262
من ناحية أخرى، وبعد أن غادر إي هيون قاعة هوا يون نزولاً عند رغبة مو يونغ غون، تشتتت خطاه بشكل طبيعي نحو بحيرة غامرو ؛ فقد كان مكانًا قريبًا من القاعة وفي الوقت نفسه مثاليًا للتجول والتجوال مع الذات بمفرده.
كانت بحيرة غامرو عبارة عن حوض مائي واسع تحيط به الممرات المسقوفة من كل جانب، وتتوسطه جزيرة صغيرة يقبع فوقها جناح يُدعى دان شيم
كان هذا المكان نفسه داخل عالم المان سانغ مسرحًا لعالم الجحيم ، وهو ذات المستنقع الذي اندفعت منه أسراب الأفاعي السامة من كل حدب وصوب لتمزق جسد دانغ تاي يول.
بالطبع، كان من المستحيل أن تعج بحيرة غامرو الحقيقية بأفاعٍ سامة أو ما شابه؛ إذ كان سطح الماء الذي يعكس ضياء القمر هادئًا وساكنًا دون أدنى قشعريرة أو تموج، ولم يكن يقبع في عتمة المياه وظلالها سوى خيالات بضع اسماك من الكارب.
وعلى طول الجسر الممتد نحو الجزيرة، اصطفت الفوانيس الورقية لتنشر ضوءاً خافتًا ودافئًا يضيء طريق اي هيون بهدوء.
وعندما اقترب إي هيون مسافة كافية من جناح دان شيم……
'……أوه.'
لمح ضيفًا غير متوقع قد سبقه إلى هناك؛ لم يكن سوى نام غونغ جي تشون.
حتى مطلع المأدبة، كان محاطًا بحشود غفيرة من نوابغ الجيل الجديد، ويبدو أنه غادر مجلسهم في منتصف الوقت طالبًا بعض الراحة، لينتهي به المطاف هنا دون أن يشعر به أحد.
كان نام غونغ جي تشون، الذي يقف وحيداً يرمق السماء الليلية بنظراته، يبدو هادئًا ومنعزلاً بشكل غريب لا يتناسب مع انطباعه الصاخب المعتاد ورغم أنه كان من المفترض أن يشعر بقدوم وحضور إي هيون منذ فترة، إلا أنه ظل شاخصًا ببصره نحو السماء في صمت مطبق.
ولم يتعمد إي هيون إخفاء وقع خطواته وهو يخطو داخل الجناح، بل بادره بالقول
"أيعقل أن يغيب النجم الحقيقي والمستهدف الأول عن المأدبة هكذا؟"
"النجم الحقيقي؟ هههههه."
التفت نام غونغ جي تشون أخيراً وأطلق ضحكة، لكن رنين ضحكته هذه المرة كان خافًا ورزينًا للغاية مقارنة بتلك التي كانت تهز أرجاء قاعة هوا يون قبل قليل.
"كل ما فعلته هو أنني كنت آخر من استيقظ واسترد وعيه، فكيف أكون أنا النجم؟ إن من جابهوا تلك الممرات الوعرة والمهلكة وواصلوا التقدم بثبات حتى النهاية دون تراجع، هم من يستحقون لقب النجوم والأبطال بحق."
"ولكن هذه المأدبة أُقيمت أساساً للاحتفال بنجاتك وفتح عينيك بسلام، أليس كذلك يا سيد نام غونغ؟ لقد كان الجميع ينتظرك بقلوب مضطربة ومشاعر يملؤها القلق."
"……هذا أمر ممتن له من أعماق قلبي."
جلس إي هيون في المقابل من نام غونغ جي تشون، وتوسطت بينهما الطاولة الحجرية الصامتة
"يبدو أنك غارق في بحر من الأفكار والهموم."
"اممم، ليس أمراً كبيراً، لكنني كنت أسترجع ما حدث في عالم الأرواح الجائعة."
"ما حدث هناك……؟"
"أقصد اللحظة التي اندفعتُ فيها وفتحتُ تلك البوابة الضخمة على مصراعيها."
تلك اللحظة التي كان فيها الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال—الذين يبدون كعوام الناس والمدنيين الأبرياء—يقرعون البوابة بجنون، في حين كان مقاتلو الطوائف الشريرة يقطعون رقابهم ويبيدونهم بلا رحمة.
في تلك اللحظة بالذات، لم يستطع نام غونغ جي تشون كبح مشاعره فاندفع ليرفع المزلاج ويفتح الباب، لكن أولئك الذين تدفقوا من خلفه سرعان ما خلعوا قناع الإنسانية واستحالوا وحوشًا ضارية ومرعبة.
صمت نام غونغ جي تشون لبرهة قبل أن يتابع
"لقد اعتذر مني السيد الشاب غوم عما حدث في تلك الحادثة.. ولكن في الحقيقة، لم يكن هو من يتوجب عليه الاعتذار لي، أليس كذلك؟ ومع ذلك، ما زلت عاجزاً حتى اللحظة عن إيجاد الإجابة الصحيحة كيف كان يجدر بي أن أتصرف بشكل مغاير في ذلك الموقف العصيب؟"
توقف برهة، ثم أردف
"وبينما كنت مستغرقًا في هذه التساؤلات، خطرت في ذهني فجأة الكلمات التي قالها السيد الشاب الثالث لدانغ في مأدبة اليوم الأول."
"الكلمات التي قلتها أنا؟"
"أن نجتهد ونركز في تدريبنا وصقل مهاراتنا، حتى نكون قادرين على اتخاذ خيارات أفضل وأقل ضرراً عندما تباغتنا الأزمات."
"آه."
كانت تلك الكلمات هي التحليل الذي طرحه إي هيون آنذاك لفهم نوايا وأهداف رئيس عائلة جيغال عندما طرح معضلة الجسر الشهيرة.
"بالنسبة لي، كان من المستحيل تمامًا أن أتجاهل صرخات الاستغاثة القادمة من خلف الباب في تلك اللحظة ولكن، أليس من الحقيقي أيضًا أن خياري هذا قد تسبب في إصابة وإيذاء رفاقي؟ مهما كانت النوايا نبيلة وصالحة، فما الفائدة منها إن لم تكن مدعومة بقوة كافية لحمايتها وفرضها على أرض الواقع……؟"
تمتم نام غونغ جي تشون بتلك الكلمات وكأنه يخاطب روحه ويعاتبها
"لو كنتُ أكثر قوة وبأسًا في ذلك الوقت، ألم يكن بإمكاني فتح الباب وسحق الوحوش في آن واحد دون أن يمس رفاقي أي سوء؟ هذا ما فكرت فيه.……ولكن، لا أظن أن مجرد امتلاك القوة العارية يضمن للمرء اتخاذ القرار الصائب دائمًا."
"في الأصل، نادر نجد في هذا العالم خياراً يمثل إجابة نموذجية وكاملة كل ما يمكننا فعله هو أن نبذل قصارى جهدنا في كل ثانية ولحظة، على أمل أن نصل إلى الخيار الأقل ضرراً والأكثر صوابًا "
فحتى إي هيون نفسه يقع دائمًا في شباك الحيرة والشكوك؛ متسائلاً إن كان قراره الحالي صحيحًا أم خاطئًا
ولكن لأن اللحظات الكبرى التي لا تحتمل التأجيل أو التردد تداهم المرء دائمًا دون إنذار، فما عليه إلا أن يستجمع شتات نفسه ويصنع قراره، متمنيًا من كل قلبه أن يكون هذا هو الخيار الأفضل والأنقى، ومقدمًا كل ما يملك لإنجاحه.
"……هذا صحيح أيضًا."
"ولهذا السببِ تحديدًا ، أرى أن رجلاً مِثلك يا سيد نام غونغ لن يزداد مع الأيام إلا قوةً وصلابة."
"وكيف ذلك؟"
"لا يمكن لأي شخص أنْ يختار الصواب دائمًا ولكن، إنْ ساورَت المرء الشكوك حيال خياراته ، وكان يملك رغبة في الإنصات لآراء الآخرين وتأملها كما تفعل أنت، وإنْ كان قادرًا على مراجعة نفسه ومحاسبتها فلا بد أن يفتَح أمامه طري أفضل."
"ههههه! حقًا لا يمكنُ لأحد أنْ يجاري السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ في بلاغة لسانه وقوةِ حجّته."
وما إن انقطعَت ضحكات نام غونغ جي تشون الهادرة، حتى خيم صمت مؤقت على الأرجاء، ولم يكن يُسمَع من بعيد سوى صرير جنادب الصيف الخافت وبعد برهةٍ، فتح نام غونغ جي تشون فمه مجددًا
"في الحقيقة، لقد كنتُ…… خائفًا جداً في ذلك الوقت."
لم يذكرْ بالتحديدِ متى كان ذلك الوقت لكنَّ إي هيون أدركَه على الفور؛ لقد كان يقصدُ اللحظةَ التي ألقى فيها بنفسِه نحو البوابةِ الكبرى المؤديةِ إلى تشون را ، حيث لا يوجدُ سوى الظلامِ الدامسِ الشديد.
"رغم أنني أخبرتُكم بأنني أثقُ بكم، إلا أنني لم أكنْ أعلم يقينًا إلى أيِّ مدى تصِل حدودُ ثقتي تلك ولكنَّ رفاقي هم من جعلوا خياري في ذلك الوقت صحيحًا ، ووهبوا له قيمة حقيقية."
'لا تقلقوا جميعًا أليسَ عالمُ المان سانغ مجردَ حلمٍ عابر؟ والكابوس لا بد أنْ ينتهي يومًا ما.'
تلك الكلماتُ التي كانتْ مجرد أمنيات قد تتبخر، حولها الرفاق إلى واقع ملموس بأيديهم.
والطريقُ الذي ظنّوه مسدودا ولا أمل فيه، تكاتفوا معًا وبذلوا كلَّ قوتِهم حتى شقوه وفتحوه رغمًا عن كلِّ شيء…….
لمعَ بريقُ الأملِ في عينَي نام غونغ جي تشون وتابع
"أنا لستُ بليغًا في كلامي مِثلك يا سيد دانغ، لذا لا أعرف كيف أعبّر لك عما يدور في صدري…… لكنني حتمًا لن أنسى ما ما حدث في هذه الرحلة طوال حياتي "
رفع نام غونغ جي تشون بصرَه نحو السماء، فتبعه إي هيون بنظراته ورفع رأسه هو الآخر؛ لتتبدى لهما مجرةُ درب التبانة وهي تنساب كالنهر المشع في جوف الليل الأسود، وتتناثر فيها النجوم كالآلئ المضيئة.
أضواء صغيرة ومستضعَفة يكاد يبتلعُها الظلام لو انفردَت لكنها حين تجمّعَت واحتشدَت شكّلَت ذلك النهر العظيم الساطعَ بضيائه.
وفجأةً، تذكرَ إي هيون ذلك الطريقَ الفضي اللامع الذي عبروا من خلاله الظلامَ الدامسَ اللامتناهي، وتذكرَ الفوانيسَ التي كانتْ تحرس ذلك الطريق وتحميه.
وبالنظرِ إلى مجرةِ دربِ التبانةِ وهي تتدفقُ في جوفِ الليل، شعرَ إي هيون أنه باتَ يفهمُ بشكلٍ ما المشاعرَ التي يودُّ نام غونغ جي تشون إيصالها
"……وأنا أشعر بالأمرِ نفسه."
بعد فترةٍ وجيزة، استأذن نام غونغ جي تشون مغادرًا ليعود إلى ساحة المأدبة.
وقرر هيون البقاء في جناح دان شيم لبعض الوقت، حتى يمنح مو يونغ غون فرصة كافية لإنهاء حديثِ السري ولكن……
'……اممم.'
في اللحظة التي تلاشتْ فيها آثار خطواتِ نام غونغ جي تشون واختفى صوته ووجدَ نفسه وحيدًا في الجناح، داهمه شعورٌ غريب بالضيق وثقل الصدر ورغم أنه كان يجلس في جناحٍ مفتوحِ النوافذِ وتكسوه النسايمُ من كلِّ حدبٍ وصوب، إلا أنه شعرَ بالاختناق.
تنفس إي هيون ببطء وأخرج زفيرًا طويلاً.
كان هذا أمرا غريبًا حقًا ؛ فهو شخص اعتاد على قضاء وقته بمفرده والعيش في عزلة.
ولعل بقاءَه محتجزًا في مساحة ضيقة ومغلقة لمدّة واحد وثمانين يومًا ، ما زال يلقي بظلاله وأثره على نفسيتِه حتى الآن.
'ربما إن مشيتُ قليلاً، ستتحسنُ حالتي المزاجية.'
وعندما نهضَ من مكانِه عازمًا على السير، لمح طيفًا يقترب عبر الجسرِ وهو يحمل فانوسًا يدويًا كانتْ إحدى خادمات قصر مونغ رين
انحنتْ الخادمة أمامه بأدب جم ، وتحدثتْ بنبرة يملؤها الاحترام
"السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ لقد أمرني سيد العائلة أنْ أبلغك برغبتِه في لقائك."
"رئيسُ عائلةِ جيغال؟"
"نعم، هذا صحيح."
أن يطلب رئيس العائلة رؤيته بمفرده ودون البقية، فما عساه أنْ يكون السبب؟ لم يكنْ هناك أيُّ مبررٍ للرفض، فضلاً عن أن الفضول قد تملّكَه لمعرفة غايتِه، لذا سار إي هيون خلف الخادمة مطيعًا
بعدَ أنْ قطعوا بوابة سام غونغ وساروا لبضعِ خطوات، وصلا إلى الجناحِ الخاصّ برئيسِ العائلة القابع في عمق الفناء الداخلي وتقدم خادم آخر يحرس الباب، وقال نحو الداخلِ بنبرةٍ خاضعة
"سيدي، لقد وصلَ السيد الشاب الثالث لدانغ."
"دعه يدخل."
بمجرد أنْ خطت قدماه نحو الداخل، أدرك على الفور أن هذه الغرفة مخصصة لتناول الشاي
لم تكن الغرفة تحتوي على مقاعد فخمة أو مكان مخصص لكبار الشخصيات، بل كانت تتوسطها طاولة شاي بسيطة تحيط بها بضعة مقاعد، بينما امتد على طول أحد الجدران رفوف كتب مصطفة بعناية كاملة.
كان رئيس عائلة جيغال واقفًا أمام تلك الرفوف ويتصفح أحد الكتب، وما إنْ دخل إي هيون حتى أغلقه بهدوء، ثم أشار بيده نحو طاولة الشاي دعوة له بالجلوس.
"اجلس."
"حاضر، يا رئيس العائلة."
جلس إي هيون في مكانه وتحدث بحذر
"سمعت أنك طلبت رؤيتي."
"أجل ، شكرا لك على قدومك ما رأيك أولا أن نتناول بعض الشاي والحلويات الخفيفة؟"
"بكل سرور."
وما إن قدمت الخادمة الشاي والمعجنات ووضعتها أمامهما
"كيف حال عينك الآن؟ هل أصبحت بخير؟"
لقد سمع أن رئيس عائلة جيغال قد تعرض لهجوم في الخارج أدى إلى إصابة عينه اليمنى، ولهذا السبب كان يرتدي تلك العصابة السوداء عليها الآن.
لمس رئيس العائلة حافة عصابة عينه برفق
"اممم، في الواقع الأمر مزعج قليلا لأنني لا أستطيع ارتداء النظارة وعصابة العين في وقت واحد."
"ولماذا لا تستطيع؟"
"لأنني إن ارتديت العصابة والنظارة معا، فسيبدو مظهري مضحكا وغريبا، أليس كذلك؟"
كادت زوايا شفتي إي هيون تتحرك ضاحكة في تلك اللحظة، لكنه تمالك نفسه بصعوبة وتحدث بهدوء
"أتمنى أن تتعافى عينك تماما في القريب العاجل."
"شكرا لك."
لبعض الوقت، لم يتطرق رئيس عائلة جيغال إلى أي موضوع مهم أو عمل جاد.
اقتصر حديثه فقط على الاطمئنان على أحوال إي هيون؛ فسأله إن كان جسده بخير بعد غيبوبته التي استمرت لعامين، وكيف يسير تدريبه على الفنون القتالية، وما إذا كانت رحلته من مقاطعة هابوك إلى هذه الفيلا شاقة ومتعبة.
وبعد أن واصل إي هيون الإجابة عن تلك الأسئلة بأسلوب ملائم، نفدت أخيرا كل المواضيع الجانبية التي يمكن تبادلها بشكل عابر.
وعندما بدا أن الوقت قد حان للدخول في صلب الموضوع، وضع رئيس العائلة فنجان الشاي من يده
"أظن أنك واجهت الكثير من الصعاب والمشاق أثناء عيشك في عائلة دانغ طوال الفترة الماضية وبصفتي خالك، كان يؤلمني دائًمًا أنني لم أستطع الاعتناء بك أو الاهتمام بأمورك، وزاد شعوري بالذنب والخجل تجاهك بعد ما آلت إليه الأمور هذه المرة."
"أنا ممتن لكلماتك، ولكن حديثك هذا يشعرني بالحرج والأسف تجاهك."
"أنت تتحدث بكلام لا يخرج من أعماق قلبك."
'وأنت كذلك…….'
فكر إي هيون في نفسه؛ فلماذا يستدعيه الآن بشكل مفاجئ ومنفرد ليقول له مثل هذا الكلام؟
"يبدو لي أنك لم تستدعني إلى هنا لمجرد الاطمئنان على أحوالي فقط……."
"أنت سريع البديهة والملاحظة بالفعل."
ثبت رئيس العائلة عينه السليمة غير المغطاة على اي هيون، ورمقه بنظرة هادئة وكأنه يزن بها شخصيته وقيمته.
"سأدخل في صلب الموضوع مباشرة."
توقف لبرهة قصيرة ليتنفس، ثم نطق بكلمات غير متوقعة تماما ولم تخطر على بال إي هيون قط
"ما رأيك أن تصبح ابني بالتبني؟"