273
ربما لأن الكعك كان مغلفًا ومجهزاً بالكامل مسبقًا برباط أحمر جميل، ولم يكن على التاجر سوى استلام النقود وتسليمه للزبائن، فإن ذلك الطابور الطويل قد قصر واختفى بسرعة أكبر مما توقعوا.
ولم يمضِ وقت طويل حتى عاد بانغ سوول ومعه كعك الفاصوليا الحمراء بالفعل وبدأ يوزعه على الجميع، وهنا ازدادت ملامح وجه دانغ تاي يول امتعاضًا وضيقًا
"ألا ترى أولئك الناس الواقفين هناك؟ مهما نظرت للأمر، فإن هذه الحلوى يبدو أنها شيء يتبادله الأشخاص الذين يكنون مشاعر لبعضهم البعض أو بين العشاق فقط."
"لقد قال صاحب البسطة إن أفراد العائلة أو الأصدقاء يتشاركون تناولها أيضًا."
'آه، هكذا إذن هل هي مثل شوكولاتة الزمالة ؟'
حسنًا فمن وجهة نظر التاجر، كلما اتسعت دائرة الأشخاص الذين يمكنه البيع لهم، كان ذلك أفضل لمكسبه بالطبع.
"إن كنت لا تريد أكلها، فضعها جانبًا."
"تشـه."
"أخي الأكبر، لا تفكر في رميها سراً لاحقًا ،بل أعطني إياها من الآن أفضل أليس إهدارها مؤسف ؟"
"ومن قال إنني سأرميها؟"
فكّ إي هيون الرباط الأحمر ونزع الغلاف الورقي، ثم قضم على الفور قضمتًت من كعك الفاصولياء الحمراء الذي صُنع على شكل زهرة.
مضغت أسنانه العجينة الطرية والهشة بنعومة ولذة، ثم ذابت حبات الفاصولياء الحمراء بسلاسة داخل فمه ودارت على طرف لسانه حلاوة نظيفة ومعتدلة دون أي طعم ثقيل أو جاف.
"إنها لذيذة."
"……الشكل فقط هو المختلف، أما المذاق فلا يفرق عن العادي كثيراً."
تمتم بانغ سوول بذلك بعد أن تذوق قضمه منها، فابتسم إي هيون ابتسامة خفيفة ومريرة
"حسنًا في مثل هذه الأشياء، المعنى من تقديمها للشخص الآخر هو الأهم."
تمامًا مثل شوكولاتة الفالنتاين، فمذاقها لا يختلف عن الشوكولاتة التي تؤكل في الأيام العادية لكن الشيء المهم هو لمن تُهديها في ذلك اليوم.
وبينما كانوا يتجولون أكثر في الشوارع المزدحمة والصاخبة، بدأت الشمس تغيب ببطء.
وفي إحدى زوايا الساحة الواسعة، تم نصب مسرح مؤقت وكان عرض بالدمى والظلال قائمًا على قدم وساق.
وظن إي هيون في البداية أن العرض سيتناول قصة الراعي والنساجة (جيونو وجينيو) بما أنه مهرجان تشيلسوك، ولكن ما إن عُرضت الأحداث خلف الستار حتى تبين أن المضمون مختلف تمامًا
تمتم بانغ سوول وهو يشخص ببصره نحو المسرح
"إنها رواية سجل القمر المحاق للكاتب بيهواغيك."
بالحديث عن هذا، تذكر إي هيون أن نهاية الكسول قد ذكر هذا الأمر سابقًت؛ حيث قال إن رواية سجل القمر المحاق هي العمل الذي يصور قصة الحب الأكثر مأساوية وتفطراً للقلب من بين جميع مؤلفات الكاتب بيهواغيك
شرح بانغ سوول وهو يراقب الظلال المنعكسة خلف الستار الأبيض القماشي
"قرب نهاية رواية سجل القمر المحاق هناك مشهد يحلق فيه سرب هائل من طيور العقعق معًت في نفس الوقت وعلى عكس قصة الراعي والنساجة حيث تساعد الطيور في لمهما، فإنها تظهر هنا في اللحظة التي يفترق فيها البطل والمرأة التي يعشقها إلى الأبد ورغم أنها تنتهي بمأساة، إلا أن الحبكة مستوحاة من أسطورة مهرجان تشيلسوك، ولهذا السبب يتم تقديمها كعرض احتفالي في مثل هذا اليوم."
"فهمت، هكذا إذن."
كان ذلك عندما أجاب إي هيون باقتضاب والتفت؛ فوسط الحشود التي كانت تشاهد مسرح خيال الظل، لمح ظهراً مألوفًا برز بشكل لافت عن البقية.
لقد كان تشو إيل غانغ، الزعيم الشاب لتحالف السافا ، والذي صادفوه قبل قليل أمام بسطة لعبة رمي السهام.
وكان هذا الفتى—مثل بقية المتفرجين من حوله—ينظر إلى المسرح وعيناه تدمعان وتتحولان إلى اللون الأحمر تأثراً بالقصة.
"……
شهيق
."
وكأنهم اتفقوا دون كلام، شاح إي هيون ورفاقه بأنظارهم بهدوء، ثم استداروا مغادرين المكان.
وبينما كانوا يبتعدون عن الساحة ويدخلون إلى زقاق أكثر عمقًا
"قراءة الطالع بخمسة مون فقط! نكشف لكم الحظ، والخير، والشر، والرزق، وحتى طالع الحب! أيها السادة الشبان والآنسات، تعالوا واكتشفوا إلى أين يمتد خيطكم الأحمر!"
عند زاوية الطريق، كان هناك رجل عجوز يجلس على حصير بالٍ، يصرخ دون توقف بينما يهز علبة قراءة الطالع الخيزرانية لتصدر قعقعة متواصلة.
وكان يرتدي رداءً باهت اللون، وتتدلى منه لحية بيضاء طويلة، مما أضفى عليه هالة ومظهراً يوحي بالخبرة والمصداقية وعندما لمح إي هيون ورفاقه، تهلل وجهه وخاطبهم
"أيها السادة الشبان ذوو القامات الممشوقة هناك! يتضح لي من ملامح وجوهكم أنكم لستم أشخاصًا عاديين أبداً، فما رأيكم أن تسحبوا عوداً لمعرفة طالعكم من باب التسلية؟!"
وعندما همّ الجميع بتجاهله والمرور وكأنهم لم يسمعوه، بادر العراف بالحديث سريعًا
"خاصة أنت، أيها السيد الشاب الذي ترتدي الثياب الأرجوانية! إن طالعك يحمل الكثير من النحس والشؤم الفظيع! عجبًا إنه لأمر غريب؛ فرغم أن عينيك تبدوان وادعتين ولطيفتين هكذا، إلا أن قدرك يفيض بالسيوف والدماء."
توقفت خطوات مو يونغ غون عند سماع تلك الكلمات، فتنحنح دانغ تاي يول بلسانه ساخراً
"تجاهله إنه يرى السيف معلقًا على خصرك، لذا من البديهي أن يطلق مثل هذه التخمينات."
فأي مقاتل في عالم الموريم محكوم عليه بطبيعة الحال أن يعيش حياة مليئة بالسيوف والدماء ومع ذلك، تردد مو يونغ غون قليلاً، ثم تقدم نحو العراف في النهاية.
ويبدو أنه كان يملك بعض القطع النقدية المتبقية من متجر الحلوى، فأخرج خمس عملات من كيس نقوده ومدها إلى العجوز.
التقط العراف العملات الخمس بسرعة بيده المجعدة، ثم بدأ يهز علبة الخيزران بقوة أحدثت جلبة صاخبة.
تشا-غراك، تشا-غراك.
وسرعان ما سقطت قطعة خشبية على الحصير محدثة صوتًا خفيفًا وعندما تحقق العجوز من الرمز المكتوب على العود، قطب ملامح ما بين حاجبيه بعمق
"العود السابع والثلاثون إنه شؤم عظيم."
"شؤم عظيم……."
"تشـه ، إنه يستخدم هذه الحيلة المبتذلة دائمًا ليدفعك لإعطائه المزيد من المال بحجة طرد النحس."
تجاهل العجوز كلمات دانغ تاي يول الحادة، ثم أغمض عينيه وبدأ يتلو تفسير الطالع
"أوه المظهر الخارجي يشمخ كاليشم، بينما الجوهر الداخلي يشتعل كالنار إن ما تحمله في أعماقك يحرق صاحبه نار الخارج يمكن إخمادها بالماء، ولكن تلك النار المستعرة في جوفك، بأي شيء ستخمدها؟"
"……."
كانت كلمات العراف عامة وضبابية يمكن أن تنطبق على أي شخص، تمامًا مثل توقعات الأبراج أو تحليل الشخصية حسب فصيلة الدم في العصر الحديث.
ولو أردنا تفسيرها ببساطة، لكان معناها المبتذل ؛ رغم أنك تبدو هادئًا ومستقراً من الخارج، إلا أنك تعاني من هموم وصراعات تخفيها في قلبك وتؤرق مضجعك سراُ.
"يا للهول، إن طالعك وقدرك قاسٍ وعنيف للغاية! النحس والشؤم القادم من الخارج يمكن تجنبه بطريقة ما، ولكن الشؤم الذي تحمله، يا سيد، ملتصق بروحك، وهو أمر خبيث وشرير جداً ألا تؤرقك الكوابيس والأحلام المزعجة في هذه الأيام؟ أو تشعر أحيانًا بشيء يغلي ويفور في جوفك فجأة؟"
ارتسم على وجه بانغ سوول ملامح اللامبالاة والضجر؛ فقد سبق له أن سمع كلمات مشابهة من كاهن مخادع في مهرجان قوارب التنين
"……كيف…… يمكنني…… التخلص منه……؟"
عند سماع كلمات مو يونغ عىن تهلل وجه العجوز وابتسم ابتسامة عريضة وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة
"لحسن الحظ أن اليوم هو مهرجان تشيلسوك! إنه اليوم الوحيد في السنة الذي تتدلى فيه خيوط السماء لتلمس الأرض ومنذ القدم، تُعتبر طقوس طرد النحس في مهرجان تشيلسوك هي الأفضل على الإطلاق؛ لأن عقد الخيط في هذا اليوم يربط النحس ويقيده فيه ما رأيك أن تجرب طقوس طرد النحس هذه من باب التجربة؟ ليس لها سعر محدد، ولكن بما أن هذه الأمور تقوم في الأصل على صدق النية والإخلاص، فكلما عظم كرمك وسخاؤك، كانت العقدة أقوى وأمتن في ربط النحس!"
كانت هذه حكاية لم يسمع بها أحد من قبل، ولكن من البديهي أن تتدفق من أفواه هؤلاء العرافين الدجالين عادات وتقاليد لا وجود لها من الأساس.
وعندما أخرج مو يونغ غون قطعة فضية دون نبس ببنت شفة ومدها له، التقطها العجوز بوجه مشرق وبسرعة خاطفة.
"……
اهه
."
وفي الوقت الذي تنهد فيه دانغ تاي يول بيأس، أخرج العراف بكرة من الخيط الأحمر من جعبته، ولفها بضع لفات حول عود الطالع الذي سقط قبل قليل ثم قرّب طرف الخيط من معصم مو يونغ غون
"هات يدك هكذا وبينما أقوم بربط الخيط، حدق مباشرة في عيني هذا العجوز ولا تشح بنظرك يجب أن ينعكس نحسك بوضوح في عينيّ حتى أتمكن من العثور على ذلك الشيء الخبيث وربطه بإحكام."
امتثل مو يونغ غون للأمر والتقت عيناه بعيني العجوز، فتابع العراف حديثه بنبرة هادئة ورزينة
"في ليلة تشيلسوك، أستعير خيطًا من خيوط السماء العقدة الأولى في الجسد."
التف الخيط الأحمر حول معصمه لفة واحدة.
"العقدة الثانية في العمر والقدر."
التفت اللفة الثانية من الخيط.
"العقدة الثالثة في……."
وبينما كان العجوز يتمتم بشيء ما بصوت خافت، رُبطت العقدة الثالثة.
"حسنًا لقد انتهينا دعنا نتحقق الآن ونرى إن كان النحس قد رُبط جيداً أم لا."
أمسك العجوز علبة قراءة الطالع مجدداً وهزها بقوة أحدثت جلبة صاخبة.
تشا-غراك، تشا-غراك.
ومع الصوت الخفيف والبهيج، سقطت قطعة خشبية أخرى على الحصير وعندما تحقق العجوز من العود، اتسعت ابتسامته الماكرة والسمحة
"العود الثاني والخمسون، الحظ متوسط ومستقر ! انظر، لقد تغير طالعك تمامًا العقدة المربوطة بإحكام ستُحل من تلقاء نفسها عندما يحين الوقت، فلا تستعجل الأمور وتشدها بقوة بل انتظر فحسب وفي اليوم الذي تُحل فيه، ستزول وتتلاشى معها كل همومك……."
أخذ مو يونغ غون ينظر بذهول وعينين غائبتين إلى الخيط المربوط حول معصمه، ثم سأل بنبرة بدا فيها وكأنه مسلوب الإرادة
"……هل ستتحسن الأمور……؟ متى؟"
"يا صاح، لو كنت أعلم ذلك، أكنت سأبقى أنا العجوز في الشارع أعد العملات النقدية؟ عندما يحين الوقت، ستكون أنت أول من يعلم آه، اترك هذا الخيط الليلة فقط، وغداً مع شروق الشمس، فُكّه واحرقْه فوراً."
"همم……."
أومأ مو يونغ غون برأسه موافقًا فلوّح العجوز بيده مراراً إشارة منه إلى أنه لم يعد هناك ما يفعله وأن عليه المغادرة.
"بعد قليل ستبدأ عروض ألعاب نارية كبرى عند ضفة النهر هناك، فاذهبوا لمشاهدتها! طالما أنكم أتيتم للمهرجان، فلا بد لكم من رؤية عرض كهذا قبل المغادرة!"
عندما عاد مو يونغ غىن إلى المجموعة والخيط الأحمر ملفوف حول معصمه، تنحنح دانغ تاي يول ساخراً
"ألم أقل لك؟ لقد أنفقت قطعة فضية هباءً ولم تسمع سوى كلمات مبتذلة لا قيمة لها."
" هههه، في الأصل يذهب الناس لقراءة الطالع لسماع الأخبار الجيدة والكلمات المبهجة ليس إلا."
"حسناً، بما أنهم سيطلقون الألعاب النارية هناك، فلنذهب لمشاهدتها إذن."
وهكذا، سار الرفاق مع تدفق الحشود متوجهين نحو ضفة النهر وبما أن الناس كانوا يتجمعون بشكل طبيعي نحو المياه مع اقتراب موعد بدء الألعاب النارية، لم يكن هناك أي خوف من أن يضلوا طريقهم.
ولم يمضِ وقت طويل حتى وصلوا إلى ضفة النهر التي غصت بالمتفرجين بالفعل.
وعلى سطح المياه التي تتدفق بهدوء، كانت تطفو مئات الفوانيس النهرية ناشرة أضواءً خافتة ودافئة، بينما كان الناس يتبادلون النظرات الحذرة ويتنافسون فيما بينهم للاستحواذ على أفضل بقعة للمشاهدة.
وفجأة، لمح إي هيون وسط هذا الزحام الصاخب مجموعة من الأشخاص؛ لقد كانوا أعضاء تحالف الموريم الذين التقى بهم قبل قليل أمام كواي هوانغ ليم
وعندما تلاقت الأعين، تقدم قائد فرقة تحالف الموريم الذي يتصدر المجموعة نحوهم أولاً، وحياهم بأدب واضعاً قبضته في كفه
"أيها السادة الشبان، نلتقي مجدداًهل تستمتعون بالمهرجان؟"
"أجل، بفضلك إنكم تبذلون جهداً كبيراً بالعمل حتى هذا الوقت من الليل."
وما إن رد إي هيون على التحية بخفة، حتى سأل دانغ هوي مباشرة
"ماذا حدث بشأن المغتال؟"
"آه…… يؤسفني قول هذا، ولكننا فشلنا في تتبعه لقد قدرنا أن الخصم ليس بالذي يمكننا التعامل معه بأفرادنا الحاليين فقط، لذا قررنا التراجع، ورفعنا تقريراً بالأمر إلى المقر الرئيسي فوراً"
"فهمت."
"أجل آه، وبما أنكم من الذين شاركوا في جمعية التنين الإلهي ، فمن الأفضل أن أخبركم مسبقًا يرجى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر على سلامتكم الشخصية هذه الليلة."
"……؟ هل حدث خطب ما؟"
"الأمر لم يُعلن رسميًا بعد، ولكن……"
خفض قائد فرقة تحالف الموريم نبرة صوته وتابع
"لقد عثرنا على أدلة تشير إلى تورط تحالف السافا في حادثة جمعية التنين الإلهي ومن دواعي المصادفة السيئة، أن الزعيم الشاب لتحالف السافا يتواجد حاليًا هنا في مدينة ووهان."
رمش إي هيون بضع مرات عند سماع ذلك
"……تحالف السافا؟"
"بالفعل لقد حشد التحالف كل القوى المتاحة لمراقبة شتى أنحاء الشوارع، ولكن…… كما ترى، المكان شديد الازدحام والفوضى حاليًا وحتى لو وقع خطب ما، قد يكون الرد الفوري والسريع صعبًا لذا يرجى الاهتمام بسلامتكم بشدة!"
"……فهمت ، شكراً لك على تنبيهنا."
ما إن حيا قائد فرقة تحالف الموريم الجميع بأدب واضعًا قبضته في كفه ثم اختفى وسط الحشود، حتى انطلقت همهمات صاخبة وصيحات حماسية من بين الجماهير التي ملأت ضفة النهر.
"انظروا، هناك!"
فـيـيـيـيـيـو…… بـَنـْغ—!
ومع دويّ صوت هائل، انطلقت ألعاب نارية متألقة ومشرقة لتشق عتمة ليل مهرجان تشيلسوك وتنتشر في الأفق.
فصنعت تلك الأنوار الضخمة التي طرزت السماء لوحة مهيبة تفتن الأنظار وهي تنعكس على سطح مياه النهر.
أخذ المتفرجون يطلقون صيحات الابتهاج والهتاف دون استثناء وهم يرفعون رؤوسهم نحو الأعلى.
ووسط نظرات الناس وفي عيني مو يونغ غون تحديداً، انعكست أشكال تلك الألعاب النارية الضخمة والخلابة.
ألعاب نارية قانية، شديدة الاحمرار.