261
بعد أن استعاد السيد الشاب لعائلة نام غونغ وعيه—وهو آخر من تبقى غائبًا عن الوعي—بدأ الجميع أخيراً في مناقشة جدول مواعيد عودتهم إلى عائلاتهم.
ولكن، بما أن المغادرة فور استيقاظ نام غونغ جي تشون مباشرة ستكون تصرفًا جافًا وخاليًا من المروءة والود، فقد استقر رأي الجميع على أن يبدأوا رحيلهم في صباح الغد.
وحينها، وافق رئيس عائلة جيغال على هذا الأمر بكل سرور، وأقام مأدبة عشاء حافلة؛ تقديراً لنوابغ الجيل الجديد الذين عانوا الأمرين، وكذلك لتكريم مسؤولي المصفوفات السحرية والعديد من الأفراد الذين بذلوا جهودهم في عائلة جيغال.
في الأصل، كان من المفترض ألا تتجاوز مدة جمعيه التنين الإلهي أسبوعًا واحداً تقريبًا لذا فإن بقاء هذا العدد الضخم من الأشخاص في المأوى لمدة ناهز العشرين يومًا كان يشكل عبئًا ماليًا ولوجستياً كبيراً، حتى وإن كانت العائلة المستضيفة عائلة كبرى وعريقة.
ولأن نوابغ الجيل الجديد لم يكونوا غافلين عن هذه الظروف، فقد أعربوا فور خروجهم من المان سانغ واستعادة وعيهم عن رغبتهم في تحمل تكاليف إقامتهم طوال الفترة الإضافية بأنفسهم.
إلا أن رئيس عائلة جيغال رفض ذلك رفضًا قاطعًا
وعلى الرغم من أن عائلته كانت تواجه وضعًا عسيراً سيصعب معه تجنب تلقي ضربة مالية شديده—إذ سيكون لزامًا عليها دفع تعويضات طائلة لكل عائلة وللشبان المصابين جراء ما حدث—إلا أنه أصر على موقفه؛ مبرراً ذلك بأن الحادثة وقعت في حدث استضافته عائلة جيغال وبالتالي فإن عواقبها وتبعاتها تقع كاملاً على عاتق عائلته وحدهم.
وأمام هذا الإصرار الشديد، لم يجد الشبان مجالاً للمحاججة، واضطروا لقبول هذا الكرم رغمًا عنهم.
"إذن، فلنحتفل الليلة بعودة الجميع سالمين، وأرجو منكم أن تقضوا وقتًا ممتعًا ومريحًا."
ومع نطق رئيس العائلة بتلك الكلمات، بدأت المأدبة وعلى الرغم من خلوها من العزف على الآلات الموسيقية أو العروض الترفيهية، إلا أن نوابغ الجيل الجديد لم يكترثوا لذلك أبداً؛ فلو كانت مثل هذه العروض حاضرة أمام أعينهم الآن، لكانوا مشغولين عنها بالحديث والمسامرة فيما بينهم على أي حال.
فبما أن عائلاتهم تتوزع وتتفرق في شتى بقاع الأرض وتحت سماء واحدة، لم يكن أحد يدري متى ستتاح لهم الفرصة للاجتماع معًا هكذا مرة أخرى.
ربما يكون ذلك ممكنًا في حال أُقيم حدث ضخم للغاية، ولكن حتى في مثل هذه المناسبات، عادة ما يتم التدقيق في مراتب العائلات ومكانتها ، أما أن يجتمع نوابغ من عائلات تختلف مراتبها وأقدارها تمامًا في مكان واحد كما حدث في جمعيه التنين الإلهي الحالي، فهو أمر نادر الحدوث في مجتمع الموريم.
أطلق السيد الشاب غوم ضحكة ساخرة
"عندما كنا محتجزين داخل المان سانغ، أقسمتُ أنني لن أحضر جمعيه التنين الإلهي اللعين هذا مجدداً طوال حياتي.. لكن كم هو متقلب وماكر عقل الإنسان! فما إن شارف الأمر على النهاية، حتى بدأتُ أشعر ببعض الندم والشهية للبقاء."
"ههههه، لستَ نادماً على نهاية الجمعية نفسه، بل لأننا لو تفرقنا الآن فلن نجد فرصة للاجتماع مجدداً، هذا كل ما في الأمر."
"ليس بالضرورة! فلا تنسوا أن هناك أحداثاً أخرى مثل ملتقى التنين والفينيق !"
وملتقى التنين والفينيق هذا هو مسابقة كبرى للمبارزة وتحدي المهارات بين نوابغ الجيل الجديد، ويتم تنظيمه غالبًا بواسطة تحالف الموريم المستقر في مدينة ووهان بمقاطعة خوبي. وبما أن النوابغ البارزين من كل حدب وصوب يتدفقون إليه، وتتجمع الحشود لمشاهدتهم كالعواصف والغيوم، فإن فرصة لقاء الوجوه المألوفة هناك ستكون مؤكدة.
"هذا صحيح أيضًا."
"الملتقى القادم للتنين والفينيق……"
"من تظنون أنه سيفوز بالبطولة؟"
"من يدري……"
وفي تلك اللحظة، تحولت نظرات نوابغ الجيل الجديد واستقرت على شخصين يجلسان في مكان منعزل قليل الكلفة.
على بانغ سوول ودانغ هوي.
"امممم، أظن أن الفائز سيكون السيد الشاب الأكبر لبانغ بلا شك؟ صحيح أن الفصائل التسعة والعصابات العشر ستدفع بأفضل نوابغها الواعدين، لكن قوة السيد الشاب بانغ…… بصراحة، لو التقيته في نزال لانسحبتُ فوراً دون تفكير."
"قد يكون السيد الشاب الأكبر لـدانغ أيضًا ؛ فالسيد الشاب بانغ نفسه كاد يصاب بجروح بالغة لولا تدخل ومساعدة دانغ هوي لمرات عديدة صحيح أن ضربة بانغ أقوى وأشد تدميراً، ولكن……"
"آه، أنا أتفق معك تمامًا في هذا! لو كان قتالاً حقيقياً ومميتًر، لكانت تلك الأسلحة المخفية قد انغرست في جبهتي بمجرد أن تبدأ المعركة……"
"……."
تخيل نوابغ الجيل الجديد تلك السيناريوهات المرعبة، فارتجفت أجسادهم وقشعر أبدانهم من الخوف.
فرغم أنهما عندما يكونان في صف الحلفاء لا يوجد من هو أكثر طمأنينة وأمانًت منهما، إلا أن الأسئلة بدأت تدور في أذهانهم
'ماذا لو واجهنا هذين الاثنين كأعداء……؟'
على الأقل، فإن دانغ هوي سيصوب أسلحته المخفية نحو المقاتل فيصيبه في مقتل ويموت في لمح البصر دون عذاب؛ أما في حالة بانغ سوول، فالمرء قد ينتهي به الأمر مقطوعًت إلى نصفين من الخصر، أو تطير ساقاه في الهواء، ليموت ببطء ومعاناة شديدة في حالة تثير الشفقة والذعر.
"من حسن حظنا حقًا أن هذا الفتى ينتمي إلى الطائفة الصالحة ……"
"يا لها من راحة……"
بعد أن أمضى نوابغ الجيل الجديد برهة من الوقت في توجيه آيات الشكر والامتنان لوالدة بانغ سوول المحترمة، لأنها أنجبته لينشأ ترعرعًت في كنف الطائفة الصالحة، تابعوا أطراف حديثهم مجدداً.
"لكن إن فكرنا في الأمر، فربما يفاجئنا السيد الشاب مو يونغ ويفوز بالبطولة صحيح أن حالته بدت سيئة طوال فترة تواجدنا في عالم الحيوان ، إلا أنني لمحته في عالم الأرواح الجائعة وهو يستعرض فنون سيف قاطعة وشديدة البراعة."
"آه، هذا مؤكد تمامًا ! لقد كنت في مجموعة مصفوفة الدفاع داخل عالم الآسورا ، وكان السيد الشاب مو يونغ هو من حمانا أثناء صعودنا الدرج أتذكر أن صخرة هائلة الحجم تفتتت وسقطت نحونا، فتمكن بسيفه من صد وإبعاد كل تلك الشظايا المتناثرة في طرفة عين وبسرعة خاطفة."
"بالحديث عن هذا، عندما هاجمتنا جنود الظلال الموتى عند قمة عالم الآسورا، كان السيد الشاب مو يونغ هو أول من تصدى لهم وبادر بالهجوم آه، كان يجدر بكم جميعًا رؤية سيفه المهيب والدموي في تلك اللحظة؛ فقد جعلني أنكمش على نفسي رعبًا دون وعي— هاه؟"
توقف السيد الشاب غوم عن الكلام فجأة، والتفت جانبًا بجفول.
حيث كان يقبع هناك بوم سانغ جين ، باسطًا دفتر ملاحظاته وأمامه ملامح وجه يملؤها الحماس والتشويق وهو يخط شيئًا ما بسرعة.
رفع بوم سانغ جين رأسه ورَمَش ببراءة
"أوه، لا تعيروني اهتمامًا وتابعوا حديثكم رجاءً!"
'يا لك من طلب مستحيل.'
'ومن ذا الذي يمكنه تجاهلك في وضع كهذا؟'
تحدث السيد الشاب غوم بنبرة يملؤها الارتياب والتردد
"سيد بوم، ما الذي تدونه هناك على وجه التحديد؟"
"آه، أتقصد هذا……؟"
تحركت زوايا شفتي بوم سانغ جين في ابتسامة غامضة، ثم قال بصوت خافت
"يمكننا القول…… إنها سجلات توثق بطولات بعض الأبطال، والتي ربما تخلدها الأجيال القادمة لزمن طويل جداً؟"
"……."
"……."
تبادل نوابغ الجيل الجديد نظرات سريعة ومريبة، ثم انقضوا جميعًا على بوم سانغ جين دفعة واحدة.
"يجب أن نرى ما الذي كتبته هناك بأعيننا!"
"آه! لا تفعلوا هذا رجاءً! آآآآآآه!"
ومن على بعد، كان دانغ تاي يول يراقب أولئك السادة الشبان وهم يتدافعون ويتشابكون للحصول على دفتر الملاحظات، فتوقف عن رشف الشاي وامتص شفتيه بضيق متمتمًا
"ما خطب هؤلاء المعتوهين وجنونهم؟ كم هم صاخبون."
رسم إي هيون ابتسامة مريرة على وجهه إثر ذلك
"حسنًا، بما أن الجميع سيتفرقون في شتى البقاع غداً، ألا تظن أنهم يفعلون ذلك تعبيراً عن غصّة الفراق وألم الوداع؟"
سخر دانغ تاي يول بتهكم وتجرع ما تبقى من شاي دفعة واحدة، لكن في تلك اللحظة، اقترب أحدهم نحوهم بخطوات هادئة صامتة.. أو بعبارة أدق، كان متوجهاً نحو بانغ سوول مباشرة.
ولم يكن هذا الشخص سوى مو يونغ غون
تردد مو يونغ غون لبرهة، ثم فتح فمه موجهًا حديثه نحو إي هيون
"السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ أنا آسف، ولكن هل يمكنك أن تتركنا بمفردنا للحظة؟"
"عفواً؟"
رمش إي هيون بعينيه بذهول، وحينها بادره بانغ سوول بالقول
"لا أعلم من هو الشخص الذي تريد التحدث إليه تحديداً، ولكن أليس من الأفضل أن تنتقل أنت وصاحب الشأن إلى مكان آخر، بدلاً من أن تطلب منه مغادرة المكان ؟"
"لا بأس يا سيد بانغ على أي حال كنتُ أرغب في الخروج لستنشق بعض الهواء النقي سأذهب قليلًا."
ومع مغادرة إق هيون للمكان مفسحًا له المجال، رفع بانغ سوول أحد حاجبيه باستغراب
"ما الذي دافعك لطرد السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ هكذا؟ ومع من لديك عملـ—"
"ما الذي يحبه السيد الشاب الثالث لدانغ؟"
"……ماذا؟"
أمام هذا السؤال المفاجئ، التفت دانغ تاي يول الجالس بجانبهما ونظر إلى مو يونغ غون بأعين يملؤها الذهول والغرابة.
"……عندما كنا داخل المان سانغ، استعرتُ من السيد الشاب الثالث منديلاً وكنتُ قد وعدته بأن أغسله وأعيده إليه، لكنني غادرتُ دون أن أتمكن من إرجاعه……."
"آهربالحديث عن هذا، أذكر أن حادثة كهذه قد وقعت فعلاً في عالم الحيوان"
تمتم دانغ هوي وكأنه استوعب الأمر أخيرًا.
بما أن المنديل الذي استعاره كان داخل المان ساما، فمن المستحيل إعادته في أرض الواقع، ويبدو أنه أراد تقديم هدية بديلة له؛ ولهذا السبب طلب من صاحب الشأن إي هيون المغادرة أولًا حتى لا يفسد المفاجأة.
"السيد الشاب الأكبر لبانغ مقرب من السيد الشاب الثالث لدانغ……. والاثنان الآخران هما شقيقاه لذا ظننتُ أنكم ستعرفون بالتأكيد ما الذي يفضله ويحبه……."
"……."
خيم صمت محرج وثقيل بين الثلاثة لبرهة من الوقت.
'……الآن بعد أن فكرتُ في الأمر، أنا لا أعرف حقًا ما الذي يحبه إي هيون.'
فطوال الفترة الماضية، لم يكن لديهم أي متسع من الوقت ليتفقدوا أذواقه أو ما يفضله.
وبعد أن ظل مستغرقًا في أفكاره وعاقدًا ذراعيه لبرهة، فتح بانغ سوول فمه
"أنا آسف، ولكنني لا أعلم حقًا."
وعند سماع ذلك، لَوى دانغ تاي يول زوايا شفتيه بملامح يملؤها الارتياب والامتعاض
"ألسنا أطفالًا صغارًا هنا لتتصرّف بأنانية وترفض مشاركة صديقك مع الآخرين؟ كان الأجدر بك أن تقول بصراحة إنك لا تود إخبارنا فحسب."
"عن أي ترهات تتحدث؟!"
"من المستحيل ألا تكون على دراية بأذواق شقيقنا الثالث."
"لا، الأمر ليس كذلك."
صحيح أن الأمر كذلك، ولكن هذا ينطبق على دانغ سا هيون وليس على إي هيون؛ فبانغ سوول لم يكن يملك أدنى فكرة عما يفضله إي هيون الحقيقي.
ولكن من منظور الآخرين، فإن ادعاءه بعدم معرفة ذوق صديقه المقرب بدا أمرًا غريبًا ومريبًا للغاية في مثل هذا الموقف.
تمتم مو يونغ غون بصوت خافت يملؤه الخجل والشعور بالذنب
"……آه إذن لا يجوز للمرء أن يقدم هدايا لأصدقاء الآخرين……. أنا آسف يا سيد بانغ، لم أكن أعلم بقواعد الصداقة لأنني لم أحظَ بأي أصدقاء من قبل……."
وعندما وصل الأمر إلى هذا الحد من سوء الفهم الغريب، شعر بانغ سوول بالضغط، وعصر عقله لينطق قائلًا بقلة حيلة
"مستحيل، ليس الأمر كذلك أبداً! السيد الشاب الثالث لدانغ يحب…… الأعشاب السامة! إنه يعشق الأعشاب السامة والنادرة للغاية."
'يا لك من أحمق! هذا ذوق سا هيون وليس اي هيون!'
أراد بانغ سوول أن يوبخ نفسه على هذه الكلمات التي خرجت من فمه، ولكن بمجرد أن نطق بها، أومأ دانغ تاي يول ودانغ هوي برأسيهما كأن الأمر منطقي تمامًا ومقنع بالنسبة لهما.
"بصفتنا محاربين من عائلة دانغ، فمن الطبيعي والبديهي أن ننجذب ونهتم بالأعشاب السامة النادرة."
"همم."
ورغم أن سليلي عائلة دانغ قد اقتنعا تمامًا بالأمر، إلا أن جوف بانغ سوول كان يحترق قلقًا؛ فلو استمر الوضع على هذا النحو، سينتهي الأمر بمو يونغ غون وهو يحمل باقة ضخمة من الأعشاب السامة ليقدمها لإي هيون كهدية!
وفي هذا العالم بأكمله، لا يوجد مجانين يفرحون ويتلقون الأعشاب السامة كهدية سوى أولئك المعتوهين في عائلة دانغ بسيتشوان.
'آه، انتظر.. بما أن ذلك الفتى يتعلم فنون السموم في الوقت الحالي أيضًا فربما لن يشكل الأمر مشكلة حقيقية بالنسبة له؟!'
بينما كان بانغ سوول غارقًا في حيرته وتخبطه، فتح دانغ هوي فمه وتحدث
"ولكن، بالنسبة للسيد الشاب مو يونغ الذي لا يملك أي معرفة مسبقة بالسموم، فإن عثوره فجأة على عشب سام ونادر لا يمكن حتى لعائلة دانغ الحصول عليه، سيكون أمراً أشبه بنيل النجوم من السماء لذا قد يكون تقديم هدية تقليدية خياراً أفضل؛ فأشياء مثل المعجنات، أو الشاي، أو حتى فرشاة كتابة عالية الجودة، هي هدايا ملائمة ومضمونة النفع لأي شخص كان."
وكما هو متوقع من وريث عائلة كبرى، فقد كانت نصيحة دانغ هوي سديدة وفي محلها؛ ولعله استند في ذلك إلى خبرته من كثرة الهدايا الفاخرة التي كانت تُقدّم له.
"بالفعل، هذا كلام منطقي تمامًا."
"آه…… هل الأمر كذلك حقًا؟"
التفت مو يونغ غون نحو بانغ سوول ليتأكد من رأيه هو الآخر، فأومأ بانغ سوول برأسه ببطء
"……أجل."
"فهمت إذن……. شكرًا لكم، أنتم الثلاثة."
وما إن غادر مو يونغ غون مكانه وابتعد عنهم، حتى سأله دانغ تاي يول فجأة بنبرة عابرة
"إذن، ما هي الهدية الحقيقية التي يفضلها شقيقنا الثالث حقًا ؟"
"……لن أخبرك."