268
كانت اللعبة التي يمارسها نهاية الكسل هي تايبو ( طاولة النرد).
و تايبو هي مقامرة تعتمد على وضع ثلاثة نرد داخل صندوق وهزّه، ثم تخمين الأرقام الظاهرة.
وبمجرد أن يهز المضيف الصندوق ويضعه أرضًا يخمّن المقامرون النتيجة قبل فتح الغطاء ويراهنون بأموالهم.
والرهان الأساسي يعتمد على الكبير والصغير ، أي تخمين ما إذا كان مجموع الأرقام الثلاثة كبيراً أم صغيراً، كما يمكن الراهن أيضًا على ظهور رقم معين، أو استقرار النرد الثلاثة على نفس الرقم تمامًا
وبما أن قواعدها بسيطة والربح والخسارة يتحددان فيها على الفور، فقد كانت واحدة من ألعاب نرد القمار واسعة الانتشار.
وعلى أية حال.
'إنها أيضًا من الألعاب التي تصب في مصلحة وكر القمار حتمًا.'
وذلك بسبب القاعدة التي تنص على أنه إذا استقرت النرد الثلاثة على نفس الرقم، فإن المضيف يستولي على جميع أموال الرهان الموضوعة على الكبير والصغير
ورغم أن احتمالية حدوث ذلك ضئيلة للغاية وتبدو في الظاهر أمراً هينًا إلا أن هذا الفارق البسيط يجعل كفة وكر القمار هي الرابحة دائمًا على المدى الطويل.
ومهما يكن، بما أن تايبو رهان يعتمد على الحظ بنسبة 100%، لم يكن لدى إي هيون أي نية للقيام بفعل أحمق كالمقامرة بمبالغ طائلة في شيء كهذا.
سأله نهاية الكسل بملامح يعلوها الاستغراب
"ما خطبك يا سيد شاب ثالث؟ هل هناك غرض تستهدفه أنت أيضًا ؟ بل أقصد، إن كان لديك مال فائض فأعرني إياه."
"لا حاجة لذلك على ما يبدو، فإن هذا القمار يسمح لمن يفوز مرة واحدة أن يتحدى بشكل متتالٍ، لذا سأفوز لك بالنسخة الأولى التي ترغب بها ولكن في المقابل."
تابع إي هيون كلامه وهو يرمق نهاية الكسل بطرف عينه
"أنا من سيحدد المكان الذي سأسلمك فيه تلك النسخة الأولى."
"ماذا؟ هاهاهاها!"
ضحك نهاية الكسل وكأن الأمر مسلٍّ، ثم وضع ذراعه حول كتف إي هيون وهمس بنبرة لا يسمعها سواه
"ألم تفكر في احتمالية أن أنتزعها منك قبل أن نصل إلى ذلك المكان؟"
"أنا أقل قوة منك حقًا ، لكنني قادر على إتلاف كتاب واحد في أي وقت تشاء."
وعند سماع ذلك، رمق نهاية الكسل إي هيون بنظرة مطولة ثم انفتحت أساريره عن ابتسامة ساخرة
"حسنًا أنا فضولي لأرى كيف تخطط للفوز بها فكما ترى، هذا الرهان هو تايبو وحتى لو كنت سيداً شابًا بارعًا وتجيد تشغيل عقلك، فلا حيلة لك ما لم يحالفك الحظ هذا ما لم تكن تملك عين السماء وبصيرة الغيب لتنظر بها إلى ما داخل الصندوق."
"لا حاجة لامتلاك قدرة عظيمة كهذه."
أزاح إي هيون ذراع نهاية الكسل، وقال للموظف
"أريد تغيير نوع الرهان."
"هذا غير ممكن."
جاءه الرد الفوري من الموظف قاطعًا لا يترك مجالاً للنقاش ى وهنا أطلق نهاية الكسل قهقهة ساخرة
"ولقد كنت أتساءل عما تنوي فعله، فإذا بك تحاول الافتعال بعناد لمجرد المطالبة بتغيير نوع اللعبة؟"
في تلك اللحظة، وضع إي هيون ثلاث شظايا معدنية صغيرة جداً بحجم ظفر الإصبع على الطاولة.
وعلى الفور، تبدلت نظرات الموظف.
'إنه يعرف الحديد النيزكي .'
فمنذ قليل، عندما تمت السيطرة على الرجل الذي حاول قلب الطاولة بعد خسارة رأسماله، اتجهت أنظار المحاربين ذوي الثياب السوداء لبرهة خاطفة نحو هذا الرجل الواقف أمامه.
'رغم أن مظهره الخارجي يبدو كموظف عادي، إلا أنه على الأرجح المسؤول عن إدارة هذا الوكر.'
علاوة على ذلك، هذا المكان هو كواي هوانغ ليم التابعة لطائفة هاو مون في ووهان.
وبما أن الشخص الذي يدير معقلاً بهذا الحجم لا بد وأن يمتلك بصيرة وفراسة، فقد أخرج شظايا الحديد النيزكي كاختبار له ولو لم يتعرف عليها، لكان قد لجأ إلى وسيلة أخرى.
"……إنك تملك غرضًا ثمينًا للغاية."
وبما أنه تجاوب بهذا الشكل، فقد سهل الأمر على إي هيون لإكمال الحديث
"إذاً، هل يمكننا تغيير نوع الرهان؟"
"هذا إن كنت ستضع ذلك الغرض كرهان."
أعاد إي هيون غمد شظايا الحديد النيزكي داخل ثيابه
"بالطبع لا يمكنني المراهنة بها كلها ولكنك تدرك بالتأكيد أن شظية واحدة مما عرضته الآن تعد أكثر من كافية وفيضة كقيمة للرهان."
في الواقع، مقارنة بالكمية الإجمالية للحديد النيزكي التي حصل عليها إي هيون اليوم، فإن الشظية التي أظهرها للتو لم تكن سوى قطرة في بحر؛ إذ كانت مجرد جزء من الفتات الذي قدمته مصرف مان غوم كعينة تجريبية.
ولكن في الأصل، فإن المواد النادرة مثل الحديد النيزكي غالبًا ما تصبح سلاحاً أفضل بكثير عندما تُخلط بنسب مناسبة مع مواد أخرى.
ولهذا السبب، كانت تلك الكمية الضئيلة كافية تمامًا لسبك إبرة أو إبرتين كبيرتين من إبر الرماية وحيازة ذلك الشيء وحده في الموريم كفيلة بإشعال معركة دموية باعتباره سلاحًا سريًا ونادراً.
لم يتردد الموظف —أو بالأحرى رئيس هذا الفرع— في الإجابة فوراً
"حسنًا إذاً، ما هو نوع الرهان الذي ترغب في التغيير إليه؟ إن فرع كواي هوانغ ليم في ووهان يوفر تقريبًا كافة أنواع المراهنات."
في الحقيقة، كان رئيس الفرع يظن أن هذا السيد الشاب قد يطلب تغييراً إلى لعبة غير معقولة بالمرة.
فبالنظر إلى ملابسه، يبدو كابن عائلة نبيلة ومترفة، ولعله قد يقترح خوض منافسة في نظم الشعر والآداب.
وإن حدث ذلك، كان عليه أن يستدرجه بلطف ليوجهه نحو رهان منطقي ومقبول.
وعلى أية حال.
'هل قام بسرقة ذلك الحديد النيزكي من عائلته وخرج به خفية؟'
إن كان الأمر كذلك، فيمكن اعتباره فتى طائشًا ومسبباً للمشاكل، لكن هذا الفتى الواقف أمامه كان يمتلك سلوكًا وهيئة في غاية الهدوء والاتزان بشكل لا يتناسب مع ذلك الظن.
بينما كان يتساءل بفضول عما سيخرج من فمه، نطقت شفتَا إي هيون بكلمات غير متوقعة
"أريد أن نجعلها منافسة في شرب الخمر."
"……منافسة شرب، هل هذا ما تقوله؟"
"بالضبط."
قال إي هيون ذلك وهو يرتسم ابتسامة متعجرفة ويرفع ذقنه
"رغم أنني قد لا أبدو كذلك، إلا أنني أجيد شرب الخمر بشكل جيد حقًا ولم يسبق لي أن خسرت قط، ليس فقط أمام الأسياد الشباب من نفس عمري، بل وحتى عند منافسة حراسي الشخصيين وبما أنها قد لا تكون لعبة متوفرة لديكم في الأصل، فلا يهم إذاً من سأنافسه من هذا المكان."
"……."
وحينها، كتم رئيس الفرع جهده بالكاد لمنع نفسه من الانفجار بضحكة ساخرة.
فقد بدا له جليًا كيف أن حراس تلك العائلة كانوا يتعمدون الخسارة بطلب ود سيدهم الشاب ومجاراته، دون أن يدرك هذا الشاب تلك الحقيقة، واهمًا نفسه بأنه شارب محترف لا يُشق له غبار.
ولشدة ما بدا هذا الفتى ساذجًا شعر رئيس الفرع بأن كل ذلك التوتر الذي انتابه ضمنًا أمام سلوكه الهادئ قد ذهب أدراج الرياح.
'إن ذلك الحديد النيزكي الذي يملكه هذا الغِرّ قد أصبح ملكي بالفعل، ولا فرق.'
ومع ذلك، لم يكن رئيس الفرع بالرجل المغفل؛ فمهما بدا الصبي الذي أمامه قليل الخبرة، لم يكن لينفي احتمال واحدٍ في الألف من أن يكون ماهراً وبما أن قيمة الرهان كنزٌ ثمينٌ كهذا، كان لزامًا عليه اتخاذ أقصى درجات الحيطة.
"حسنًا ولكن، نحن من سيتولى إعداد الخمر والكؤوس ألديك أي اعتراض؟"
بدا إي هيون وكأنه يفكر لبرهة، ثم أومأ برأسه موافقًا بكل أريحية
"لا اعتراض لدي أحضر ما تشاء."
"جميل……."
يبدو أن هذا السيد الشاب لم يكن يدرك أن ثقته المفرطة تلك تجعله يبدو مثيراً للسخرية في عيون الآخرين.
التفت رئيس الفرع إلى موظف يقف في الجوار
"استدعِ غواك تشول."
منذ سماع الاسم شعر إي هيون بخشونته، ولم يخب ظنه؛ إذ كان غواك تشول رجلاً ضخم البنية، عريض المنكبين، ذو ملامح شريرة مرعبة تكاد تنطق تقاطيع وجهه بأنه ينتمي إلى العالم السفلي
"هل استدعيتني؟"
كان يرتدي ثيابًا سوداء ويتحزم بسيف عند خصره، مما يؤكد أنه أحد الحراس الذين يحمون هذا المكان.
"أيها الأخ، خض منافسة في شرب الخمر مع هذا السيد الشاب."
عند ذلك، قطب غواك تشول حاجبيه ونظر إلى إي هيون الجالس على الكرسي
"مع هذا الغِـرّ…… أقصد، مع هذا الزبون؟"
"بالضبط وإن فزتَ، سأمنحك عشر قطع فضية."
كانت العشر قطع الفضية تعادل راتب شهرين للرجل وبعد أن كان غواك تشول ينوي الرفض، غير رأيه وأومأ برأسه
"حسنًا إن كان الأمر كذلك فلا بأس."
وبعد أن استقر أمر الرهان، نقل رئيس الفرع مكان المقابلة ليتجالس الاثنان وجهًا لوجه عند طاولة فارغة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى وُضعت طاسات ضخمة على الطاولة لتُستخدم ككؤوس، وبناءً على توجيهات رئيس الفرع، أخذ رجال ضخام الجسم ينقلون جِرار الخمر واحدة تلو الأخرى.
دبّـدبْ!
وعندها أقبل المقامرون الذين أنهوا جولاتهم، أو أولئك الذين كانوا يتسكعون في الأرجاء بحثاً عن فُتات المال وعطايا الفائزين، وأخذوا يتدافعون لمعرفة ما يجري.
"ماذا يفعلون هناك؟"
"يبدو أن ذلك الفتى الغِرّ قد تحدى غواك تشول في منافسة شرب."
"ماذا؟ كحاحاحاحا! إن هذا الصبي شاحب الوجه الذي يبدو وكأنه لا يعرف حتى طعم الخمر، يملك جرأة عمياء! والحارس غواك رجل يمكنه إفراغ جرة خمر كاملة بمفرده ودون أن يهتز له جفن!"
وبعد اكتمال الاستعدادات، قال رئيس الفرع
"بما أن المماطلة بالخمور الخفيفة ستكون هدراً للوقت، فقد أعددنا منذ البداية خمراً شديدة القوة والتركيز إنها خمر صرعة الكؤوس الثلاثة ، والتي يخرّ بسببها أعتى المحاربين أشداء البنية صرعى إن تجاوزوا الكأس الثالثة."
"يا للهول، مع خمر كهذه، سيسقط هذا السيد الشاب مغشيًا عليه بمجرد أن تلامس شفتيه."
بينما كان الصخب واللغط يملأ الأرجاء من حولهما، أخذ نهاية الكسل يقلب عينيه بذكاء وهو يحلل الموقف.
'يا لذكائه، لقد أوقع بهم!'
هذا المكان هو وكر قمار تملكه طائفة هاو مون.
وبما أن هذا السيد الشاب الذي يبدو مستضعفًا قد أحدث مثل هذه الفوضى الملفتة وتحدى كواي هوانغ ليم في منافسة شرب، فإن كل ما حدث اليوم هنا سيُرفع به تقرير مفصل إلى القيادات العليا في الطائفة دون نقص.
بما في ذلك هوية من زار المكان وبأي هيئة غادره.
وبخلاف الفروع الأخرى، كان فرع طائفة هاو مون في ووهان متعاونًا مع تحالف الموريم
وهذا يعني أنه منذ هذه اللحظة، وعلى الأقل داخل أسوار كواي هوانغ ليم لن يتمكن نهاية الكسل من مسّ شعرة واحدة من إي هيون.
بمجرد اقتراح رهان واحد، تمكن من تأمين سلامته في مكان لا يملك فيه حليفًا واحداً!
'أي نوع من البشر يكون هذا الفتى؟'
علاوة على ذلك، من كان يظن أنه سيغير نوع الرهان حقًا وبهذه الطريقة!
وإن كان السيد الشاب الثالث من عائلة دانغ سيفوز له بالبضاعة التي يشتهيها حقًا فلم يكن لدى نهاية الكسل أي سبب للرفض وهكذا، عقد نهاية الكسل ذراعيه وقرر مراقبة تطورات الموقف الماثل أمامه.
بل في الحقيقة، كان فضوليًا أيضًا لمعرفة كيف ستؤول إليه الأمور بعد ذلك.
في تلك اللحظة، صفق رئيس الفرع بيديه
"حسنًا إذاً هل نبدأ الرهان؟ ليتفضل كل منكما بسكب الخمر في كأسه!"
وما إن فتح العامل سدادة جرة الخمر، حتى فاحت في المكان رائحة حادة وقوية تُنذر بمدى خطورتها.
قرقرقرقر...
وهكذا مُلئت الكؤوس، فتناول كل من إي هيون وغواك تشول طاسته.
تجرع غواك تشول المحتوى دفعة واحدة لاستعراض قوته، بينما كان رنين بلعومه يتردد بوضوح.
وتلقائيًا تحولت نظرات المتفرجين المليئة بالسخرية نحو الجانب المقابل قرّب إي هيون الطاسة ببطء نحو شفتيه، وبدا وكأنه انتفض لبرهة خاطفة وكأنه تفاجأ بقوة الخمر النفاذة، إلا أنه لم تظهر عليه أي علامة من علامات التردد.
وما إن أفرغ إي هيون كأسه ووضعه على الطاولة بقوة، حتى تعالت همسات الحشود المتجمهرة حولهما.
"ماذا دهاه؟ هذا السيد الشاب يبلي بلاءً حسنًا حقًا! لقد شرب صرعة الكؤوس الثلاثة من تلك الطاسة الكبيرة ولا يزال يبدو متماسكًا تمامًا."
"بالفعل، هذا صحيح."
عند سماع ذلك، ارتسمت على شفتي رئيس الفرع ابتسامة خفية لم يلحظها أحد.
'هذا أمر طبيعي للغاية.'
لأن الكأس الأول الذي شربه ذلك السيد الشاب لم يكن خمر صرعة الكؤوس الثلاثة الحقيقية.
لم يكن لدى رئيس الفرع أي نية للاكتفاء بالحصول على شظية واحدة فقط من الحديد النيزكي؛ فالشظايا التي أظهرها ذلك السيد الشاب كانت ثلاثًا
ولأجل الاستيلاء عليها جميعًا ، كان عليه أن يدفع الفتى لتغيير شروط الرهان بنفسه قبل أن يخر صريعًا من السكر!
أي أن يجعله يراهن بالشظيتين المتبقيتين ،حين يغترّ بنفسه ويظن واهمًا أنه على وشك الظفر بالنصر!
وهكذا، اتسعت ابتسامة ماكره وخبيثة على محيا رئيس الفرع.