254
مرّ نحو عشرة أيام بحساب إي هيون منذ انهيار عالم المان سانغ.
وإن كان هذا الحساب مبنياً في المقام الأول على تعاقب الضياء والعتمة بشكل دوري في هذا الفضاء.
"……لعله من حسن الحظ على الأقل أنني لا أشعر بالجوع."
ربما كان هذا أحد التأثيرات المترتبة على تحطم النواة وعالم المان سانغ.
فإن بقاء الحواس الأساسية للجسد المستعار وقدرته على النوم قد يكون من وظائف مصفوفة الإنقاذ، أو ربما هو تدبير آخر من مانغ ريانغ مثلما ضبط نظام الليل والنهار هنا.
وإن لم يكن هذا ولا ذاك، فقد يكون السبب هو أنه مع تلاشي تأثير عالم المان سانغ، بدأ الجسد المستعار يحاكي حالة الجسد الحقيقي الراقد في الواقع تمامًا.
لكن الأمر الإيجابي وسط كل هذا، هو أن جسده لم تظهر عليه أي علامات اتساخ رغم مرور عدة أيام.
على أي حال، وفي ظل هذه الظروف التي تنعدم فيها المؤثرات الخارجية تقريبًا حاول إي هيون جاهداً أن يصنع لنفسه جدولاً يوميًا ثابتًا ، وأن يواصل أنشطته البدنية والذهنية بلا انقطاع حتى لا يقع فريسة للاكتئاب والسرحان.
ومع انقشاع الظلام وإشراق الغرفة، نهض اي هيون من مكانه
"حسناً، فلنبدأ يومًا جديداً اليوم أيضًا."
بما أنها كانت فرصة ذهبية حظي فيها بوقت فراغ كامل لم يملكه من قبل، كان من الطبيعي أن يصب جل تركيزه على التدريب على الفنون القتالية.
وقد تعمق بشكل خاص في دراسة ثلاثة أساليب: خطوات الأصول الثلاثة ، وطريقة تنظيم الطاقة العقلية للعناصر الخمسة ، وخطوات مطاردة البرق
ولعله بسبب انعدام أي مشتتات أخرى من حوله، حقق تقدمًا ملحوظًا في غضون عشرة أيام فقط فقد بدأ أولاً بالأسلوب الأسهل في رفع مستواه، وهو الاصول الثلاثة، لينتهي منه تماماً بعد أن وصل فيه إلى ذروة الإتقان (المستوى الثاني عشر).
وبعدها مباشرة، انغمس في التدريب على أسلوبي تنظيم الطاقة العقلية للعناصر الخمسة ، وخطوات مطاردة البرق
ولأن كليْهما من العلوم العميقة والمعقدة، فإنه كلما واجه عقبة أو انسداداً في فهمهما، لم يكن يجهد نفسه بالتعمق الزائد، بل كان يعود لممارسة أسلوب الطاقة العقلية للجذور الثلاثة وأسلوب الاصول الثلاثه اللذين بلغا لديه ذروة الإتقان بالفعل.
إذ إن الإصرار على مواجهة المعضلات الصعبة دون أخذ قسط من الراحة يؤدي حتمًا إلى تراكم الإرهاق وتشتت التركيز.
بل إن ممارسة تلك الفنون القتالية التي تشرّبها جسده بالكامل كفيلةٌ بتصفية ذهنه؛ وحينها، قد تنحلّ العُقَد المستعصية فجأة وبسلاسة غير متوقعة، تماماً مثلما تتوارد الأفكار والحلول إلى المرء فجأة وهو ينزه نفسه سيراً على الأقدام.
ولكن، ورغم كل هذه الجهود التي بذلها، لم يكن بمقدور اي هيون السيطرة على مشاعره وأفكاره بالكامل.
فالبقاء لفترات طويلة في مساحة لا يزعجك فيها أحد ليس ميزة إيجابية دائمًا للتركيز.
ففي الأيام القليلة الأولى، تمكن من الانغماس في التدريب بشكل مذهل ولكن مع استمرار هذا الصمت المطبق الذي لا يكسره سوى تغير الإضاءة البديلة لليل والنهار، بدأت الأفكار الشاردة تطل برأسها في أي لحظة تسنح لها.
فعلى سبيل المثال، تذكر ذكريات من الماضي غمرتها تفاصيل حياته اليومية المزدحمة ولم تكن لتخطر على باله في الأحوال العادية وما إن تظهر فكرة، حتى تجر وراءها سلسلة لا تنتهي من الهواجس.
"توقف."
تحدث إي هيون بصوت عالٍ رغم أنه بمفرده، وكأنه يضغط على مكابح عقله ليردع نفسه.
فبين الحين والآخر، كانت تباغته تساؤلات قهرية تضغط على صدره
كم من الوقت سيتعين عليه البقاء هنا؟ وماذا لو عجز عن الخروج من هذه الغرفة الضيقة المقفرة إلى الأبد؟
'لا، لنكف عن هذه الأفكار العقيمة.'
ففي الأصل، حتى لو ركض المرء المسافة ذاتها، فإنه يتعرض لضغط نفسي أكبر بكثير عندما يغيب عنه خط النهاية مقارنة بما يشعر به حين يلوح الهدف أمامه؛ إذ إن حالة عدم اليقين، والعجز عن معرفة متى سينتهي هذا الموقف العصيب، هي ما ينهك روح الإنسان ويستنزف طاقته.
لكن، كلما زادت قسوة الظروف، تعين عليه التشبث برباطة جأشه والتركيز على ما يمكنه إنجازه الآن.
فمن يدري، ربما يأتي من ينقذه غداً أو في أي لحظة.
'أجل، وفوق هذا، أنا لست وحيداً هنا تمامًا في واقع الأمر.'
أمسك اي هيون بميداليه الثعلب المتدلي من قلادة خصره وقبض عليه بقوة، ثم عاد ليحرك جسده بنشاط وكأنه ينفض عنه تلك الأفكار الشاردة.
***
في اليوم الثالث من انهيار عالم المان سانغ في الواقع، وصل رئيس قاعة المصفوفات برفقة خبراؤها من العشيرة الرئيسية لعائلة جـيـغـال وبدا على وجوههم جميعًا إرهاقٌ شديد وتعبٌ لا يخطئه أحد، مما يعكس السرعة الفائقة التي قدموا بها.
"ماذا؟ هل تم إنقاذ الجميع بالفعل؟"
سأل رئيس قاعة المصفوفات، الذي بدا في أواخر الثلاثينيات من عمره، بملامح يكسوها الإعياء التام، فأجابه سيد عشيرة جـيـغـال بنبرة هادئة
"نعم، باستثناء شخص واحد."
"آه، لقد سمعت بالأمر حقًا قيل إن الجميع نجا ما عدا الابن الثالث لعشيرة دانغ."
"هذا صحيح."
"يا للهول…… لقد ركضنا كالمجانين دون أن نذوق طعم النوم، ويبدو أن جهدنا قد ذهب سدى."
وما إن نطق بهذه الكلمات، حتى ارتسمت علامات الازدراء والاحتقار دفعة واحدة على وجوه خبيري المصفوفات الذين كانوا يكافحون في قصر مونغ رين منذ بداية الأزمة.
ارتبك رئيس القاعة عندما لاحظ نظراتهم، وعقد حاجبيه
"لماذا تنظرون إليّ هكذا؟"
"لأن كلماتك يا رئيس القاعة لا تمت للإنسانية بصلة."
"ماذا قلت؟ هاه! لقد جلبت معي كل شخص متفرغ وكأننا قادمون لخوض حرب، لنجد أن الأزمة قد انتهت تقريبًا هل تظنون أن ترك هذا العدد الهائل من خبراؤنا للعشيرة الرئيسية وإخلائها مجرد مزحة؟"
"لقد أخبرناك أن الأمر لم ينتهِ بعد! هناك شخص واحد لم يُنقذ حتى الآن!"
صاح الخبير جونغ في وجهه بحدة، فارتعد رئيس القاعة قليلاً وتراجع خطوة للخلف
"على رسلك، لماذا تصرخ هكذا؟ على أي حال، ها هي المخططات الهندسية لقصر مونغ رين وهيكل بناء عالم المان سانغ التي طلب السيد إحضارها أرجو أن تشرحوا لي تفاصيل الوضع الحالي أولاً."
استمع رئيس القاعة إلى شرح سيد عشيرة جـيـغـال بتمعن، وسرعان ما غطت ملامحه الجديةُ
"إذا كان الوضع هكذا، فلا أظن أن كثرة عددنا ستحل المشكلة فالأدوات والمعدات التي يمكننا استخدامها هنا محدودة للغاية."
أجابه سيد عشيرة جـيـغـال ببرود
"هل ذلك الشيء المستقر فوق كتفيك مجرد زينة؟"
"لحظة، هل تطلب منا الآن أن نقوم بكل تلك الحسابات المعقدة بعقولنا فقط دون الاستعانة بأي معدات؟"
"بالتأكيد، ولهذا السبب تحديداً أمرتك بجلب كل من لديه وقت فراغ لن يقوم شخص واحد بحساب العملية برمتها؛ بل سيتقاسم الجميع الأدوار، بحيث يحل كل فرد جزءاً معينًا من المعادلة ثم يمررها لمن يليه بهذه الطريقة، سنرفع من كفاءة العمل ولو قليلاً."
"فهمت……. ولكن بناءً على ما قلته الآن، حتى لو نجحنا في تضييق نطاق موقع مصفوفة الإنقاذ، فإننا سنحتاج في النهاية إلى معرفة الترتيب النهائي للمصفوفة قبيل تحطم النواة مباشرة لكي نتمكن من رسم مسار إنقاذ مؤقت أهناك أي جدوى من هذا العمل ونحن نفتقر إلى تلك المعطيات؟"
"اصمت واشرع في العمل فوراً."
"علم."
تحرك سيد عشيرة جـيـغـال مع بعض خبراؤها لتحليل المخططات وهيكل البناء، فتمتم رئيس القاعة محدثاً نفسه
"لماذا يستميت هكذا؟ آه، يبدو أنه حتى لو كان هذا الفتى منبوذًا في عائلته، فإن موته بهذه الطريقة قد يدفع عشيرة دانغ لاستغلال الأمر لابتزاز عائلتنا ومسائلتها."
"…… أليس الابن الثالث لعشيرة دانغ هو ابن أخت السيد أيضًا ؟"
"صراحةً، هو ليس من النوع الذي يكترث لروابط القرابة هذه، أليس كذلك؟"
وفي تلك اللحظة، ضربه الخبير جونغ بمرفقه ضربة قوية في جنبه، فسقط رئيس القاعة على الأرض متأوهاً، ثم صرخ فيه بغضب.
"ما هذا الذي تفعله بالضبط؟!"
"أعتذر منك، لقد ترنحتُ قليلاً بسبب عدم نومي لعدة أيام."
"يا للهول! على أي حال، سأتوجه أولاً إلى قاعة بايك يون لمعاينة الوضع بنفسي عبر مرآة السماء مع أنني لا أظن أن رؤيتي للأمر ستغير شيئًا مادام السيد قد عاين كل شيء بالفعل ولكن، ألم يتبقَّ ولو جزء بسيط من الترتيب النهائي للمصفوفة في الطبقة الأساسية قبيل تحطم النواة مباشرة؟"
"لا شيء."
"آه.. إذاً يتعين علينا أولاً تحديد موقع الابن الثالث لعشيرة دانغ إنها مهمة تشبه البحث عن إبرة في المحيط، لكن ليس أمامنا سوى تفتيش كل شبر وإن كان هذا كله بلا جدوى في النهاية ما لم نعرف الترتيب النهائي للمصفوفة—."
"أيها الخبير جونغ!"
جاء هذا الصوت المتلهف من خلفهما، فالتفت الخبير جونغ ورئيس قاعة المصفوفات معًا وفي نهاية نظراتهما، كان يقف جيغال روك ، ويبدو عليه أنه ركض بسرعة فائقة لدرجة أن ثيابه كانت مبعثرة قليلًا.
تحدث رئيس القاعة بنبرة غير مبالية يكسوها التعب
"أوه، أليس هذا الشاب الصغير؟ لكننا مشغولون للغاية الآن وليس لدينا وقت للفراغ مع—."
"الترتيب النهائي للمصفوفة!"
"عفواً؟"
"ربما لا يزال هناك أثر متبقٍ من الترتيب النهائي للمصفوفة! إذا حصلنا عليه، ألن نتمكن من رسم مسار مؤقت لاستعادة الابن الثالث لعشيرة دانغ؟!"
اتسعت عينا الخبير جونغ بشدة عند سماع ذلك، بينما ارتسمت على وجه رئيس القاعة ملامح تعبر عن عدم استيعابه لما يقال وبما أنه لم يكن يعلم بعد بكل ما جرى داخل عالم المان سانغ، فقد ظن للوهلة الأولى أن الشاب يستعرض ذكاءه ويتطفل فحسب.
"أنا آسف، ولكننا—."
"ماذا تقصد بذلك؟"
سأل الخبير جونغ بلهفة وجدية تامة، لدرجة أن رئيس القاعة عقد حاجبيه مستنكراً، وكأنه يلومه على مجاراة كلام هذا الغر الصغير في وقت عصيب كهذا.
لكن الخبير جونغ تجاهل ملامح رئيسه تمامًا
"هل تعني أنك عثرت على طرف خيط يقودنا لمعرفة الترتيب النهائي للمصفوفة؟"
"قد يكون محفوراً في الأرواح."
"ماذا قلت؟"
"أقصد في أرواح النخب الشابة الذين ماتوا داخل عالم المان سانغ!"
هنا تحدث رئيس القاعة بنبرة منزعجة مستنكراً
"عذراً، ما هذا الهراء؟ كيف لترتيب مصفوفة بهذه التعقيد أن ينطبع في روح مجرد وافدٍ عابر دخل إلى ذلك العالم—؟!"
"عندما سحبنا روح الابن الثاني لعشيرة دانغ من النواة واستعدناها داخل الدمية القشية! ما إن استعاد وعيه حتى بدأ يتحدث بلا وعي عن ضرورة الذهاب فوراً نحو الوادي حيث تدور المعركة، وكأنه يعرف تمامًا ما يحدث هناك!"
اتسعت عينا الخبيرين دهشة عند سماع هذا الكلام، فرفع رئيس القاعة نظارته بصبعه
"أوه.. هل يعني هذا، أنهم كانوا يرون ما يحدث بالخارج وهم داخل النواة؟"
"نعم ، لم نكن في وضع يسمح لنا بالتفكير مليًا في الأمر وقتها، ولكن ألا يعني هذا أن أولئك الذين ماتوا داخل عالم المان سانغ قد تزامنت أرواحهم مؤقتًا مع النواة؟ لقد سألت النخب الشابة الآخرين الذين امتصتهم النواة أيضًا ، وأكدوا جميعًا أنهم رأوا الأوضاع الخارجية بشكل ضبابي في ذلك الوقت."
"……أيعقل؟"
رمش الخبير جونغ بعينين مذهولتين وقد ألجمته الصدمة
"……هل يُعقل أنه بسبب توقف مصفوفة الحماية، عجزت الأرواح عن الانفصال عن حركة النواة وتدفق حساباتها، لتندمج معها بالكامل في تلك اللحظة؟"
رد رئيس القاعة
"ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، أليس من المستحيل في الأحوال العادية أن تنتقل معلومات النواة إلى روح مجرد وافدٍ عابر؟"
أجابه جيغال روك بجدية
"إن وضعنا هذا حالةٌ استثنائية للغاية؛ فبعد أن استولى الطرف الآخر على المصفوفة، ظل يُفعِّل مصفوفة القتل دون توقف، مما تسبب في فيضان طاقة النواة وتجاوزها للحدود ولعل النواة عجزت عن تحمل ذلك الضغط الهائل، فاستغلت أرواح الفتيان المحتجزة داخلها كأوعيةٍ لحفظ تلك البيانات، ودَفعت برموز الترتيب المعقدة إليها لتخفيف العبء عن نفسها!"
"……."
تبادل خبيرا المصفوفات النظرات للحظة بوجوه مذهولة، وفجأة، اندفع كلاهما يركضان كالمجانين بـأقصى سرعتهما.
صوب قاعة تشون تشو ، حيث يتواجد سيد عشيرة جـيـغـال.
رمش الخبير جونغ بعينين مذهولتين، وقد ألجمته الصدمة تمامًا
——
م/م : الي ما فهم ، الرموز والأرقام السرية الي يحتاجونها علشان ينقذون البطل محفورة داخل أرواح الشباب الي ماتوا داخل عالم المانغ سانغ وإذا استخرجوها من أرواحهم، يمديهم يفتحون ممر وينقذون هيون .