صاح دانغ هوي موجهًا خطابه ليجوك بول هاي
"خذ هذه السيدة إلى مكان آمن!"
"ولكني حارسك الشخصي بالاسم على الأقل حتى وإن كان مؤقتًا?!"
"أنت تعيقني!"
"مـ، مفهوم!"
وفي اللحظة التي أطاح فيها جيوك بول هاي بسيف الخصم بقوة، ثم حمل الفتاة على ظهره وحلق بها في الهواء.
تشي-تشي-تشانغ!
أطلق دانغ هوي خناجر طائره ليتصدى بها ببراعة للأسلحة المخفية التي كانت تستهدف جيوك بول هاي ويسقطها أرضًا
وما إن تناثرت الأسلحة المخفية المرتدة بجلبة صاخبة، حتى ارتسم الذهول في عيون المهاجمين لبرهة.
ورغم أن مهارة السيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ كانت ذات صيت ذاع وعمّ الآفاق، إلا أن مواجهتها بأعينهم على أرض الواقع جعلتهم يدركون أنها تتخطى توقعاتهم بأشواط بعيدة.
كيف يمكن لشخص في سنٍّ لم يخض فيه بعد معارك حقيقية وصارمة، أن يبدي مثل هذا الرد السريع؟
’ولكن مهما كان، فما هو الآن إلا مجرد ناشئ صغير .
‘
دام أنه لم يصبح تنينًا مكتمل النمو بعد، فإن التعاون معًا في الهجوم الكاسح كفيل بالقضاء عليه.
وهكذا، دارت بين دانغ هوي والمهاجمين في رمشة عين مواجهات ضارية تبادلوا فيها عشرات الضربات.
دمج المهاجمون تقنيات راحة اليد الفريدة في منتصف ضربات سيوفهم، وشنّوا تشكيل هجومٍ مشترك متشبثين به بضراوة لمنع دانغ هوي من فتح أي مسافة بينهم.
لقد أُجبر دانغ هوي على خوض قتال متلاحم ومقرب بسببهم.
ومع أنه لم يكن بالشخص الذي ينقاد بسهولة خلف الإيقاع الذي يريده الخصم، إلا أن تناغمهم البارع جعل من الصعب عليه إيجاد مسافة مناسبة وبدا واضحًا أنهم رجال اعتادوا القتال معًا وتنسيق أنفاسهم منذ فترة طويلة.
بالطبع، لم يكن دانغ هوي ليقع فريسة سهلة وعاجزة لمجرد أن القتال أصبح متلاحمًا بل على العكس، إنما طال أمد هذا القتال لأنه لم يكن يقاتل بنية القتل الصادقة.
أضف إلى ذلك، أنه كان بحاجة لادخار طاقته في هذا القتال، تحسباً لأسوأ ما قد يحدث.
لو كان الأخ الثالث متواجداً في هذا المكان، لربما ابتكر طريقة أفضل، أما بالنسبة له الآن، فلم يكن بوسعه إيجاد خيار يربو على ذلك.
باك!
"كـُه!"
أثناء تصديه للأمر بتقنيات الخنجر وراحة اليد، سمح دانغ هوي لضربة طاقة راحه اليد الخاصة بالخصم باختراقه لمرة واحدة ومسح دانغ هوي الدماء السائلة عند طرف فمه، ثم سأل بنبرة هادئة
"أود سؤالكما أمراً لماذا هاجمتماني؟"
ورغم أنه طرح السؤال وهو يظن أنهما لن يجيبا ببساطة، إلا أن الرد انطلق من أفواه الأعداء دون أي تباطؤ على غير المتوقع
"ألا ينبغي أن تكون أنت أكثر من يعلم؟ أيها السيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ، لأنك أنت من حاولت قتل زعيمنا الشاب أولاً."
أي هراء غريب هذا الذي يتحدثون به؟
"لم أفعل مثل هذا الشيء قط أليس هناك سوء فهم في الأمر؟"
"اخرس!"
صاح المهاجم بغضب عارم إثر رد فعل دانغ هوي المفرط في بروده، وأرجح سيفه بضراوة، فاستنكر دانغ هوي الأمر في قرارة نفسه
’يجب عليّ الابتعاد عن هذا المكان أولاً.‘
لم يكن يدري كيف انطلت عليهما تهمة باطلة وسوء فهم لا يصدقه عقل كهذا، لكنه شعر بحدس قوي أنه إذا ذبحهما الآن، فإن الأمر سيتفاقم إلى وضع لا يمكن تداركه.
فأيًا كانت الحقيقة، فإن النتيجة الظاهرة للعيان ستكون أن السيد الشاب الأكبر لعائلة دانغ قد قتل أتباع الزعيم الشاب في قلب مدينة ووهان.
كان عليه الآن التراجع أولاً لاستيعاب مجريات الأحداث وكيف تتدحرج الأمور.
وفي اللحظة التي همّ فيها دانغ هوي بسحب جسده والابتعاد عنهما.
"أمي، أمي……."
ترافق صوت البكاء والنحيب المذعور مع ملامح طفل صغير يخطو خطواته داخل الساحة عند طرف رؤيته.
ونحو ذلك الطفل، أطلق حارس الزعيم الشاب لتحالف الساودو أسلحة مخفية دون أدنى تردد.
ورغم أن دانغ هوي كان يعلم علم اليقين أن هذه مكيدة رخيصة لخلق ثغرة فيه، إلا أنه لم يكن أمامه بدٌّ سوى أن يندفع بجسده ليعترض طريق الهجوم ويحميه.
تشانغ—!
وفي اللحظة التالية مباشرة لإرجاح خنجره بالكاد وصد قطعة الحديد الطائرة.
فـوك!
"…… كـُه."
تدفقت الدماء بغزارة من فم دانغ هوي.
إن الشيء الذي انغرس في جسده لم يكن سلاح حراس تحالف الساودو المتواجدين أمامه، بل كان سلاح شخصٍ ما التصق به من خلف ظهره.
"يا للهول، لا ينبغي للمرء أن يتراخى لمجرد أنه طفل صغير، يا سيد دانغ الشاب الأكبر."
الطفل الذي كان يبكي بحرقة قبل ثوانٍ معدودة، كان يغرس خنجراً في ظهر دانغ هوي وهو يبتسم بصفاء ومرح.
ثـود
وفي اللحظة التي انهار فيها جسد دانغ هوي وهوى أرضًا
تصلبت خطوات قائد فرقة النمر الأسود وإي هيون، اللذين وصلا إلى الساحة في ذلك التوقيت بالذات، وكأنما شُلا عن الحركة في مشهد لا يصدق.
"أخي الأكبر!"