228
حدث ذلك في صباح اليوم الذي دخلوا فيه إلى تشكيل المتاهة
لم يكن شرود مو يونغ غون بالأمر الغريب، فقد اعتاد عليه الجميع، لكن في ذلك الصباح تحديداً، سكب لسوء حظه الحبوب الطبية التي أحضرها فوق الطاولة.
كان هناك نوعان من الحبوب المتشابهة تماماً في الشكل، وما إن اختلطا حتى استحال عليه التمييز بينهما.
وكان من الأفضل توفير تلك الأدوية قدر الإمكان لمواجهة أي ظرف طارئ، وبينما كان يقف حائراً أمام ورطته تلك، استوقفه صوت أحدهم
"ما الخطب؟"
'... تُرى مَن كان هذا؟'
بالنسبة لـمو يونغ غون، كان العالم دائماً مكاناً ضبابياً غارقاً في عتمة شديدة.
فبمجرد أن يبتلع تلك الأدوية القوية، تخمد حواسه كلها؛ الرؤية، واللمس، والشم، وحتى السمع... يصبح كل شيء بليداً وثقيلاً كقطعة قطن مشبعة بالماء.
وكأنَّ ستاراً قد أُسدل بينه وبين العالم، ليغدو كل ما حوله مجرد خيالات خلف ذلك القماش المعتم.
أما الشخص الذي يقف أمامه الآن…
'آه، يرتدي رداءً أخضر، وشعره بلون القمح.. هل هو السيد الشاب الثالث من عائلة دانغ؟'
نظر مو يونغ غون إلى الحبوب المتناثرة على الطاولة وأجاب بصوت خافت
"عليَّ تناول دوائي.. لكنه اختلط ببعضه البعض..."
"هل هو دواء ثمين؟"
حين سأله السيد الشاب الثالث ذلك، كان وجهه بلا ملامح، وجهاً أملس تماماً يشبه قناعاً أبيض.
في الحقيقة، كان مو يونغ غون يظن قديماً أن وجوه البشر تبدو هكذا حقاً؛ وأن الناس يميّزون بعضهم البعض عبر نبرات الصوت، وطريقة المشي، والتصرفات فحسب.
بالطبع، بات مو يونغ غون يدرك الآن أن الحقيقة ليست كذلك، وأن ملامح هذا الشخص ليست كما يراها.
كل ما في الأمر أن عقله لم يعد قادراً على تمييز الملامح بدقة بسبب تلك العقاقير التي يتجرعها يومياً.
وجوه عائلته، ووجوه الغرباء على حد سواء؛ كلها تلاشت خلف ذلك القناع الصامت.
بالطبع، أصبح مو يونغ غون يدرك الآن أن الحقيقة ليست كذلك، وأن وجهه في الواقع لا يبدو هكذا أبداً.
كل ما في الأمر أن ملامح الآخرين لم يعد يدركها بشكل صحيح بسبب تلك العقاقير التي يتجرعها يومياً.
وجوه عائلته، ووجوه الغرباء الذين لم يسبق له رؤيتهم؛ كلهم على حد سواء.
لم تكن الوجوه في عيني مو يونغ غون سوى أقنعة بيضاء باهتة تتشابه جميعها.
وكأنَّ هذا العالم يحاول جاهداً أن يُخفي عنه حقيقة كون أولئك الذين يقفون أمامه... بَشراً.
****
في يومٍ من أيام الربيع، حين بلغ مو يونغ غون السابعة من عمره
أمسكت والدته بيده بهدوء وقالت بصوت ناعم
"…غون، ألا ترغب في الخروج مع أمك لرؤية ما وراء هذه الجدران؟"
"إلى الخارج؟ هل يُسمح لي بذلك حقاً؟"
"نعم ألا ترى كيف أن الجو مشرق وجميل؟ في أيامٍ كهذه، من المفترض أن يخرج المرء للاستمتاع بالأزهار، وتناول الحلوى، وتذوق عبير الربيع."
منذ ولادته، لم يسبق لـمو يونغ غون أن خطت قدماه خارج أسوار المنزل الرئيسي للعائلة؛ فقد كان لزاماً عليه البقاء داخل القصر دائماً لتجنب أي حوادث غير متوقعة.
ومع ذلك، فقد كان طفلاً هادئاً ووديعاً حتى سن السابعة، لدرجة أنه لا يمكن مقارنته بأقرانه ممن يصرخون ويتذمرون؛ فقد كان هدوءه استثنائياً.
رأت والدة مو يونغ غون أن ابنها قد كبر بما يكفي للقيام بنزهة قصيرة، وشعرت بالأسى تجاه طفلها الذي يقضي أيامه حبيس الجدران، فأرادت أن تريه العالم الخارجي ولو لمرة واحدة.
كان مو يونغ غون يتوق لمعرفة ما يكمن خلف تلك الأسوار، لذا استقبل عرض والدته بسعادة غامرة
"...... موافق يا أمي."
"ههه، حسناً، سآمر الخدم بتجهيز كل شيء فوراً تطلع لذلك اليوم بشوق."
وبعد بضعة أيام، وفي فجرٍ باكر..
خرجت عربة فاخرة تحمل شعار عائلة مو يونغ من البوابة الكبرى للمنزل، وهي تشق طريقها وسط نسمات الربيع.
وبعد فترة من السير، دخلت العربة في طريق جبلي ناءٍ وهادئ، وهناك توقفت قليلاً لتستريح الخيول وتشرب من الماء.
كان قد حان الوقت ليتناول مو يونغ غون دواءه.
"أوه، أين ذهب دواء السيد الشاب؟"
بوجـهٍ شاحبٍ يملؤه الذعر، بدأ الخادم يفتش في الأمتعة على عجل؛ فالدواء الذي يتناوله السيد الشاب يومياً لم يكن له أثرٌ في ذلك اليوم تحديداً.
"لـ.. لقد كنتُ متأكداً من أنني وضعته هنا!"
يبدو أنه أخطأ وأحضر صندوق دواءٍ آخر يشبه الصندوق الأصلي تماماً.
"مـ.. ماذا أفعل الآن؟ يا إلهي، سأجن!"
بدأ الخادم يقضم أظافره بقلقٍ شديد، ثم نظر بعيونٍ تفيض عرقاً بارداً إلى صندوق الدواء الذي أحضره خطأً.
'أ.. ألا يمكنني إعطاؤه هذا بدلاً من ذاك؟ إنها ثلاثة أيامٍ فقط...'
في الحقيقة، لم يكن يبدو على السيد الشاب الصغير أي علامات للمرض؛ صحيحٌ أنه طفلٌ شارد الذهن دائماً، لكن ذلك بدا وكأنه طبعٌ وُلد به لم يظن الخادم أن عدم تناول الدواء لبضعة أيام قد يسبب كارثة.
كان يخشى إن أُلغيت هذه النزهة بسبب خطئه، أن ينصبَّ عليه غضب رئيس الخدم ويأمر بضربه بالعصي بلا رحمة.
في النهاية، أغمض الخادم عينيه بقوة، وأخذ الدواء الخاطئ متوجهاً نحو مو يونغ غون كانت يده ترتعش خِفية وهو يقدم له الوعاء الصغير الذي يحتوي على الحبوب.
"سـ.. سيدي الشاب، حان وقت تناول الدواء."
"حسناً..."
ولحسن الحظ، تناول السيد الصغير الحبوب بهدوء كما هي عادته؛ ورغم أن طعم الدواء ورائحته كانا مختلفين عما اعتاد عليه، إلا أنه لم يبدُ عليه أنه لاحظ أي شيء.
تنفس الخادم بارتياح سراً، وشعر بالراحة لأن أمره لم يُكشف.
كما توقع الخادم تماماً، بدا أن الطفل بخير رغم فوات يومين دون دوائه المعتاد ومع أنه كان هادئاً بشكل مريب أكثر من المعتاد، إلا أنه كان يبتسم بلطف ويجيب والدته كلما حادثته.
والأهم من ذلك، لم تظهر عليه أي علامات تدل على المرض أو التعب.
'جيد، لم يتبقَّ سوى يوم واحد.. عليّ الصمود فحسب!'
وفي طريق العودة إلى المنزل الرئيسي بعد انتهاء النزهة، وتحديداً في اليوم الثالث من انقطاع الدواء..
"آه.. آغ...!"
دوى صراخ مفاجئ داخل العربة التي كانت تنعم بالهدوء قبل لحظات.
"غون؟ ما بك يا بني؟! توقفوا.. أوقفوا العربة فوراً!"
وما إن توقفت العربة، حتى اندفع مو يونغ غون خارجاً منها بدافع غريزي فزع الخادم وأسرع للإمساك به وهو يرتجف
"سـ.. سيدي الشاب! ما الذي جرى لك فجأة؟! هل تشعر بالألم في مكان ما؟!"
كان الخادم يصرخ في سره بيأس
'لم يتبقَّ سوى نصف يوم لنصل إلى المنزل! لماذا لم تستطع الاحتمال قليلاً بعد؟!'
دو-كونغ.. دو-كونغ.
كان صوت الخادم المتلهف يخدش أعصاب مو يونغ غون بحدة، وكأنه نصل حاد.
أصوات الأنفاس الصاخبة التي تضرب طبلة أذنه، وحتى الحرارة الفاترة المنبعثة من أطراف أصابع الخادم التي لمست جلده..
كل تلك الحيوية التي تعلن عن كونه كائناً حيا ، كانت تطعن حواس مو يونغ غون المتحفزة بلا رحمة كأنها خناجر مسمومة.
واجتاحته رغبة عارمة في تمزيق تلك الكتلة اللحمية فوراً، وإخماد تلك الأنفاس المزعجة إلى الأبد.
في اللحظة التي التقت فيها عينا الخادم بنظرات موي ونغ غون المرعبة وهو يرفع رأسه ببطء..
خارت قوى الخادم وانهار جثياً على الأرض دون إرادة منه، تماماً كحيوان عشبي يقف أمام مفترس ضارٍ.
حينها، التقط مو يونغ غون حجراً من الأرض، ودون ذرة تردد، هوى به عليه.
بـوك!
"آآآآآه!"
مرة، مرتين، ثلاثاً.
"آآه! توقف يا سيدي الشاب! أرجوك!"
ظل مو يونغ غون يضرب الخادم مراراً وتكراراً بالحجر، ولم يتوقف حتى اقترب الحرس منه وسحبوه بعيداً بالقوة.
كان وجهه في تلك اللحظة يعلوه احمرار خفيف من شدة الانتشاء.
"هـيء.. أوهـيء.. هه هه!"
لحسن الحظ، نجا الخادم من الموت، ولكن تلك الحادثة سببت صدمة عنيفة لوالدته، السيدة يون.
كان الأمر طبيعياً؛ فكيف لطفل لم يتجاوز السابعة من عمره أن يحاول تحطيم رأس إنسان بحجر حتى الموت؟
تذكرت السيدة يون بوضوح تلك اللحظة التي قيل لها فيها لأول مرة إن ابنها ولد تحت نجم القتل السماوي
شعرت حينها وكأن السماء قد انطبقت على الأرض.
كانت تدرك أنه بكونه فرداً من عائلة محاربين، فقد يضطر لقتل شخص ما يوماً ما، فهذا أمرٌ لا مفر منه في عالم الفنون القتالية.
لكن أن يحاول المرء قتل مَن يقف أمامه دون مبالاة بهويته، بل ويشعر باللذة في ذلك، فهذا ليس من شيم البشر، إنما هو صنيع الشياطين والطغاة.
بسبب هذه الحادثة، دارت نقاشات سرية بين عددٍ قليل جداً من كبار شيوخ العائلة ممن علموا بالأمر، ووصلت حدَّ المطالبة بقتل الطفل سراً لقطع الشر ومنع وقوع كوارث مستقبلية.
ولكن، من حسن حظ مو يونغ غون ووالدته السيدة يون، قرر سيد العائلة ألا يقتل فلذة كبده، وبدلاً من ذلك، أمر بالبحث عن وسيلة لكبح جماح تلك الطبيعة الضارية الكامنة في أعماقه.
وبفضل وصفة طبية بارعة من طبيبٍ ذاع صيته، نشأ الطفل هادئاً ووديعاً لدرجة مذهلة؛ فلم يحاول إيذاء أحد قط، بل لم يقتل حشرة واحدة ولو على سبيل العبث.
وصحيحٌ أنه كان يقضي معظم وقته في حالة من الذهول أو النعاس تحت تأثير العقاقير القوية، إلا أن ذلك كان ثمناً لا بد من دفعه.
لم تعر السيدة يون أي اهتمام لتلك النزاعات على منصب خليفة العائلة؛ فقلبها لم يتسع لغير أمنية واحدة: أن تكبر مع ابنها في طمأنينة، بعيداً عن صراعات القوة والدماء
ولكن، كيف لهذا الطفل الذي بدا ساذجاً وبريئاً أن ينقلب فجأة أمام عيني أمه إلى وحشٍ قاتل يهيج بجنون؟
لم تتوقف دموع السيدة يون الرقيقة لعدة أيام من شدة الصدمة وحتى ذاك الوجه الغارق في الدموع، لم يره مو يونغ غون سوى قناعٍ أبيض باهت.
ومع ذلك، وبالرغم من الستار الذي يفصل بينه وبين العالم، استطاع مو يونغ غون أن يشعر بوضوح بمدى رعب والدته وحزنها العميق.
'أمي، لا تبكي.'
أنا آسف.. لأنني لم أستطع كبح نفسي جيداً.
منذ ذلك اليوم، لم يخطُ مو يونغ غون خطوة واحدة خارج غرفته لفترة طويلة.
وبعد مرور نحو أسبوع..
استدعى سيد العائلة -الذي نادرًا كان يزور مويونغ غون- ابنه فجأة إلى ساحة التدريب القفراء.
تانغ-جرانغ!
سقط سيف خشبي قديم عند قدمي الصغير؛ فالتقطه الطفل بحذر وهو يرقب نظرات والده بوجل وانكسار.
تحدث سيد عائلة مو يونغ بنبرة جافة
"نزولاً عند رغبة والدتك، لم أعلمك فنون السيف قط حتى يومنا هذا ظننتُ أن عزلك عن كل ما قد يثير غريزتك هو الخيار الأمثل."
توقفت نظراته عند عيني مو يونغ غون الشاردتين وتابع
"لكنني كنتُ مخطئاً إن أردتَ كبح رغبة القتل في أعماقك، فعليك أولاً أن تتعلم كيف تسيطر على طاقتك القاتلة بنفسك."
"...... هل.. هل يُسمح لي حقاً بحمل السيف؟ ماذا لو حاولتُ قتل شخصٍ ما بهذا السيف مجدداً؟"
"وهل ستفعل؟"
"......"
"إن السيف يتبع قلب مَن يحمله؛ فبه يمكنك أن تؤذي الناس، وبه يمكنك أيضاً حمايتهم."
في الحقيقة، لم يكن سيد عائلة مو يونغ يكنُّ مودةً عميقة لابنه التاسع هذا؛ فقد كان لديه من الأبناء ما يكفي ويزيد.
ومنذ أن انكشف أمر وقوع الطفل تحت نجم القتل السماوي، وهو يسمع نصائح شيوخ العائلة بضرورة التخلص منه سراً لقطع دابر أي خطر مستقبلي قد يهدد استقرار العائلة.
لكنه، رغم ذلك، لم يرغب في إزهاق روح طفلٍ يحمل دمه كما تُذبح البهائم.
والأهم من ذلك، أنه لم يطق فكرة أن يقضي ابنه حياته كلها منزوياً في الركن كجرذٍ حقير.
"إن كان يجري في عروقك كبرياء عائلة مو يونغ، فأثبت لي قدرتك على كبح تلك الغريزة الحيوانية بنفسك أما إذا فقدت صوابك مرة أخرى وارتكبت فعلاً كهذا، فسأقطع عنقك بيدي هاتين.. هل فهمت قولي؟"
"...... نعم، يا والدي."
وهكذا، قرر سيد عائلة مو يونغ منح ابنه الذي وُلد تحت لعنه نجم القتل السماوي فرصةً أخيرة.
ويبدو أن حدس سيد العائلة كان في محله، إذ بدأت حالة مو يونغ غون تتحسن بشكل ملحوظ بمجرد أن بدأ بتعلم فنون السيف.
وحسب تشخيص الطبيب، فإن بذل الجهد البدني والتدريب المستمر قد ساعده في تفريغ نزعاته التدميرية المكبوتة.
"إن مواجهة العالم الخارجي شيئاً فشيئاً تمنحه القوة اللازمة للسيطرة على اندفاعاته، وهذا أنفع له من العزلة؛ فبمرور الوقت، قد يتمكن السيد الشاب من ترويض طبيعته والعيش كإنسان طبيعي يوما مًا ."
"القدرة على قهر طبيعة نجم القتل السماوي"..
كان ذلك التشخيص بمثابة بصيص أمل عظيم لـمو يونغ غون.
لقد بذل مو يونغ غون جهداً حقيقياً؛ لدرجة أنه كان يتعمد مراقبة الخدم وهم يذبحون الماشية، ليعوّد نفسه على رؤية الدماء حتى لا تثير جنونه.
والآن، تحسنت حالته لدرجة أنه لم يعد يفقد صوابه بمجرد رؤية الدم أو فوات موعد الدواء ليوم أو يومين.
وعلى الرغم من أن العالم لا يزال يبدو في عينيه ضبابياً وكأن ستاراً نصف شفاف يسد الرؤية، إلا أنه لم يبالِ بذلك؛ فقد أدرك أنه لو رُفع هذا الستار، فلن يعود الشخص الذي يعرفه.
وعندما وصلت دعوة من سيد عائلة جيغال ، قرر سيد عائلة مو يونغ إرسال مويونغ غون إلى جمعية التنين الإلهي...
كان السبب في ذلك هو أن مو يونغ غون كان الابن الوحيد في العائلة الذي يقع في الفئة العمرية المناسبة للمشاركة، إضافة إلى قناعة والده بأن ابنه التاسع قد أصبح أخيراً مستعداً لمواجهة العالم الخارجي بكامل إرادته.
ولكن، مَن كان ليتخيل ما سيحدث؟
لكن مَن كان يتوقع أن رحلته تلك ستنتهي به غارقاً في الدماء، وهو يقطع أوصال خصومه في قلب جمعية التنين الإلهي؟
لقد تسببت هلاوس تشو ان في تمزيق الوشاح الذي كان يغشي بصر مو يونغ غون ،لينقشع الضباب عن عينيه ويواجه حقيقة فطرته الوحشية.
بـااات!
انطلق مو يونغ غون بقوة، دافعاً بجسده من فوق غصن شجرة ضخم.
كانت الأشجار تتطاير خلف ظهره بلمح البصر مع دويّ صفير الرياح.
وبينما كان يركض بسرعة خارقة في قلب الرياح العاتية، بدا العالم أمام عينيه أزرقاً بشكل غريب وواضحاً بحدة تقشعر لها الأبدان.
وفي صدره، كان قلبه يخفق بعنف لم يعهده من قبل.
دو-كونغ.. دو-كونغ.. دو-كونغ.. دو-كونغ.
وكان ذلك القلب يتوق لشيء واحد وبكل جوارحه..
يتوق لدم البشر.
في اللحظة التي انقشعت فيها أغصان الأشجار الكثيفة فجأة واتسع فيها مدى الرؤية، وقع بصر مو يونغ غون على وحشٍ يقف عند حافة الهاوية وبجواره شخصٌ ما.
"كواااااااااك!"
بلمح البصر، فتك مو يونغ غون بالوحش ومزقه شر ممزق، ثم أدار نظره وهو يترنح.
في تلك اللحظة، رأى وجه إي هيون المتصلب من الصدمة بوضوحٍ غير مسبوق.
'السيد الشاب مويونغ..'
"هاه.. هاه..!"
طرق.. طرق..
تقدم مو يونغ غون ببطء نحو إي هيون وهو يرفع سيفه الملطخ بالدماء.
أما إي هيون، فقد وضع يده في كمه بحذر شديد، وكأنه يواجه وحشاً كاسراً يتربص به.
وفجأة، اندفع مو يونغ غون بسرعة انفجارية ليقلص المسافة بينهما، فصرخ إي هيون بذعر
"آه.. السيد الشاب مويونغ! خلفك!"
فـيـوت!
في اللحظة التي تردد فيها مو يونغ غون لا إرادياً، انطلقت إبرة ضخمة وحادة من يد اي هيون.
كانت واحدة من الأسلحة السرية التي دفع بها دانغ تاي يول إليه وأجبره على أخذها.
وعلى الرغم من أن إي هيون لم يتعلم فنون الأسلحة السرية قط، إلا أنه احتفظ بها في كمه ظناً منه أنها لن تشكل عبئاً عليه، ولعلها تنفعه في وقت ضيق.. وهذا ما حدث.
لم يتخيل أبداً أنه سيستخدمها بهذه الطريقة.
وعلى الرغم من أن الإبرة لم تصب النقطة الحيوية التي استهدفها بدقة، إلا أن الموضع لم يعد يهمه؛ فقد غمس تلك الإبرة في سمٍّ استخلصه من وعائه الخاص.
"كغغ!"
ترنح مو يونغ غون وهو يضغط على موضع إصابة الإبرة، وفي تلك اللحظة، استغل إي هيون الموقف وأطلق العنان لأقصى سرعة لديه في خفة الحركة محاولاً الفرار.
ولكن..
تشبث!
لم يبتعد إي هيون كثيراً حتى شُدّ طرف ثوبه الأخضر بقوة هائلة إلى الخلف وفي اللحظة التي طُرح فيها أرضاً كأنه شيءٌ لا قيمة له، سحق قدم مو يونغ غون ظهره بقسوة.
"كـح!"
عجز إي هيون عن الحراك تماماً، وبينما هو قابع تحت وطأة تلك القدم، ارتفع سيف مو يونغ غون في الهواء ببطء.
مرت شريط ذكريات حياته أمام عينيه كأنه الوداع الأخير..
وفي تلك اللحظة، انقضَّ سيف مو يونغ غون إلى الأسفل بقوة.
طـعـن!
"......"
"......"
هاه؟
عندما فتح عينيه اللتين أغمضهما لا إراديًا بحذر، انجلت أمامه صورة لم يتوقعها قط.
فقد غرس مو يونغ غون سيفه في ذراعه هو، لا في جسد إي هيون.
"أُغ، كغغ......!"
وبينما كانت الدماء القانية تتدفق من نصل السيف وتتساقط فوق الأرض قطرة تلو الأخرى..
هويريريك!
انطلق خيط فضي من خلف الشجيرات بسرعة خاطفة، ليلتف حول نصل سيف مو يونغ غون، ثم انتزع السيف بقوة هائلة وقذف به بعيدًا.
وفي لمح البصر..
اندفع ظلٌ خاطف من بين الأشجار، ووجه ركلة قوية لخلف ركبة مو يونغ غون جعلته يترنح، ثم طرحه أرضاً وجثا فوق ظهره، ضاغطاً على مراكز أعصابه ليشلّ حركته في لمح البصر.
كونغ!
ومع انقشاع الغبار، ظهر الرجل الذي لم يكن سوى دانغ هوي.
تنهد دانغ هوي بعمق وقد بدا عليه الارتياح، ثم قال بصوت غلب عليه ارتباك غريب
"هل أنت بخير؟.. على ما يبدو، لست كذلك أعتذر على تأخري."
"أخي الأكبر—!"