245
"تباً!"
تأوه سيد عشيرة جـِيغـال وهو يرفع يده عن لوحة التحكم الخاصة بآلة رصد النجوم في جناح تـشـون تـشـو، وترنح في مكانه.
"سيدي!"
"أيها القائد...!"
"لا تثيروا الضجة!"
"ولكن...!"
"سأذهب لإحضار الطبيب فوراً!"
"ألم أقل لكم ألا تفعلوا!"
كان أطباء قرية مونغ رين يواجهون بالفعل نقصاً حاداً في الإمكانيات، حيث كانوا مستغرقين تماماً في رعاية النخبة من جيل الشباب المستلقين في غرف العلاج وكان مفهوماً لماذا أمرهم سيد العشيرة بعدم استدعاء الطبيب في مثل هذا الموقف، إلا أن قلوب أتباعه الذين يراقبونه كانت تحترق قلقاً وألماً.
فلم يكن أحد يعلم ما الذي واجهه سيد العشيرة في الخارج بالضبط؛ إذ كانت ثيابه ملطخة بالدماء، وعينه محاطة بضمادة بدا أنه لفّها على عجل وبدا مظهره للجميع كمحارب خاض للتو معركة طاحنة بين الحياة والموت.
وسواء كان واعياً بقلق أتباعه أم لا، أطلق سيد عشيرة جـِيغـال تنهيدة ارتياح عميقة
'لحسن الحظ أنني أبقيتُ على ذلك التشكيل الدفاعي'
كان ذلك نظاماً دفاعياً تركته جـِيغـال دان في قرية مونغ رين منذ زمن بعيد وتجسيد الطائر القرمزي الذي شهده الفتيان قبل قليل لم يكن سوى هذا النظام إلا أنه ولأنه كان لا يزال قيد البحث والتطوير، فقد كان غير مستقر وذو قوة تدميرية هائلة، مما دفعهم إلى قفله وتشفيره بحيث لا يتم تفعيله إلا بصلاحية سيد العشيرة فقط، منعًا للعبث به.
في الظروف العادية، كان ينبغي لسيد العشيرة تفعيله بمجرد وصوله، لكن الأمر كان مستحيلاً في وضعه الحالي.
فالأنابيب والمسارات الأصلية داخل المان سانغ كانت متشابكة ومعقدة بشكل فوضوي بسبب اللصوص الذين استولوا عليها.
فضلاً عن أن التشكيلات الوهمية وعديمة الفائدة التي نشرها الأعداء كانت تعصف كالعاصفة، مغطيةً البنية الأساسية بالكامل وهذا هو السبب الذي منعه من التدخل عشوائيًا من الخارج حتى الآن.
وفي ظل هذا الوضع، وبمجرد وصول سيد العشيرة إلى قرية مونغ رين واستيعابه للموقف، استخدم ختم الهوية كوسيط للاختراق، وبدأ بمسح وفحص البنية الأساسية لترتيب التشكيلات في قاع المان سانغ الفوضوية.
وراح يبحث بجهد جهيد وسط تدفق مستمر من نفايات التشكيلات الرقمية، متعقباً أسلوب النشر والتطوير الذي كانت جـِيغـال دان تستخدمه عند بناء تشكيلات الـكـيـمـون فلكل خبير تشكيلات عاداته وأساليبه الخاصة في ترتيب وربط التشكيلات، ومهما دمر الأعداء الداخل بدقة، فإنه لا يمكنهم محو تلك البصمات بالكامل.
بالطبع، لم يكن العثور على ذلك متاحاً لأي شخص بمجرد امتلاكه لـختم الهوية فقد تطلب الأمر قدرة تحليلية هائلة لتصفية وفلترة التعبيرات الحسابية غير المجدية في الوقت الفعلي، إلى جانب شرط أساسي وهو الفهم الكامل لعادات الشخص الذي بنى ذلك التشكيل.
"سيدي! لقد دخل الشاب الأكبر وبقية فتيان النخبة إلى عالم الآسورا….."
وسط هذا السباق المرير مع الزمن الذي يحبس الأنفاس، استمر تعقبه ببرود وثبات ودون أي اهتزاز ولم يمر وقت طويل حتى عثر على بنية الترتيب الخاصة بأخته الصغرى ، وحدد موقع صاعق التفجير للتشكيل الدفاعي ومن ثم، أرسل أمر تفعيل التشكيل الدفاعي مباشرة عبر شبكة الخطوط الاحتياطية البدائية التي اكتشفها جـِيغـال روك وبفضل هذا التصرف السريع والبارع، تمكن فتيان النخبة من النجاة من مجزرة محققة على يد جيش الموتى
ولكن، كانت هذه ورقة رابحة لا يمكن استخدامها إلا لمرة واحدة؛ فالأعداء أدركوا موقع التشكيل الدفاعي وقاموا بعزل المنطقة التي رُتب فيها التشكيل بالكامل.
علاوة على ذلك، كانت هناك مشكلة حقيقية وأكثر إلحاحاً تواجههم الآن.
فحتى يتمكنوا من تفعيل التشكيل المنقوش على أجساد الأطفال وسحبهم إلى الخارج بأمان، كان يجب الحفاظ على المسار الذي ستخرج منه أرواحهم؛ وهو المسار الأصل الذي تركه الحكم وراءه عند موته.
ومثلما كان متوقعاً، أدرك الأعداء وجود هذا المسار أيضاً ولهذا السبب، كان خبراء التشكيلات في عشيرة جـِيغـال يبذلون قصارى جهدهم لحماية المسار، بينما كان اللصوص يستميتون لسد تلك الثغرة فوراً، في صراع مرير يحبس الأنفاس لإثبات القوة ونفوذ السيطرة.
"لا تسمحوا بانقطاع التدفق! حافظوا على فترات زمنية منتظمة عند إرسال الأوامر المزيفة!"
"أعيدوا بناء الترتيب الذي يدعم المسار! لا تدعوه يغلق ولو قليلاً!"
"أمرك!"
"علم ومفهوم!"
في الواقع، وحتى قبل أن يصل سيد العشيرة إلى قرية مونغ رين، كان خبراء التشكيلات في عشيرة جيغال قد فكروا بالفعل في حل عبقري للتغلب على هذا الوضع وبدأوا في تنفيذه.
لقد استغل اللصوص الصلاحيات التي سيطروا عليها لصبّ موجات هائلة من المعادلات الرقمية التافهة كأمواج التسونامي، وكان هدفهم دفن المسار الأصل تماماً عبر إغراقه بتلك الكميات الضخمة من البيانات.
لكن خبراء التشكيلات في عشيرة جيغال لم يواجهوا ذلك الهجوم بقلة حيلة أو بشكل مباشر، بل اتبعوا تكتيكاً يخدع النظام الدفاعي للأعداء.
حيث كانت هناك قاعدة مطلقة تحكم مان سانغ.
وهذه القاعدة تقضي بأنه بمجرد أن تلمس النظام علامة تعريف ذات صلاحية عالية، فإن النظام مجبر تماماً على التحقق من صحتها وأصالتها حتى النهاية دون استثناء.
بناءً على ذلك، قام خبراء تشكيلات جيغال بتزوير علامة التعريف الخاصة بالحكم الميت بشكل متقن للغاية، وبدأوا في ضخ تشكيلات مزيفة متتالية وبشكل دوري، متظاهرين بأنها أوامر صادرة منه.
وعلى الرغم من أن الحكم لم يكن سوى بيدق تم التخلص منه داخل مان سانغ، إلا أنه كان المسؤول الذي يتحكم في الحالة الداخلية للنظام مباشرة، مما جعل صلاحياته أعلى من صلاحيات اللصوص الخارجيين.
نتيجة لذلك، لم يكن أمام النواة المركزية لـمان سانغ مفر من إعطاء الأولوية القصوى لفحص آثار الحكم من بين العديد من الإشارات التي تمر عبر المسار الأصل، وبشكل تلقائي، تراجعت المعادلات التافهة التي أرسلها الأعداء في ترتيب المعالجة.
وطالما كانت النواة المركزية مستغرقة دون توقف في تحليل المعادلات المزيفة، فإن المسار الأصل ظل مفتوحاً بالكامل ولم يتمكن من الإغلاق بسبب فقدان ضغط الأعداء عليه.
'أغلقوه إن كنتم قادرين على ذلك!'
'هل تظنون أن البقاء كخبير تشكيلات يأكل من خيرات عشيرة جيغال بالأمر الهين؟!'
وبينما كانت هذه المعركة النارية الشرسة تدور بين خبراء التشكيلات في أرض الواقع.
كان فتيان النخبة داخل مان سانغ قد نجحوا أخيراً في دخول الوادي بعد ركض مستميت ومجهد للغاية باستخدام خفة حركتهم.
هنا صرخ بانغ سوول
"على فريق التشكيلات التقدم نحو الداخل مباشرة، وابحثوا عن طريق يمكننا من صعود القمة!"
عند سماع تلك الكلمات، وقع دانغ هوي في حيرة قوية للحظات.
فربما حتى لو كان هناك طريق في الداخل، فقد يكون شديد الانحدار لدرجة لا يمكن صعوده دون مهارات خفة حركة بمستوى مهارات دانغ هوي نفسه.
ولكن، إذا انسحب هو من هنا وتوجه للداخل، فلن يتمكن بانغ سوول من الصمود بمفرده في هذا المكان.
في تلك اللحظة، تحدث مو يونغ غون وكأنه قرأ ما يدور في عقل دانغ هوي تمامًا
"سأذهب أنا."
بناءً على ذلك، اتخذ دانغ هوي قراره بسرعة؛ فرغم أن مو يونغ غون قوي، إلا أن بقاءه في هذا المكان قد يتسبب في هجومه على الحلفاء بالخطأ إذا فقد السيطرة.
لذا، كان الخيار الأكثر حكمة هو إرساله لحماية فريق التشكيلات.
أومأ دانغ هوي برأسه موافقاً.
"أعتمد عليك."
"حسنًا."
بانسحاب ثلاثة من الخدم و 11 من فتيان النخبة بتلك الطريقة، لم يتبقَّ في الوادي سوى بانغ سوول، دانغ هوي، السيد الشاب غوم غويانغ تاي ، وصاحب شامة ، إلى جانب 8 آخرين فقط من فتيان النخبة.
كان عدد الجنود الأشباح[ الموتى ] الذين يتقدمون نحوهم يقارب 40 جنديًا وحتى لو كان عددهم قد انخفض بشكل غير مسبوق، إلا أن الكفة لا تزال راجحة لصالح الأعداء بفارق ساحق.
ومع ذلك، بما أن هذا المكان كان واديًا ضيقًا، فإن وقوف شخصين جنبًا إلى جنب كان كافيًا لسد الممر تمامًا وهذا يعني أنه مهما كان اندفاع الأعداء في مجموعات هائلة، فإن العدد الذي سيتعين عليهم مواجهته في المرة الواحدة لن يتجاوز ثلاثة أو أربعة جنود فقط.
أصدر دانغ هوي توجيهاته بسرعة
"سأتولى أنا والشاب الأكبر بانغ خط المقدمة أما البقية، فانتظروا في الخلف وتكفلوا بالقضاء على أي جندي يتمكن من الإفلات منا."
أومأ فتيان النخبة، ومن بينهم السيد الشاب غوم برؤوسهم موافقين، بينما أطلق غويانغ تاي ضحكة ساخرة وجافة وهو ينظر إلى الأفق البعيد
"إذا خرجنا من هنا أحياء..."
"آه، أرجوك لا تقل مثل هذا الكلام الآن."
وما إن انتهوا من تنظيم تشكيلهم الدفاعي، حتى اندفعت حضود الجنود الأشباح شديدة السواد نحو مدخل الوادي بسرعة هائلة.
"لقد جاؤوا!"
كوا-رُرُونغ—!
أطلق بانغ سوول من أمام الوادي مباشرة لفحة سيف عاتية ومشحونة بطاقة الرعد الصاعقة، وذلك من أجل تقليص عددهم لمرة واحدة قبل أن يتمكنوا من دخول الوادي.
وعلى الرغم من أن الهجوم قد جرف 4 أو 5 منهم، إلا أن معظم الجنود الأشباح قفزوا بمرونة متفادين لفحة السيف، ثم دفعوا بأجسادهم مجددًا نحو الوادي.
"تشي!"
تراجع بانغ سوول خطوة إلى داخل الوادي وهو يجز على أسنانه حنقاً، وفي الوقت نفسه أطاح بسيفه العظيم، فسحق ذلك النصل الحديدي الثقيل جسد الجندي الأشباح المتقدم في الطليعة بلا رحمة وحطمه تماماً.
هوي-ري-ريك!
وفي تلك اللحظة، انطلقت الأسلحة الخفية المتصلة بالخيوط الفضية من أطراف أصابع دانغ هوي واخترقت القطع الحديدية الحادة التي تسللت عبر الزوايا الميتة مفاصل الأعداء الذين كانوا يتبعون الأول بدقة متناهية.
ولكن.
"……?!"
انبعثت طاقة سوداء من أجساد الجنود الأشباح الذين سقطوا إثر إصابتهم بالأسلحة الخفية، وبدأت مواضع جروحهم تلتئم وتلتحم مجددًا في رمشة عين.
تـشـيـجـيك.
تـشـيـجـيـجـيك.
وحتى أولئك الذين سُحقت أجسادهم حتى المنتصف تقريبًا بفعل سيف باينغ سوول العظيم، كانوا ينهضون واقفيين وهم يصدرون أصواتًا غريبة ومقززة.
ضغط بانغ سوول على لسانه للحظة ثم تمتم
"كما هو متوقع تمامًا كالجنود الأشباح في الأساطير، فإنهم يشفون من الإصابات العادية في لمحة بصر."
"يبدو أنه ليس أمامنا مفر من قطع رؤوسهم بشكل مؤكد."
وفي اللحظة التي اندفع فيها الجنود الأشباح بقوة عاتية مرة أخرى، انطلق معصم دانغ هوي في حركة خاطفة وخفيفة.
شقت الخيوط الفضية المزودة بالأسلحة الخفية الهواء، والتفت بإحكام حول عنق الجندي الذي كان يندفع في الطليعة.
وفي الوهلة التي سحب فيها الخيط كالبرق متسببًا في إخلال توازن الجندي الأشباح، اندفع بانغ سوول محلقًا بعد أن ضرب الأرض بقدمه.
جزّ السيف العظيم عنق الجندي الأشباح الذي فقد توازنه دفعة واحدة، فتناثرت الدماء الداكنة والسوداء في الهواء.
طـلـسـك!
انتفضت الرأس التي تدحرجت على الأرض والجسد المتروك مكانهما للحظات، قبل أن يتحولا فجأة إلى رماد جاف يتناثر في الهواء.
وعند رؤية ذلك المشهد، ارتسمت ابتسامة قتالية شرسة على شفتي بانغ سوول
"جيد، جيد إن قطعت رؤوسهم يموتون هذا مؤكد الأمر يستحق المحاولة إذن، أليس كذلك؟"
"لا تسترخِ."
"قلق لا داعي لـ... ه!"
ومع رده، أدار بانغ سوول جسده بقوة ملوحًا بسيفه العظيم.
تشواك!
فطارت على الفور رقبة عدو حاول التسلل من زاوية ميتة لكن المساحة المتاحة للابتسام لم تدم سوى لتلك اللحظة فحسب.
وحتى قبل أن يتلاشى الجسد مقطوع الرأس ويتحول إلى رماد، اندفعت شفرات الجنود الأشباح الذين في الخلف دفعة واحدة، مستهدفة نقاط بانغ سوول الحيوية.
أكان ذلك لأنهم موتى؟
لم يكن هناك أي أثر للتردد أو التراجع أمام موت رفاقهم وفوق كل شيء، كان عددهم أكبر بكثير، ولم تكن مهاراتهم القتالية بالشيء الذي يستهان به أبداً.
كـا-آنغ!
تشانغ!
علاوة على ذلك، كان هذا المكان وادياً ضيقاً لدرجة أن مدّ رجلين بالغين لذراعيهما كفيل بجعلهما يلمسان الصخور.
كانت تضاريس تفرض قيوداً وتمنع أرجحة السيف العظيم بحرية تامة.
ونتيجة لذلك، ضاق نطاق هجوم بانغ سوول تدريجياً، ليتشكل موقف يفرض عليه التركيز على الدفاع فحسب.
وعندما لاحظ دانغ هوي ذلك، نثر خيوطه الفضية بسرعة لسد تلك الثغرة فاشتبكت القطع الحديدية الحادة والمتغلغلة بدقة مع مسارات سيوف الأعداء، مما خفف الضغط الواقع على بانغ سوول.
وما إن صمد خط الدفاع الأمامي بثبات، حتى تغيرت حركات الجنود الأشباح على الفور.
فبينما كان الجنود في الطليعة يعملون على تقييد حركة الاثنين، ركل الأعداء المنتظرون في الخلف الأرض في وقت واحد.
تات!
وحلقوا في الهواء مستغلين المنحدرات الصخرية الحادة على كلا الجانبين كموطئ يدفع أقدامهم للأعلى.
لقد كانت حركة منظمة وسريعة، على نقيض الوحوش عديمة العقل التي واجهوها داخل مان سانغ حتى الآن.
وفي لمحة بصر، تجاوز الأعداء من فوق الرؤوس بانغ سوول ودانغ هوي اللذين يغلقان الممر، ثم هووا بشفرات سيوفهم مباشرة نحو بقية فتيان النخبة المتواجدين في الخلف.
"سحقاً!"
"اصمدوا!"
وفي اللحظة التي رفع فيها المتواجدون في الخلف أسلحتهم مع تلك الصيحات العاجلة.
تشانغ، كـا-آنغ—!
اشتبكت أصوات المعادن الباردة والآزرة للآذان ببعضها في فوضى عارمة وكأنها تعلن عن بدء معركة طاحنة تحبس الأنفاس.