259
أمسك إي هيون بأحد المارين وسأله عن مكان بانغ سوول، فأجابه خادم بأدب جم
"السيد الشاب الأكبر بانغ؟ لقد رأيته يخرج قبل قليل إلى خارج الفيلا الجبلية لم يكن يمتطي جواداً، لذا لا أظنه قد ابتعد كثيراً."
فهم الأمر الآن ففي النهاية، هذه الفيلا الجبلية تضج وتكتظ بالناس في الوقت الحالي.
في الماضي، أخذ بانغ سوول إي هيون ذات مرة إلى الشوارع المزدحمة والنابضة بالحياة، قائلاً إنه عندما يكون مشوش الذهن ومضطرب الفؤاد، فإن التجول وسط الزحام أفضل بكثير من التسكع بمفرده في مكان مهجور وموحش.
لكن المفارقة أن سوول نفسه عندما كان يحتاج إلى تصفية ذهنه، ألم يكن يبحث عن مكان أشبه بمرصد فلكي مهجور؟
والآن، بما أنه في مزاج يرغب فيه بشدة في البقاء وحيداً، كان خروجه من الفيلا الجبلية خطوة بديهية ومتوقعة.
'……بما أنه خرج إلى الخارج، فلن أتمكن من العثور عليه.'
إذا عقد العزم على الاختباء، فكيف له أن يجده؟
ورغم أن عقله كان يفكر على هذا النحو، إلا أن قدمي إي هيون كانتا تتحركان ببطء إلى الأمام.
وعلى الرغم من هطول الأمطار الهوجاء قبل يومين، إلا أن الطريق الممتد من مدخل الغابة وحتى الفيلا كان مرصوفًا بحصى ناعم يساعد على تصريف المياه بسرعة، وبفضل أعمال الصيانة التي أُجريت في هذه الأثناء، كان المسار نظيفًا وخاليًا من الطين تمامًا
سار إي هيون لبرهة في طريق تصطف على جانبيه أشجار الخيزران، وفجأة داهمه شعور غريب، فالتفت ينظر إلى جانبه.
كانت هناك آثار أقدام واضحة ومطبوعة فوق تراب غابة الخيزران الذي ما زال يحتفظ ببعض الرطوبة.
'يا للهول ومرحى……. يبدو أنه نسي محو آثاره إنك مهمل ومغفل أكثر مما ظننت يا سيد شاب أكبر بانغ.'
لم يكن بانغ سوول ملثمًا هاربًا من مسرح جريمة، ومع ذلك تملك إي هيون هذه الأفكار الساخرة والعبثية وهو يتتبع أثره.
وبعد السير لمسافة ما..
فِـيـيـيـيـش—
انبعث صوت هادر لتدفق المياه، وانتهت غابة الخيزران فجأة لينفتح المشهد أمام ناظريه على وادٍ فسيحٍ كبير.
ولعل السبب يرجع إلى الأمطار الغزيرة التي انهمرت قبل يومين، إذ كانت مياه الوادي تتدفق بهياج وعنف شديدين وكان بانغ سوول يجلس متربعًا فوق صخرة بارزت عند حافة الوادي، يرمق المياه المتلاطمة بنظراته.
اقترب منه إي هيون
"هل هذا هو المكان الذي ألقيت فيه سوار الحماية الخاص بي يوم هطول المطر قبل يومين لتجرفه المياه؟"
التفت سوول نحوه ودون أن ينظر إليه مباشرة، رمى كلماته بجفاء
"هل تملك عيونًا ترى الغيب وتخترق المسافات؟"
"لا أحتاج إلى شيء كهذا لأخمن أمراً بهذا الوضوح."
وعلى الرغم من أن إي هيون قد وصل إلى مسافة قريبة جداً أمام الصخرة، إلا أن سوول لم يبدِ أي بادرة للنهوض أو تجنب المكان.
وفي الحقيقة، لا بد وأنه شعر بحضوره منذ البداية، فلو كان ينوي تجنبه لكان قد اختفى وتوارى عن الأنظار بالفعل.
وكما كان بانغ سوول يثبّت بصره على مياه الوادي المتدفقة دون أن يلتفت نحو إي هيون، ألقى إي هيون بجسده مسنداً ظهره إلى الصخرة ورفع نظره إلى السماء.
وبعد صمت قصير خيّم على المكان، تمتم إي هيون بهدوء
"شكرًا لك، لأنك جئت لأخذي وإعادتي."
"……."
"عندما فكرت في الأمر، وجدت أنني لم أنطق بهذه الكلمات بعد."
"ألسنا متعادلين؟ أنت أيضاً أنقذت حياتي من قبل بالطبع، عندما أتذكر كيف خدعتني، يشتعل رأسي غضبًا ولكن……."
"أنا لم أخدعك قط."
"بل خدعتني! تطلب مني أن أثق بك، بينما كنت أنت تنوي الموت!"
"لم أكن أنوي الموت على الإطلاق كل ما في الأمر أنني كنت أملك ورقة أخيرة وهي تحطيم النواة الحقيقية ، لذا قررت المراهنة عليها و—"
"إذن كان الأجدر أن نبقى معًا !"
"ولماذا نفعل ذلك؟ بينما كان بإمكاني ضمان هروب شخص واحد على الأقل."
"يا لك من……!"
التفت بانغ سوول نحو إي هيون بحدة وعنف وكأن الغضب قد بلغ منه مبلغه، فانتفض إي هيون تلقائيًا وحوّل نظراته بعيداً بخلسة.
ظل سوول يرمقه بنظرات ثاقبة كأنه على وشك أن يمسك بتلابيب ثيابه، ثم تنهد تنهيدة عميقة وطويلة، ومدّ يده إليه؛ مشيراً له بأن يصعد ويجلس بجواره فوق الصخرة.
أمسك إي هيون بيده وصعد ليجلسا جنبًا إلى جنب على طرف الصخرة الفسيحة، وبعد صمت قصير خيّم على كلاهما، فتح سوول شفتيه وبدأ يتحدث.
"هل تعتقد أن هيون قد مات؟"
"……."
تردد لي هيون وعجز عن الإجابة فورًا فتابع بانغ سوول حديثه بمفرده
"أنا لا أظن ذلك."
"……ولماذا؟"
"مجرد شعور."
"……."
"صحيح أنه حتى بعد أن غادرت روحك ذلك الجسد، لم تَعُد روح هيون إليه……. لكن هذا هو الحال نفسه الذي كنا عليه طوال العامين الماضيين، أليس كذلك؟"
في الواقع، كان الأمر مختلفًا بعض الشيء هذه المرة.
فحتى لو كانت روح دانغ سا هيون لا تزال قابعة داخل جسده، فقد تظل غائبة عن الوعي، لكنه علم من الأحاديث التي دارت حوله أن الرابط بين روح إي هيون وجسد دانغ سا هيون قد انقطع تمامًا بمجرد أن ابتعد قارب النجاة الذي كان يستقله.
ولو كانت روح دانغ سا هيون نائمة في مكان ما داخل الجسد، أو متصلة به بأي شكل من الأشكال، لما تدهورت حالته الصحية فجأة إلى حد خطير ومشرِف على الموت.
يبدو أن بانغ سوول قد سمع تفسيراً حول هذا الأمر من خبراء المصفوفات، حيث أردف
"بالطبع، ظلّ جسد هيون خاويًا طوال الأيام القليلة الماضية……. ولكن إن فكرنا في الأمر، فربما لا يعود السبب إلى موته، بل لأنه ليس موجوداً في هذا المكان من الأساس؛ تمامًا كما هبطت روحك فجأة من مكان سحيق البعد واستقرت في جسده."
تحول بصر بانغ سوول ببطء عن مياه الوادي الهادرة ليستقر على إي هيون وتابع
"فوجودك أنت بحد ذاته، هو الدليل القاطع على أن مثل هذه الأمور المستحيلة يمكن أن تحدث لذلك، لن أستسلم أبدأً."
"……حتى لو كان ذلك يعني أنك قد لا تعثر طوال حياتك على دليل يثبت موته؟"
سأله لي هيون ذلك، لأنه يعلم أنه من المستحيل إثبات العدم التام ، أو إثبات أن شخصًا ما لم يعد له وجود في أي مكان من هذا العالم.
وعلى الرغم من أن كلمات سوول قد تبدو للوهلة الأولى مجرد هروب من الواقع، إلا أنه لسبب ما، لم يشعر إي هيون أنها تحمل هذا المعنى.
"حتى لو استغرق الأمر عمري كله، سأستمر في البحث طالما أتنفس ولم تفارقني الحياة."
"وماذا لو قضيتَ نحبك دون أن تعثر عليه؟"
"حينها سأكمل البحث بعد موتي! ألسنا سنصبح أرواحاً متشابهة حينها؟ قد يصبح العثور عليه أسهل بكثير."
أطلق إي هيون ضحكة خافتة دون وعي منه
"هاهاها……."
"……علامَ تضحك؟"
"لا شيء."
عند سماع هذه الكلمات، شعر إي هيون لسبب ما أن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدره، و أصبح قلبه أكثر خفة وراحة.
لقد شعر أن هذا الأسلوب الفظ والخشن هو الطريقة الخاصة لبانغ سوول في مراعاة مشاعره وطمأنته؛ وكأنه يرسل له رسالة مبطنة مفادها 'أنا لن أستسلم على أي حال، لذا أنت لم تتسبب في خسارتي لأي شيء'
فلو كان بانغ سوول قد انهار يائسًا في هذا المكان، يبكي ويتساءل بمرارة ونحيب… 'هل يعني هذا أن هيون لن يعود إلى الأبد '، لما عرف إي هيون كيف يتصرف أو ماذا عساه أن يفعل لتهدئته.
"……."
أجل، لأنك شخص من هذا الطراز النبيل والنادر، اندفعتُ بكل ما أملك لإنقاذ حياتك.
"ربما لأنك تبدو كالأحمق، لذا عجزتُ عن كتمان ضحكتي……."
"……هل تبحث عن شجار؟"
"سامحني، فلو تشاجرتُ معك، لأوسعتني ضرباً ولما بقي فيَّ عظمٌ سليم."
"جيد أنك تدرك هذا."
تمتم بانغ سوول بتلك الكلمات وهو لا يزال يثبّت نظراته على مياه النهر
"أخبرني عن نفسك قليلاً."
"عن نفسي؟"
"أجل ، وإذا حاولت هذه المرة أيضًا التهرب مستخدمًا نكاتك السخيفة التي لا تضحك أحداً، فلن أتساهل معك مطلقًا"
"……."
فكر إي هيون لبرهة، ثم قال بهدوء
"ما الذي يراودك الفضول لمعرفته؟"
"كل شيء ألم تقل إن لديك عائلة؟ أخبرني عنهم، أو عما كنت تفعله وتكسب منه قوت يومك في حياتك السابقة."
"……لن تجد في قصتي أي تسلية أو تشويق."
"لا يهم، فأنا لم أطلب السماع من أجل التسلية على أي حال."
أطال إي هيون النظر إلى الغيوم السابحة في السماء لبرهة، ثم فتح شفتيه وتحدث ببطء
"إن كان عن عائلتي، فقد كان لدي شقيق أصغر، ووالدان."
"بما أنه شقيقك، فلا بد أنه كان ذكيًا ونابغًا مثلك."
"لا أدري في الواقع، وبما أنه ليس شقيقي من لحمي ودمي، فلا أظن أن للأمر علاقة بالذكاء."
"……هل تم تبنيك إذن؟"
"يمكنك قول ذلك أما عن علاقتي بعائلتي…… فلم تكن سيئة على الإطلاق."
"لكن ملامح وجهك تخبرني أن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد."
ارتسمت على شفتي إي هيون ابتسامة مريرة إثر كلماته
"حسناً، لقد كانت النهاية مأساوية وسيئة للأسف الشديد."
"ما الذي حدث إذن؟"
ظننتُ أنه سيكتفي بهذا القدر ولن يسترسل في الاستجواب، لكن بانغ سوول تخطى الحدود التي رسمتُها بكل أريحية ودون تردد.
في الواقع، لم يكن إي هيون يرغب في البوح بهذا الماضي لبانغ سوول حتى هذه اللحظة؛ فإلى جانب أن نبش هذه الذكريات للآخرين ليس بالأمر المبهج، فقد شعر أن قصة كهذه قد تسبب له الضيق والحرج.
ولكن، ما دامت العقبات لن تغير من الأمر شيئًا أمام هذا الفتى الذي أعلن بكل عناد أنه سيقضي عمره كله في البحث عنه دون مبالاة بالصعاب، فما الذي سيتغير إن باح له بجرعة من هذا الماضي؟
تحدث إي هيون ببطء وكأنه ينبش في زوايا ذاكرته، رغم أنه في الحقيقة لم يكن بحاجة إلى النبش أبداً، فالذكريات كانت حية وواضحة في ذهنه كأنها حدثت بالأمس.
"في أحد الأيام، أقدم شقيق أحد المعارف على الانتحار قفزًا من مكان شاهق كان ذلك الشخص مؤمنًا بأن هناك من دفع شقيقه إلى الموت، لكن الشرطة…… ممم، أعني المحافظ كان ينوي إغلاق القضية على أنها مجرد حادثة انتحار عادية ولقد تصادف أنني مددت له يد العون في التحقيق وكشف الملابسات."
تحركت شفتا إي هيون بتردد لبرهة، قبل أن يتابع حديثه بنبرة هادئة ومستقرة
"وخلال ذلك، اكتشفتُ أن شقيقي الأصغر متورط في الأمر."
"……."
"ولم تكن تلك القضية سوى رأس جبل الجليد؛ فالمجموعة التي كان شقيقي يعاشرها وينخرط معها، كانوا جميعاً من أبناء العائلات ذات النفوذ والسلطة التي لا يُستهان بها، ويبدو أن جرائمهم السابقة كانت تُطمس وتُدفن بطريقة أو بأخرى حتى ذلك الوقت بالطبع، لم يكن شقيقي مطلع في كل تلك الفظائع بل كان متورطًا في جزء منها فحسب……. ولكن، كان من الجليّ أنه بمجرد ظهور الحقيقة إلى العلن، فلن يقتصر الدمار على شقيقي وحده، بل سيتلقى والداي ضربة تسحق حياتهما."
"وماذا حدث بعد ذلك؟"
ألقى إي هيون بنظراته نحو الفراغ، وخرجت الكلمات من بين شفتيه مبعثرة..
"……ماذا عساي أن أفعل؟ لقد حاول والداي إقناعي بطمس القضية والتستر عليها، لكني لم أستطع قبول ذلك…… ومنذ تلك اللحظة، تحول كل شيء إلى فوضى عارمة، وانتهى بي الأمر بمغادرة المنزل."
بما أن تلك القضية كانت تتضمن أبناء عائلات نافذة وذات سلطة، فقد أحدثت ضجة هائلة وزلزالاً في الرأي العام ومع كشف الحقائق وظهور اسم إي هيون كطرف رئيسي في كشف الملابسات، انهالت المقالات الصحفية والشائعات من كل حدب وصوب.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل نبشوا وراءه حتى عرفوا بشأن الرواية التي كان يكتبها، ليتعرض قسم التعليقات لهجوم شنيع وتتحول صفحته إلى ساحة تصفية حسابات وخراب…….
حسناً، لنتوقف عن التفكير في هذا الأمر الآن.
"يبدو أن هذه هي الحكاية باختصار ليست بالقصة الممتعة، أليس كذلك؟"
"وهل هذا موقف يُطلب فيه التسلية أو المتعة؟ إنك شخص غريب حقاً يا صاح……. لكن انتظر، هذا يعني أن رغبتك السابقة في العودة إلى ديارك من أجل عائلتك كانت مجرد كذبة، أليس كذلك؟"
"……امم، في الواقع…… هاها."
عندما بدت ملامح الحرج والارتباك على وجه إي هيون، رَمَقه بانغ سوول بنظرة حادة لائمة ثم تنهد بعمق وهنا حاول إي هيون تغيير مجرى الحديث
"حسناً، لنكتفِ بهذا القدر في هذا الموضوع في الحقيقة، أنا أيضًا أتفق معك في الرأي يا بانغ سوول."
"بشأن ماذا؟"
"بشأن أن دانغ سا هيون لم يختفِ بعد."
"……ولماذا تظن ذلك؟"
"مجرد شعور."
"……هل تقلدني الآن؟"
"لا، أنا جاد تمامًا هذا ما أشعر به حقًا!"
لكن في واقع الأمر، كان لدى إي هيون سبب ودليل أكثر منطقية يعتمد عليه.
بناءً على ما تناهى إلى مسامعه من أخبار، فإن الرابط بين روح إي هيون وجسد دانغ سا هيون قد انقطع تمامًا في اللحظة التي ابتعد فيها قارب النجاة.
ولو كانت روح دانغ سا هيون الأصلية قاطنة في جسده طوال الوقت، لما كان هناك أي مبرر لتدهور حالته الصحية فجأة بمجرد أن أخلى إي هيون المكان وغادر الجسد؛ على الأقل ليس بذريعة أن الرابط بين الروح والجسد قد انقطع
فكما قال بانغ سوول، ألم يظل جسد دانغ سا هيون حيًا يرزق وبحالة جيدة طوال عامين كاملين قبل أن تسكنه روح إي هيون؟
وبما أن جسده حافظ على رمق الحياة طوال تلك العامين دون أن يمدّه أحد بالطاقة الحيوية بشكل مستمر، فهذا دليل قاطع على أن هناك روحًا ما كانت مستقرة في ذلك الجسد وتشغل مكانه قبل وصول إي هيون.
والآن، عندما ابتعد قارب النجاة، انقطع الرابط وتدهورت صحة الجسد فجأة؛ ممّا يعني أن ذلك القارب لم يأخذ معه روح إي هيون فقط، بل سحب معه أيضًا الروح الأخرى التي كانت تحمي الجسد طوال الوقت.
'……أجل.'
إنها روح مانغ ريانغ بلا شك.