237
تنهد دانغ هوي تنهيدة خفيفة، ثم وقف مستنداً إلى إطار باب الغرفة الداخلية في قاعة الطب والسموم
من مكانه، استطاع رؤية شقيقه مستلقياً بالداخل، وقد أدار ظهره للباب.
"لماذا تصر على القيام بمثل هذا التدريب المتهور؟"
قال دانغ هوي ذلك وهو يخطو داخل الغرفة، لكن شقيقه لم يبدِ أي بوادر للالتفات نحوه.
"ما شأنك أنت بما أفعله؟"
ضاقت عينا دانغ هوي حين سمع تلك الزمجرة الفظة التي ألقاها شقيقه وكأنه يبصق الكلمات.
من الشائع أن يعتقد الناس أن محاربي طائفة سيتشوان دانغ يتدربون عبر تجرع السموم التي لا يمكنهم تحملها بشكل عشوائي، لكن الحقيقة ليست كذلك.
فماذا سيحدث لو فقدت العائلة مواهبها الثمينة التي سهرت على تربيتها في لحظة متهورة؟
لقد وُجدت تقنيات الطاقة الداخلية من أجل تنمية المناعة ضد السموم دون اللجوء إلى مثل هذه الأفعال الجاهلة.
القاعدة الذهبية هي أن يصل المحارب إلى مستوى معين في تقنيات الطاقة يسمح له بالسيطرة الكاملة على السم، وعندها فقط يبدأ بجمع طاقة السم داخل نواة السم الخاصة به، ويتم ذلك تدريجياً وبكميات بسيطة تناسب مستواه.
لكن دانغ تاي يول كان الآن يحقن جسده مباشرة بسموم فتاكة لا يمكنه تحملها.
لم يكتفِ بالسيطرة على السم عبر طاقته الداخلية، بل كان يحاول ترويضه بجسده العاري مباشرة.
كان هذا مساراً مختلفاً تماماً عن فنون السم التقليدية، ومغامرة محفوفة بالمخاطر لأقصى حد.
إذا كان المرء يفتقر إلى الموهبة في فنون السم، فمن الأفضل له التصالح مع الواقع؛ لأن فنون السم، على عكس الفنون القتالية الأخرى، تحمل خطراً كبيراً في إيذاء الممارس لنفسه.
'حتى لو تمت السيطرة عليها بشكل مثالي، تظل فنون السم نصلًا ذا حدين.'
ما كان يفعله هذا الفتى الآن لا يمكن تسميته تدريباً، بل هو تعذيب ذاتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
"أصبت نفسك بكل هذه الجروح وتقول ما شأني؟ لست أدري إن كان ما تفعله هو تدريب أم تعذيب هل فقدت صوابك لتجعل ثعباناً شديد السمية يلدغك عمداً؟"
"وإن لم أفعل هذا، فماذا أفعل؟"
أدار دانغ تاي يول رأسه أخيراً لينظر إلى دانغ هوي كانت نظرته باردة للغاية.
"يبدو أنك تظنني أحمقاً من لا يعرف أن التدريب الذي يناسب المستوى هو الأكثر أماناً؟ أنا أفعل هذا لأن ذلك النوع من التدريب ليس كافياً على الأقل، ليس كافياً بالنسبة لي."
"أنت متميز بالفعل."
عند سماع هذه الكلمات، أطلق دانغ تاي يول ضحكة ساخرة.
"متميز...؟ أنا؟ هاه، أهذا كلام جاد أم أنك تستهزئ بي؟"
"......."
بالطبع، كان دانغ هوي جاداً.
لكن التميز الذي يتحدث عنه شقيقه لم يكن يقاس بمعايير المحاربين العاديين في العائلة كان يقصد التميز الذي يجعله قوياً بما يكفي ليصبح رئيس العائلة
أجل، لقد كان هذا الفتى يحاول هزيمته والارتقاء إلى ذلك المنصب.
"......."
لماذا يضغط على نفسه إلى هذا الحد المفرط؟
لم يعتقد دانغ هوي يوماً أن والده كان سعيداً منذ ارتقائه لمنصب رئيس العائلة فذلك المنصب ليس إلا مقعداً من أشواك، حيث يتحتم على المرء أن يعيش أيامه وسط صراعات السلطة التي تستنزف الروح والدم.
ومع ذلك، كان سبب إصرار دانغ هوي على وراثة هذا المنصب واضحاً؛ فالمرء يحتاج إلى القوة لحماية ما يخصه وعلاوة على ذلك، وبخلاف والده الذي دُفع للمنصب دفعاً دون قاعدة دعم أو نفوذ، كان دانغ هوي يجهز نفسه بدقة لتولي السيادة.
كان يؤمن أنه يستطيع أن يكون رئيساً أقوى للعائلة لذا، لم يكن هناك داعٍ لأن يحمل شقيقه هذا العبء الثقيل؛ فهو قادر على بناء درع أمتن وأقوى من الذي قد يبنيه أخوه.
لكن لماذا كان الآخر يقاتل بكل هذا اليأس؟
'هل يعتقد أنني سأقتله بمجرد أن أصبح رئيساً للعائلة؟'
بالطبع، حمامات الدم بين الأقارب في العائلات الكبرى أمر شائع ومتكرر.
أليس العدو السياسي الأكثر خطورة هو الأخ الذي يجري في عروقه الدم نفسه؟ هذه الحقيقة لا تتغير حتى بعد انتهاء صراع الوراثة؛ ففي التاريخ، كان الأباطرة غالباً ما يبيدون إخوتهم أو ينفونهم إلى أقاصي الأرض بمجرد اعتلائهم العرش.
ولأن طائفة سيتشوان دانغ تملك نفوذاً هائلاً، فإن صراع السلطة كان يتبعها كظلها وفي عائلة كهذه، لو تفوه أحدهم بكلام غبي عن روابط الأخوة ووعد بأنه لن يؤذي أخاه مقابل التنازل عن المنصب، فلن يصدقه أحد.
وبالنسبة لشقيقه، كان الأمر سيان.
حتى لو قال تلك الكلمات بصدق تام، فلن تصل مشاعره كما هي.
"......."
آمن دانغ هوي أنه إذا حمل عبء العائلة على عاتقه، فسيتمكن من حماية الأشياء الثمينة واعتقد أن ولادته بموهبة تفوق موهبة شقيقه لها سبب وجيه.
ولكن... لو فكر بالأمر من وجهة نظر أخيه، فلا بد أن تحركات الأخ الأكبر لم تكن تبدو إلا تهديداً.
أخوه الذي لا يملك شيئاً، كيف لا يشعر بالخوف وهو يرى أتباع أخيه الأكبر يزدادون، وفجوة القوة القتالية بينهما تتسع يوماً بعد يوم؟
القوة، بطبيعتها، تفرض الخضوع على الآخرين لذا، فإن قول الأخ ليس لدي نية لأذيتك لم يكن يحمل أي قوة إقناع مَن قد يصدق وعد لصٍ يشهر سيفاً حاداً في وجهه؟
منذ وقت طويل، توقف دانغ هوي عن محاولة الشرح؛ لأن ذلك لم يكن يزيد شقيقه إلا تمردًا.
ظن أنه سيثبت له ذلك بالأفعال لاحقاً.
اعتقد أنه حتى لو استمر سوء الفهم الآن، فعندما يمسك بزمام السلطة المطلقة ولا يؤذي أخاه، سيفهم صدق نواياه في النهاية.
وفي غضون ذلك، وقعت أحداث كثيرة، وبدأت ذكريات الطفولة تتلاشى تدريجياً.
غاب عن ذهنه الهدف الذي كان يدفعه ليصبح قوياً، وظل يركض للأمام دون أن يلتفت للخلف، ودون أن يمهل شقيقه الذي كان يطارد ظهره بيأس.
اعتقد بحماقة أن كل شيء سيُحل بمجرد أن يصبح قوياً ويقف على أرض صلبة في أسرع وقت ممكن.
كم كان غبيًا.
تق...
انهمرت الدموع من عيني دانغ هوي، لتسيل فوق وجنة شقيقه التي كانت قد بردت تماماً.
****
بعد تحطم النواة، لم يكن هناك أي تأخير هذه المرة؛ فقد تفتت حراس الجحيم فوراً وتحولوا إلى غبار يتناثر، ومعهم تلك الأعداد الهائلة من الثعابين التي كانت تملأ بحيرة الرحيق
ورغم انتهاء كل شيء، ظل دانغ هوي في مكانه لفترة طويلة دون حراك.
كان يضخ طاقته الداخلية باستمرار في جسد أخيه الذي بدأت البرودة تسري فيه، بوجهٍ يملؤه اليأس وكأنه يحاول استرجاع خيط الحياة الذي انقطع بأي ثمن.
بمجرد اختفاء الحراس، هرع بقية الشبان نحو الجزيرة، لكنهم وقفوا يراقبون الاثنين بصمت وأنفاس محبوسة، دون أن يجرؤ أحد منهم على نطق كلمة واحدة.
كانت الطاقة التي يصبّها في ذاك الجسد الذي فارقته الروح تتشتت وتتلاشى دون أن تجد مستقراً لها ورغم القوة التي كان يضخها بجنون لدرجة أنها عصفت بالعروق، إلا أن أطراف الأخ الممدد لم تبعث بأي ذرة دفء.
بعد قليل، فُتحت البوابة الرئيسية لـبحيرة الرحيق ببطء ورغم أنهم اجتازوا مرحلة فاصلة بين الحياة والموت، لم يطلق أي منهم صيحة نصر ولم يشعر أحد بالبهجة حتى إن أحداً لم يجرؤ على فتح فمه ليقترح المضي قدماً خلف تلك البوابة.
كـو-غـو-غـوونغ—
وسط هذا الصمت الثقيل، بدأت اهتزازات الأرض المألوفة تدوي من جديد، وهنا فقط، سحب دانغ هوي طاقته من جسد أخيه.
نظر نحو دانغ تاي يول للحظة، ثم انحنى بصمت ورفعه بين ذراعيه بحذر شديد، وبدأ يمشي ببطء عابراً البركة باتجاه البوابة المفتوحة.
"...... لنذهب."
"......"
تبع الجميع، وعلى رأسهم إي هيون، خطى دانغ هوي بصمت وهم يعبرون بوابة الرحيق
***
بمجرد عبورهم بوابة الرحيق، ظهر أمامهم مباشرة الرواق المؤدي إلى بوابة القصور الثلاثة
في الحالة الطبيعية، كان من المفترض أن تظهر مناظر الحديقة الداخلية على جانبي الطريق، ولكن يبدو أن منطقة الحديقة بأكملها قد دُمِّرت أثناء عبورهم عالم الحيوان، فلم يتبقَّ خارج الرواق سوى ظلام دامس يمتد بلا نهاية في صمت رهيب.
وحدها المصابيح الزيتية المتدلية تحت الأفاريز كانت تنثر ضوءاً شحيحاً ينير الطريق أمام المجموعة.
وما إن خرجوا من الرواق وعبروا بوابة القصور الثلاثة حتى قال جيغال روك
"هذا... هو القسم الداخلي ."
وكما قال، ظهر أمامهم الناي دانغ، وهو المنطقة التي لا يحق لغير أفراد سلالة عائلة جيغال المباشرين دخولها وخلافاً لما حدث في عالم الجحيم حيث دُفعوا فوراً إلى البوابة التالية، كان المشهد هذه المرة مطابقاً تماماً للواقع.
قال الوكيل تشو
"هناك مطبخ في القسم الداخلي أيضاً، سنذهب لنرى إن كان هناك ما يؤكل."
ثم عضّ جيغال روك على شفتيه وقال بتردد
"...... لي مسكن خاص في القسم الداخلي ضعوا السيد الشاب دانغ تاي يول هناك."
وافق دانغ هوي بإيماءة صامتة، فمضى جيغال روك أمامه ليدله على الطريق وتبعهما إي هيون وما إن دخلوا الغرفة حتى أسجى هوي جسد أخيه الراحل فوق الفراش بكل حذر، وبدأ يمسح آثار الدماء عن جراحه المروعة بمنديل في يده.
وبعد أن اختفت آثار الدماء وأصبح وجه أخيه أنظف قليلاً، كسر دانغ هوي حاجز الصمت
"...... هذا هو عالم المان سانغ أليس كذلك؟ الموت الذي يواجهه المرء هنا ليس موتاً حقيقياً، ليس بعد.. أليس كذلك؟"
"......"
لم يستطع جيغال روك نطق كلمة واحدة وهو ينظر إلى ظهر دانغ هوي الذي لا يرفع عينه عن أخيه.
أليس هو من قام بإغلاق تشكيل الحماية بنفسه؟
إن تشكيل الحماية هو جهاز هروب يقوم، في حالات الطوارئ، بإنشاء إحداثيات وممر لإعادة الروح قسراً إلى الجسد في العالم الحقيقي والآن، بعد إغلاق هذا التشكيل، فإن أرواح الذين ماتوا داخل عالم المان سانغ ستفقد اتصالها بالجسد ولن تجد مكاناً تعود إليه.
والجسد الخاوي الذي انقطع اتصاله بالروح لن يصمد طويلاً، وسينتهي به الأمر للموت في الواقع أيضاً...
'لو لم يتقدم دانغ تاي يول حينها، لكنت أنا من أُلقي به في بركة الثعابين في نهاية المطاف.'
فليس هناك من هو أحق منه بالعقاب هنا، لأنه لا يوجد أحد ارتكب ذنباً أثقل من ذنبه.
'لو لم أقترف تلك الحماقة وأغلق تشكيل الحماية.'
بينما كان جيغال روك يتصبب عرقاً بارداً وتتخبط الكلمات على شفتيه، قاطعه إي هيون فجأة
"هذا صحيح."
"......"
وسط نظرات جيغال روك المرتبكة، تابع إي هيون حديثه
"بالتأكيد، الجسد الذي انقطع اتصاله بالروح لن يصمد طويلاً لكن في فيلا مونغ رين الواقعة في العالم الحقيقي، يوجد خبراء التشكيلات من عائلة جيغال، وهناك أطباء بارعون في حالة تأهب، بالإضافة إلى الكثير من التابعين للعائلات الأخرى لن يتخلوا عنا بسهولة في الخارج، ومن المؤكد أن الجميع لا يزالون على قيد الحياة."
"......"
أدرك جيغال روك الحقيقة؛ فذاك الصوت الذي يتظاهر بالهدوء كان يتسارع مشوباً برعشة خفيفة لقد كان إي هيون يبذل قصارى جهده حتى لا يستسلم لليأس.
حرك جيغال روك شفتيه عدة مرات قبل أن ينطق بصعوبة
"بما أنه.. بما أنه لا يوجد مديرون آخرون متبقون هنا سوى ذاك الوغد طائر الكركي الورقي.. فربما لو ذهبنا إلى جناح تشون تشو، سنجد مزيداً من المعلومات لا، بل سنعثر على مخرج حتماً!"
"......"
التفت دانغ هوي ببطء، ولم تظهر في عينيه أي علامة على التخلي عن أخيه.
"إذن لنذهب، الآن فوراً."