227
بينما كان إي هيون يشق طريقه وسط الأحراش الكثيفة، لمح من بعيد ظهر صاحب شامة العين وهو يركض لاهثاً.
لم يتردد إي هيون، بل زاد من سرعة مهارة ملاحقة البرق ليقلص المسافة بينهما في لمح البصر.
"سحقاً، سحقاً، سحقاً!"
ومع اقترابه، بدأت تصل إلى مسامعه الشتائم المكتومة التي كان يطلقها صاحب الشامة بين أنفاسه المتصاعدة؛ فمن المؤكد أن سبب ذعره هو إحساسه بوجود وحش تشو إن يطارده عن قرب، وينفث خلفه هالةً مرعبة.
شعر صاحب الشامة بوجود إي هيون الذي التصق بظهره، فصك على أسنانه بملامح شرسة غاضبة.
'لماذا جاء هذا اللعين إلى هنا أيضاً؟ هل يريد مني حمايته أم ماذا؟! ألا يرى أنني أحمل شخصاً على ظهري الآن؟!'
ربما كان لديه الثقة في المواجهة حين كانوا يعملون ضمن التشكيل القتالي، أما الآن، وهو وحده، فلم تكن لديه أدنى ثقة في هزيمة وحش كهذا.
فكيف وهو يحمل فوق ظهره عبئاً إضافياً؟
كان من الجلي أنه لو استمر الحال هكذا، فسيقبض الوحش على رقبتيهما عما قريب.
'لا يمكنني الموت في مكان كهذا!'
لو مِتُّ هنا، كم سيحزن والدي ووالدتي؟! أنا ابنهما الوحيد، وإذا مات الوريث فماذا سيحل بعائلتنا؟! بل وقبل ذلك كله، لم أرد الموت بهذه الطريقة العبثية.
أريد أن أعيش.
'أريد العيش!'
لمعت في عيني صاحب الشامة نظرة صراع مرير وجنون.
'ماذا لو رميتُ هذا الخادم الذي أحمله على ظهري فحسب؟'
ألن أتمكن حينها من النجاة بمفردي؟
أو ربما... ماذا لو دفعتُ السيد الشاب الثالث لعائلة دانغ الذي يركض بجانبي الآن نحو الوحش بقوة؟!
بينما ينشغل الوحش بأقرب فريسة له، سيتمكن هو من التسلل والفرار بكل أريحية.
'لا، هل عليَّ حقاً اختيار أحدهما فقط؟'
إذا تخلص من الاثنين معاً، فسيكون في أمان أكبر.
يكفي أن يخبر الآخرين بأن الوحوش قد اختطفهما، وينتهي الأمر.
'فقط عليَّ أن أصمت، ولن يعرف أحدٌ أبداً.'
ما قيمة الأخلاق والمبادئ إن لم يكن المرء على قيد الحياة؟ فلا معنى لها إلا للأحياء.
وعندما بلغت أنفاسه المذعورة ذروتها، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يهمُّ بإرخاء قبضته ليرمي الخادم عن ظهره..
ابتعد إي هيون فجأة عن صاحب الشامة، والتقط حجراً ثم رماه بقوة.
فـاك!
أصاب الحجر وجه وحش الـتشوإن الذي كان يطاردهما مباشرة التوى ذلك الوجه الغريب، الذي كان يشبه قطعة من الخزف الأبيض المسطح، والتفتت نظرات الوحش بحدة نحو إي هيون.
صرخ إي هيون
"ارركض!"
كانت نظراته الثابتة التي اخترقت صاحب الشامة تقول بوضوح: إنه سيتولى دور الطعم، فلا تتخلَّ عن الخادم الذي على ظهرك.
ارتجفت شفتا صاحب الشامة بذهول.
'لم يلتصق بي ليطلب مني الحماية إذاً؟!'
رمى إي هيون حجراً آخر، أصاب جسد الـتشو إن محدثاً جلبة مدوية مرة أخرى.
فـاك!
أطلق وحش الـتشوإن زئيرًا مدويًا يفيض بالحنق وما إن تأكد إي هيون من نجاح استفزازه للهدف، حتى دفع الأرض بقدميه منطلقًا في الاتجاه المعاكس بلا تردد، ليبدأ الوحش الهائج بمطاردته بضراوة مريعة.
تـراك!
تحطمت أغصان الأشجار تحت وطأة الاندفاع، واختلط صوت تكسرها بوقع أقدام الوحش الثقيلة، قبل أن تتلاشى تلك الجلبة سريعًا مع ابتعاد المطاردة وسط اهتزاز الأحراش.
ساد الصمت المكان لبرهة، بينما ظل صاحب الشامة متجمدًا في موقعه يراقب ما حدث.
"هـاااه... هـاااه..."
لم يتبقَّ في ذلك الموضع سوى صاحب الشامة وخادم يلفُّهما صمتٌ مطبق لا يقطعه إلا صوت أنفاسهما المتلاحقة.
"هـ.. هئ، هئ..."
شعر صاحب الشامة برعشة خفيفة تنتقل إليه من خلف ظهره.
"أنا آسف.. أنا حقًا آسف..."
كان الخادم يهمس باعتذارات متكررة يتخللها نحيب مكتوم، مما جعل صاحب الشامة يترنح بضع خطوات إلى الوراء وكأنه فقد توازنه النفسي.
وقف هناك مذهولًا لبرهة، ثم أغمض عينيه بقوة فجأة وزفر أنفاسه في تنهيدة طويلة.
"..."
وعندما بدأت يد الخادم المرتخية فوق كتفه بالانزلاق ببطء، تمتم صاحب الشامة فجأة بصوت خشن
"إن بللتَ ثيابك من الخوف.. سأقتلك."
"ماذا..؟ عـااااك!"
وما إن أتمَّ كلماته حتى اندفع صاحب الشامة كالسهم المنطلق من قوسه، وقد أحكم قبضتيه حول ساقي الخادم فوق ظهره بصلابة
****
انزلق جسد إي هيون بين الأحراش الكثيفة مستخدماً مهارة ملاحقة البرق، بينما كان خلفه زفير وحشٍ ضارٍ يكاد يلامس عنقه، يطارده بشراسة وكأنه على وشك تمزيق وريده.
لا يعلم إن كان الوحش سريعاً إلى هذا الحد، أم أن مهارته في ملاحقة البرق لا تزال قاصرة.. ربما كان السببان معاً لكنه أدرك يقيناً أنه لولا تعاليم دانغ تاي يول، لكان الآن أشلاءً مبعثرة بين أنياب ذلك المسخ.
وفي اللحظة التي قفز فيها متجاوزاً منحدراً حاداً حجب رؤيته، تسمرت قدماه فجأة.
'سحقاً، إنه جرف صخري...!'
حاول الالتفاف بسرعة بحثاً عن مخرج، لكن وحش الـتشو إن كان قد اعتلى المنحدر بالفعل وسدَّ عليه الطريق تشتتت نظرات إي هيون في ذعر بين الوحش الماثل أمامه، وبين الهاوية السحيقة التي تتربص خلف ظهره
القفز من هذا الارتفاع يعني الموت المحتم، والبقاء يعني الاستسلام لهلوسات الوحش والتعرض للافتراس حياً.
وفي محاولة أخيرة بائسة، سحب إي هيون القناع الذي أعطاه إياه مانغ ريانغ من كُمّه ووضعه على وجهه ثم تحرك خطوة بسيطة إلى الجانب ليختبر أثره.
"كرررررررر..."
لكن وهج عيني الـتشو إن ظل يلاحقه بدقة متناهية دون أدنى خطأ.
'لم ينجح الأمر إذاً.'
كان يتوقع هذه النتيجة نوعاً ما؛ فمنذ أن ارتدى القناع أمام بانغ سوول ونظر إليه باستغراب وكأنه يسأل عما يفعله، بدأ الشك يتسرب إليه.
لقد نجح القناع سابقاً مع الأرواح الشريرة داخل اللفافة، فكان يأمل أن يخدع وحوش المان سانغ أيضاً، لكن يبدو أن آماله ذهبت سدى.
يبدو أن آماله قد خابت تماماً.
'ومع ذلك، لا أنوي الاستسلام للموت بهذه البساطة.'
استل إي هيون خنجره، عازماً على إبداء مقاومة أخيرة كان هو الخنجر نفسه الذي أعطاه إياه مانغ ريانغ ، والمحفور على نصله دوائر وخطوط تشبه الأبراج السماوية.
وفي اللحظة التي شعر فيها ببرودة النصل وأحكم قبضته على المقبض..
تات!
اندفع الـتشو إن بعد أن سحق الأرض بقدميه الخلفيتين، قافزاً نحو إي هيون وفكه مفتوح على آخره.
وبحركة لا إرادية، فعل إي هيون مهارة ملاحقة البرق ليتنحى جانباً شعر بخفة غير معهودة في جزئه السفلي، وكأن قدميه ريشتان، وتدفق فن حركته بسلاسة مذهلة.
'هل هي قوة الخنجر؟'
تذكر أنه حين كان داخل لفافة مانغ ريانغ، كان يشعر أحياناً بهذه السلاسة الغريبة في حركته كلما قاتل باستخدام هذا الخنجر.
لكن ذلك وحده لم يكن كافياً للتغلب تماماً على ردود فعل هذا الوحش؛ فكلما حاول إي هيون الفرار عائداً نحو الغابة، كان الوحش يقطع عليه الطريق ببراعة تثير القشعريرة.
وعندما أرجع الـتشوإن جسده للخلف محاولاً توجيه ضربة بيديه الأمامية الثقيلة التي تشبه يد البشر، صك إي هيون على أسنانه وطعن بخنجره بكل قوته.
سـغاك!
انتقل إلى أطراف أصابعه إحساس النصل البارد وهو يخترق الجلد السميك، لكن نصل الخنجر القصير وقوة إي هيون لم تكن كافية لإيقاف زخم تلك الوحشية المندفعة بكتلتها الهائلة.
"آغ..!"
قُذف إي هيون بفعل القوة الغاشمة، فتدحرج على الأرض منسحقاً وهو يرتد إلى الخلف.
'آه، لا.. ليس هكذا!'
لسوء حظه، كان يرتد نحو جهة الجرف.
غرس أصابعه بيأس في الأرض الترابية محاولاً التشبث بأي شيء.
وفي اللحظة التي توقف فيها بصعوبة بالغة على الحافة تماماً، تفتتت كتل ترابية من طرف الجرف وهاوت في الفراغ السحيق.
ابتلع ريقه دون وعي حين لفحت وجهه رياح باردة صاعدة من قعر الهاوية، وفي تلك اللحظة بالذات..
انشق وجه الـتشو إن الأبيض الذي يشبه القناع إلى نصفين على طول الخط الطولي لملامحه، وبرزت من داخله الأحمر القاني كتلة لحمية قبيحة تتلوى بانتشاء.
بدا وكأنه ينوي نفث عطر الأوهام على إي هيون؛ ليمنع طريدته من المقاومة المزعجة أكثر من ذلك.
حبس إي هيون أنفاسه لكي لا يستنشق العطر، وصك على أسنانة بقوة.
'لم يتبقَّ أمامي الآن سوى وسيلة واحدة؛ أن أغرس الخنجر في عينه أو في جوفه حين يقترب مني.'
أغمض إي هيون عينيه، وأرخى عضلات جسده متظاهراً بالانهيار تماماً كغزال استسلم بعد أن عُضَّ من رقبتـه.
تظاهر بأنه غارق في الأوهام تماماً، لكي يجعل الوحش يطمئن ويرخي دفاعاته.
وبالفعل، تقدم الوحش ببطء وهو يخمد أنفاسه ليتفقد فريسته التي بدت وكأنها فقدت الوعي.
خطوة، خطوتان.
وعلى مقربة منه، انبعث صوت فحيح كريه من وجه الـتش وإن المشقوق كانت راحة يد إي هيون المطبقة على مقبض الخنجر قد تبللت بالعرق البارد.
'قليلاً بعد...!'
وفي اللحظة التي كادت فيها كتلة اللحم القبيحة أن تلمس عنقه، فتح إي هيون عينيه على اتساعهما.
فجّر طاقة التشي من دانتيانه وسدد طعنة بكل قوته نحو جوف الوحش المفتوح كانت ضربة لا يمكن وصفها إلا بالذهول بالنسبة لشخص لم يتعلم سوى فنون الحركة والسموم، ولكن..
لكن ردود فعل الوحش الضارية وغرائزه المفترسة سحقت تلك المناورة اليائسة بمنتهى البساطة، وكأن محاولة إي هيون لم تكن سوى حشرةٍ ضعيفة تُسحقُ تحت وطأة قوته الغاشمة.
تراجع الوحش بجسده العلوي إلى الخلف بلمح البصر متجنباً طعنة الخنجر، ثم هوى بمخلبه الضخم ليرتكز فوق صدر إي هيون ويسحقه تحت وطأة قدمه.
كـونغ!
"كـح..!"
اندفع الهواء من رئتيه دفعة واحدة ومع ذاك الثقل الذي كاد يهشم عظام صدره، ارتخت قبضته وفقدت أصابعه قوتها ليفلت الخنجر منه بعبثية.
وبعد أن أيقن الوحش أن فريسته قد خضعت تماماً، بدأت الكتلة اللحمية التي كانت تتلوى خارج وجهه تتقلص وتنسحب إلى الداخل ببطء.
وعلى ذلك الوجه الذي التحم من جديد، انفرجت فجوة مرعبة عن أنيابٍ حادة تشبه أسنان المنشار تلمع بضراوة؛ كانت تستعد لقضم عنق إي هيون وتمزيقه.
'آه..'
وفي تلك اللحظة، بينما كان بصره يرتجف ويغيم باللون الأبيض من أثر الصدمة..
هـويك!
انقض ظلٌ شديد السواد من فوق غصن شجرة عالٍ، مندفعاً نحو رأس الـتشو إن
فـووك!
ومع صوت اختراق اللحم في ضربة واحدة، استقر نصل سيفٍ أزرق بارد في ظهر الوحش دون ذرة رحمة.
"كواااااااااك!"
انطلقت صرخة شنيعة من وحش الـتشو إن وهو يتلوى بجنون، محاولاً طرح ذلك الإنسان الذي امتطى ظهره أرضاً.
إلا أن ذلك الظل ظلَّ ملتصقاً بظهر الوحش كأنه جزء منه، رافضاً السقوط.
وبينما كانت الدماء السوداء تتناثر في كل اتجاه، اندفع الوحش في حركة يائسة ليرتمي بظهره نحو الأرض بغرض سحق الإنسان المتشبث به.
لكن قبل أن يرتطم ظهر الوحش بالتراب، ارتدَّ ذلك الظل في الهواء بخفة، ليهبط على الأرض بحركة انسيابية بارعة.
وما إن هوى الوحش أرضاً، حتى ثبت قدمه فوق عنقه بقوة، ورفع سيفه عالياً دون أدنى تردد.
كواك! فوك! بـوك!
كانت عملية ذبحٍ آلية تثير القشعريرة، خالية من أي تردد أو شفقة.
وحتى بعد أن توقفت جثة الوحش عن التخبط واستكانت تماماً، لم تنقطع تلك الأصوات الفظيعة لتمزيق اللحم لفترة من الزمن.
"...السيد الشاب مو يونغ."
خرج صوت إي هيون مكتوماً وسط الهواء المشبع برائحة الدماء الزنخة.
لم يصدر أي رد من مو يونغ غون.
"هـاه.. هـااه...!"
كان ينهج بعنف وأكتافه ترتفع وتنخفض باضطراب، بينما كان غارقاً في الدماء من رأسه حتى قدميه، ثم التفت برأسه ببطء نحو إي هيون.
كانت نية القتل المتوقدة في عينيه تنطق بوضوح
أنه يجب عليه قتل ذلك الشيء الماثل أمامه... الآن وفوراً.