236
تصلبت نظرات دانغ هوي وجحظت عيناه وهو يراقب سطح المياه الذي لم يتبقَّ منه سوى تموجات بسيطة هل مُزق لحم أخيه بالكامل تحت هجوم تلك الأفاعي التي انقضت عليه دفعة واحدة؟
بدأت دماءٌ حمراء قانعة تطفو وتنتشر تدريجياً من المكان الذي غرق فيه أخوه تحت سطح البركة.
"......"
بعد لحظة من الصمت المطبق..
ترنح دانغ هوي بقوة، ثم استعاد توازنه بصعوبة والتفت ببطء نحو القاضي.
كان وجهه يفيض بطاقة مرعبة تحبس الأنفاس، لدرجة أن القاضي تراجع لا إرادياً من شدة الهلع وفي اللحظة التي سحب فيها دانغ هوي خنجره من حزامه دون تردد..
قبض.
أطبق مو يونغ غون قبضته على معصم دانغ هوي بقوة، فالتفت إليه الأخير بنظرات حادة صُبغت بوميض أخضر مخيف، ليصوب نحوه بنظرة قاتله
"مويونغ غون، ماذا تفعل؟"
"...... لقد قال إنك ستموت إذا هاجمت القاضي أنا مدين لكما، لذا سأتولى الأمر بنفسي."
"هذا انتقام لأخي!"
نفض دانغ هوي يد مو يونغ غون، لكن غون أعاد الإمساك به ثانية.
"هذا مجرد وهم ! لا يجب أن تموت بسبب شيء كهذا لا تنسَ أن لديك أخاً آخر!"
"......!"
اهتزت حدقتا دانغ هوي بعنف، وارتخت قبضته عن مقبض الخنجر وفي تلك اللحظة..
تشوااااك—!
"كخخ!"
"أخي!"
"السيد الشاب دانغ!"
"أيها الوغد—!"
التفت دانغ هوي بسرعة نحو مصدر الصوت؛ وهناك، وسط المياه التي صُبغت بالدماء، ظهر دانغ تاي يول أخيراً وهو يشق طريقه بصعوبة، ليصبح على بُعد خطوات قليلة من الجزيرة.
كانت جثث الأفاعي الميتة تطفو بكثافة حول المكان الذي انتشرت فيه دماء تاي يول.
بدا أن حركته أصبحت أكثر وهناً وتذبذباً بسبب فقدان الدماء، لكنه لم يتوقف، بل وصل أخيراً إلى حافة الجزيرة ومع ذلك، وبسبب جراحه الكثيرة، وجد صعوبة بالغة حتى في تسلق السور الحجري المنخفض الذي يحيط بالجزيرة.
عندما زلّت قدم دانغ تاي يول وهو يحاول تسلق السور، شهق الشبان بذعر
"آه، لا!"
"استجمع قواك، أيها الوغد!"
"أرجوووووك!"
كان منظره فظيعاً لدرجة أنه لم يعد في جسده شبرٌ واحد لم يُنهش، وبدا وكأن بضع لدغات إضافية من الثعابين ستكون كافية للإجهاز عليه تماماً.
ارتجفت عينا دانغ هوي بعنف، ثم صرخ صرخة كأنها دم يخرج من صدره
"اصعد—! اصعد يا يول-آه!"
"أخي! أنت تستطيع! اصعد! أرجوك!"
انتفض دانغ تاي يول إثر الصيحات، ومد يده المرتجفة من جديد ليمسك بالصخور، معتصراً ما تبقى من قوته لرفع جسده.
"قليلاً بعد!"
"سيد دانغ، لقد وصلت!"
"اصمدددد!"
'ما خطب هؤلاء الأوغاد..'
بينما كان يستمع لأصوات تشجيعهم القادمة من الضفة الأخرى، شعر بغثيان غريب يغزو صدره.
'هل يظنون حقاً أنني أفعل هذا بدافع التضحية النبيلة أو ما شابه؟'
كان دانغ تاي يول يعرف نفسه جيداً؛ لم يكن إنساناً ساميًا يمكنه تقديم تضحية مقدسة من أجل شخص ما.
ببساطة، كان يكره شيئاً واحداً.. يكره أن تنكشف حقيقة ما فعله عندما دفع الثالث بتلك الطريقة.
"......"
لكن بالتفكير في الأمر، بدا هذا التبرير غريباً أيضاً إن انكشف الأمر، فقد تهتز مكانته في العائلة، ولكن ما نفع المكانة إن كان سيموت؟
ربما في الحقيقة..
'كنت أكره أن يعرف هذا الفتى بالأمر بهذه الطريقة..'
أجل، كان يكره تخيل تعبير الوجه الذي سيرسمه إي هيون حين يكتشف الحقيقة.
لماذا؟
فالعلاقة بينهما في أسوأ حالاتها بالفعل ولا يمكن أن تسوء أكثر.. ولكن لماذا؟
بل لماذا يهمه أصلاً ما سيحدث؟
'.. لا أعرف.'
أجل، لا حاجة للتفكير بعمق.
ففي كل الأحوال، ذاك الساذج لم يكن ليسمح أبداً بالتضحية بأي شخص كقربان، ألم يقل ذلك المجنون إنه سيدخل البركة بنفسه؟
'هل يظن نفسه كما كان في الماضي؟ كيف يجرؤ على محاولة الزحف إلى مكان كهذا بجسده الهزيل؟'
ليس مجرد راغب في الموت، بل هو الأحمق بعينه.
فمن بين الموجودين هنا، لا أحد يستطيع الصمود أمام وابل السموم البدائي هذا سواه هو وأخوه الأكبر.
'أخي قوة لا غنى عنها في البوابة القادمة، أما أنا فمنفعتي تنتهي هنا على الأرجح..'
علاوة على ذلك، لو دخل الآخرون قبله لماتوا واحداً تلو الآخر، وفي النهاية سيأتي دوره حتماً.
فما الفرق إن كان الأول أو الأخير؟
أجل، لهذا السبب فعلها.
"دانغ تاي يول—!"
"سيدي الشاب دانغ! قليلاً بعد!"
"أيها الشاب! ما هذا التباطؤ؟ اصعد بسرعة!"
حتى بانغ سوول انضم أخيراً إلى تلك الجوقة الصاخبة.
'كلهم حمقى، واحداً تلو الآخر..'
خرجت من بين شفتي تاي يول تنهيدة
قبض!
وهو يعض على أسنانه، أمسك تاي يول بيده الملطخة بالدماء حافة السور الحجري الوعر مرة أخرى، متحملاً نهش الأفاعي لساقيه.
"كخ.. كخخ!"
ثم اعتصر كل ذرة من طاقته المتبقية، وبذراعيه المرتجفتين، سحب جسده أخيراً فوق سطح الجزيرة.
تـلـصـق!
"هـاه.. هـاه.. كخخ.. سـعال."
بمجرد أن ارتمى على الأرض وجسده ممدد كأنه حطام، اغرورقت أعين الجميع بالدموع وهم يشاهدونه.
"تـ.. تباً! ذاك الوغد!"
"لقد فعلها أخيراً..!"
"دانغ تاي يول—!"
"أيها اللعـينننن!"
بينما كان يستمع لصيحات الحمقى المنبعثة من الضفة الأخرى، رفع تاي يول الجزء العلوي من جسده بصعوبة ونظر نحوهم بذهول.
'تباً، قلت لكم إنكم مزعجون..'
نهض يترنح ونظر حوله، ثم التقط حجراً حاداً بحجم قبضة اليد كان يملك خنجراً لكنه فقده في عالم الحيوان م ولم يرغب في إهانة نفسه بطلب سلاح من شخص آخر.
على أي حال، حجر يكفي لتحطيم شيء كهذا.
وهكذا، وبكل قوته، ضرب تاي يول النواة بالحجر الذي في يده.
طاااخ!
'تشه، إنها صلبة.'
لا عجب أنها لم تنكسر بسلاح أخيه المخفي وبينما كان يهم بضربها مرة ثانية
فـاااااات!
"...!"
تشواااااااااك!
فجأة، أطلق النواة ضوءاً ساطعاً، فانقسمت مياه البركة إلى جانبين حينها ظهرت الأرضية الصخرية التي كانت مخبأة تحت سطح الماء، وبرزت سلالم تسمح بالنزول إلى هناك من كلا الجانبين الجزيرة والضفة المقابلة بدا الأمر وكأن النواة يستدعيه، طالباً منه الإسراع لإنقاذه.
صرخ القاضي في وجه حراسه
"لم يعد هناك حاجة إلى هذا الفتى بعد الآن أعدموه!"
وعندما حاول الحراس الاندفاع نحو الجزيرة تنفيذاً للأمر، اعترض طريقهم التنانين الصاعده بأعين محمرة من الغضب.
"أيها الوغد اللعين...؟!"
"لقد قلت إن الآخرين لا يمكنهم التدخل، أيها الجبان الغادر!"
أجاب القاضي بوقاحة على ذلك
"قلت إن شخصاً واحداً فقط يمكنه التحدي في المرة الواحدة، لكنني لم أقل أبداً إنني لن أقوم بالإزعاج."
"سأقتلك أيها السافل—!"
انفجر صبر التنانين الصاعده ، وبدأوا بكيل الشتائم وهم يلقون بأنفسهم دون تردد نحو القاضي والحراس وفي لحظة، اندلعت معركة طاحنة بين الحراس وتنانين استسلم الشباب لغضبهم وقاتلوا بضراوة وكأنهم سيمزقون أعداءهم، لكن على عكس حماسهم، كانت أجسادهم في حالة من الإنهاك الشديد.
بدأوا يتراجعون تدريجياً أمام الأعداء وعلاوة على ذلك، يبدو أن الخصوم قاموا بعزل بانغ سوول و دانغ هوي تماماً لضمان عدم قدرتهم على مساعدة الآخرين وفي غفلة من الزمن، وجد الاثنان نفسهما مدفوعين بعيداً عن السلالم، محاصرين بإحكام من قبل الحراس.
"ابتعدوا!"
لوّح بانغ سوول بسيفه العظيم بقوة، لكن الحراس لم يتراجعوا، بل استخدموا جثث رفاقهم كدروع وهاجموا بضراوة أكبر ورغم هذا الوضع، صمد تنانين الصاعده بيأس، وسدوا الطريق أمام السلالم لمنعهم من العبور.
لكن في النهاية، اختُرقت خطوط الدفاع، فنزل القاضي السلالم بخطوات واثقة ومسترخية، يتبعه حارسان ولم تملك التنانين الصاعده الذين قيد الحراس حركتهم تماماً، سوى مراقبته وهو يبتعد بهدوء.
"لا! تباً، أوقفوه!"
"أيها الجبان، قف مكانك—!"
تاركاً تلك الصرخات اليائسة خلفه، عبر القاضي قاع البركة وصعد أخيراً السلالم المؤدية إلى الجزيرة وعلى الجزيرة، كان دانغ تاي يول جالساً على الأرض وكأنه ينهار، ويبدو أن قوته قد نفدت من كثرة ضرب النواة بالحجر كان ذلك متوقعاً، فقد كان في حالة مزرية تجعل موته في أي لحظة أمراً غير مستغرب.
رفع دانغ تاي يول عينيه القاتمتين ونظر إلى القاضي، ثم أطلق ضحكة جوفاء.
"ألم تقل قبل قليل... إن من مصلحتك أيضاً تدمير النواة؟"
"كان الأمر كذلك لكن يبدو أن سيدي لا يحب هذا النوع من سير الأحداث لقد انتهى الأمر ببساطة شديدة، أليس كذلك؟ لابد من بعض التعديل من أجل حبكة أفضل."
ببساطة؟
'هل جن هذا اللعين...؟'
حتى لو ألقي بكل هؤلاء الموجودين هناك واحداً تلو الآخر، فإن الوحيد الذي قد يصل إلى هنا حياً هو الأخ الأكبر هل يريد حقاً إلقاء الجميع في بركة الثعابين تلك ليشفي غليله؟
"حسناً إذاً، شكراً لك على عناء الوصول إلى هنا."
بإشارة من يد القاضي، استل الحارس سيفه من خصره وفي تلك اللحظة، عندما اتسعت أعين دانغ هوي وبقية الشباب وهم يشاهدون ذلك من الضفة الأخرى.
"هاهاها."
فجأة، ارتوى جانب من فم دانغ تاي يول بابتسامة ملتوية، وضغط على قرطه ليبتلع حبة دواء صغيرة خرجت منه.
'ما الذي أكله؟'
لا، ليس هناك وقت للتساؤل بما أنه أخرج هذا الدواء في مثل هذا الموقف، فلا بد أنه ورقة رابحة مخبأة.
صرخ القاضي
"ماذا تفعل؟ اقتله بسرعة!"
بينما اندفع الحراس نحو دانغ تاي يول، رد عليهم الأخير بمهارات كفية بارعة.
كانت تحركاته مذهلة لا تصدق لشخص كان قبل لحظات على حافة الموت، ولكن إلى متى سيصمد وهو أعزل تماماً ضد رجال يلوحون بسيوفهم؟ بدأت الجروح تزداد على جسده الذي أصبح بالفعل كخرقة بالية، ومع كل ضربة كف قوية يوجهها، كانت قطرات دمائه تتناثر في كل مكان.
وفجأة، تلطخ وجه القاضي الواقف في الخلف ورقبتُه وظهرُ يده بقطرات من الدماء المتناثرة وبينما كان القاضي يعقد حاجبيه بضيق ويمسح خده بظهر يده، وقع ما لم يكن في الحسبان.
"طاخ."
فجأة، تشنج الحارسان اللذان كانا يهاجمان دانغ تاي يول بعنف، ثم سقطا على الأرض واحداً تلو الآخر تراجع القاضي إلى الخلف بارتباك، وهو يراقب المشهد بعينين مهتزتين.
'ماذا يحدث؟'
لم يوجه السيد الشاب الثاني لعائلة دانغ أي ضربة مؤثرة لالحراس إذاً، لماذا سقطوا؟
"كيف حدث هذا... بحق...؟"
في تلك اللحظة، انقطع نفس القاضي فجأة، وبدأت عروق داكنة تميل للسواد تبرز بشكل غريب ومرعب على كامل جسده، بدءاً من وجهه ويديه؛ المواضع التي تلطخت بدماء دانغ تاي يول.
كان ألماً رهيباً لدرجة تجعله يتمنى التوسل للموت فوراً كرحمة له وسط هذا العذاب، رفع دانغ تاي يول يده ببطء وأشار إلى القاضي
"أنت هو من سيُعدم أيها الوغد مُت."
"آه، آآآآآآآآآآآآه...!"
تلوى القاضي على الأرض وهو يصرخ بجنون مثل وحش وقع في فخ، ثم سرعان ما ارتخت أطرافه وسكنت حركته تماماً.
لم يلقِ دانغ تاي يول حتى نظرة واحدة على تلك الجثة، بل انحنى ليلتقط السيف الذي أسقطه أحد الحراس.
تلك الحبة التي خبأها في قرطه.. كانت سماً مخصصاً لـتحطيم دان السم بداخله؛ وبسببها، أصبحت الدماء التي تجري في عروقه تهاجم جسده هو شخصياً، ولم يعد يملك أي وقت إضافي.
لم يعد لديه متسع من الوقت.
حشد دانغ تاي يول كل ما تبقى له من رمق في ذلك السيف، وضرب النواة بكل قوته.
"كرااااش—!"
"تشقـــق..."
بعد أن تأكد دانغ تاي يول من ظهور الصدوع وتحطم النواة، ترنح جسده وسقط على الأرض مثل دمية خشبية انقطعت حبالها.
ومن خلال رؤيته التي بدأت تتلاشى وتضطرب، رأى وجوه الرفاق من الضفة الأخرى وهم ينظرون إليه بملامح مشوهة من الهلع.
بدا وكأنهم يصرخون بشيء ما بلهفة، لكن أصواتهم غابت خلف طنين حاد كان يضج في أذنيه.
لمحت عيناه صورة باهتة لأخيه دانغ هوي، الذي كان دائماً شديد الأناقة والوقار، يطير نحوه مستخدماً خفة الحركة بملابس ممزقة وحالة رثة.
لم يفهم دانغ تاي يول لماذا يظهر بتلك الملامح البائسة؟
أليس من المفترض أن كل شيء قد حُلّ الآن لأن هؤلاء الشباب قد نجوا؟
أنا لا أموت، بل سأخرج أخيراً من هذا الجحيم اللعين بسلام.
'لذلك...'
حاول تحريك شفتيه لقول شيء ما، لكن لم يخرج منه سوى أنفاس واهنة بدت وكأنها ستتحطم في أي لحظة.
وفي اللحظة التي حاول فيها أحدهم ضخ طاقته الداخلية في جسده المتهالك وسط تلك العتمة، سقط رأس دانغ تاي يول بوهن وهدوء.