226
في تلك اللحظة، نسي دانغ هوي حتى كيف يتنفس.
دو-كوم.
دو-كوم.
كانت نبضات قلبه تضرب صدغيه بجنون، بينما استقرت نظراته على الجثة الملقاة بلا حول ولا قوة على الأرض على أخيه الذي قضى نحبه بعينين فارغتين وسلاح مخفي مغروس في جبهته—.
كيييييييينغ—
في تلك اللحظة، اخترق صوت يشبه طنين الأذن عقله، فاستعاد وعيه الذي كاد يتلاشى، وشحذ بصيرته بحدة في ثانية واحدة.
'لا، ليس هو.'
هذا ليس أخي.
بمجرد التفكير بهدوء، يتبين أن الأمر مليء بالتناقضات من الناحية المنطقية، مستحيل أن يسبقه ذلك الفتى في فنون الخفة وطوال الطريق إلى هنا، كان يتأكد من الاتجاه باستمرار؛ مما يعني أنه لم يعد إلى المكان الذي يتواجد فيه الآخرون علاوة على ذلك، هل سيبتسم ذلك الفتى برقة وهو يرى سلاحاً مخفياً يُلقى نحوه؟ لكان غضب وصرخ متسائلاً إن كنت قد جننت.
أصلاً، لم يسبق لأخيه أن ابتسم لـدانغ هوي بهذه الطريقة قط.
إلا إذا استثنينا أيام طفولتهما المبكرة جداً.
إذن، هذا ليس سوى—
"آآآآآآآآآآآآآه!"
أعادته صرخة دوت في مكان قريب إلى أرض الواقع فجأة.
لحسن حظه، لم يستمر ذهوله إلا للحظة عابرة؛ فلو استسلم لشروده ثانيةً واحدةً أخرى، لكانت الوحوش المندفعة نحوه قد مزقت جسده إلى أشلاء.
"تباً!"
حاول دانغ هوي إطلاق أسلحته المخفية غريزياً، لكنه تردد رغماً عنه.
لقد تشوهت المناظر المحيطة به، وتحولت تلك الكائنات التي بدت وحوشاً قبل قليل إلى هيئة أخيه مرة أخرى.
'ذوق سيء للغاية.'
ابتلع دانغ هوي شتيمة قاسية بين أسنانه، وأطلق أسلحته المخفية دون تردد.
اخترقت الومضات الفضية التي شقت الهواء بحدة النقاط الحيوية لتلك الكائنات التي تلبست قشرة أخيه، دون أي رحمة.
ببببب طاخ!
"أخي! لماذا؟!"
"لماذا تقتلني؟"
"أرجوك أنقذني يا أخي!"
'لا تخدعك المظاهر.'
رغم إدراكه بعقله أن هذه مجرد أوهام تحاكي الشكل الخارجي ببراعة، إلا أن رؤية أخيه يسقط صريعاً بأسلحته أثارت في نفسه غثياناً شديداً.
وعندما اقترب أحدهم لمسافة تمنعه من إطلاق الأسلحة، التف خيط دانغ هوي الفضي حول عنق الكائن في لمح البصر.
جذبه دانغ هوي بقوة، ثم غرس خنجراً كان يمسكه بوضعية عكسية في عنقه.
كواخ—!
شعر بنصل الخنجر وهو يخدش العظم الصلب وينغرس بعمق.
لم يتردد دانغ هوي، بل أدار معصمه ليمزق اللحم من الداخل قبل أن ينتزع النصل بعنف.
اندفعت الدماء الحمراء الداكنة كالنافورة، وترنح الوحش الذي اتخذ هيئة أخيه قبل أن يسقط جثة هامدة على الأرض.
طاخ—!
"هـ.. هـااااه، هـااااه...!"
بعد أن تمكن بشق الأنفس من القضاء على جميع الوحوش التي كانت تحاصره.
ترنح دانغ هوي بقوة فاستند إلى إحدى الأشجار، وقبض بيد ترتجف على ذراعه الأخرى بإحكام.
رفع رأسه ورمش بعينيه ببطء، ليبدأ المشهد المحيط به يتضح أخيراً لرؤيته.
كانت عدة وحوش من تلك الكائنات ملقاة على الأرض المغطاة بالأحراش الكثيفة وبدا أن الخطوط المرسومة على وجوه الوحوش الميتة قد انشقت، لتبرز من تلك الشقوق كتل لحمية مشوهة.
الآن فقط أدرك أن تلك الكتل اللحمية لم تكن تشبه دانغ تاي يول، بل لم تكن حتى بهيئة بشرية حقيقية؛ كانت مجرد شيء يحاول تقليد الهيئة البشرية ببراعة ناقصة، ولكن......
'هذه الرائحة.'
كان عبير غريب يطوف في الأرجاء بضعف، ويبدو أنه عطر منبعث من تلك الكتل اللحمية، يحتوي على مادة مهلوسة قوية جداً.
أدرك دانغ هوي حينها أن نواة السم بداخله قد فعلت تلقائياً مهارة حماية الجسد الخاصة بفن استاعده الشموس الثلاثه دون وعي منه وبفضل ذلك، تمكن من استعادة رشده الذي تشتت للحظة.
ومع ذلك، كان لا يزال يشعر بدوارٍ حاد.
بما أنه لا يملك جسداً محصناً ضد جميع أنواع السموم ، فمن الطبيعي ألا يتمكن من صد كل سم يواجهه، خاصة وأن التعامل مع المهلوسات كان أكثر تعقيداً من التعامل مع السموم الفتاكة التي تنهش الجسد.
لعل الهلوسة خفت مؤقتاً بفضل امتصاص نواة السم لجزء من الغازات السامة الممتزجة بذلك العبير.
'سحقاً.'
انتفض دانغ هوي مبتعداً عن الشجرة وانطلق كالسهم في الهواء؛ فقد أدرك فجأة، أن مو يونغ غون قد اختفى من جانبه تماماً دون أن يلحظ أثر رحيله.
****
تشو-إن [ الغول النمر ]
كان هذا هو الاسم الذي خطر ببال إي هيون في اللحظة التي واجه فيها تلك الوحوش.
الـتشو-إن هو يوكاي آكل للبشر يتخذ هيئة نمر، ويُعرف بقدرته على التحكم في أرواح الموتى لإغواء البشر وافتراسهم وخلافاً للنمر العادي، يمتلك هذا الكائن خمسة أصابع في قدميه الخلفيتين، ويُقال إنه حتى لو تخفى في هيئة بشرية، يمكن كشفه من غياب كعب القدم
بظهور هذه الوحوش الذي يشيه النمور، خمن إي هيون أن هذا المكان لابد وأن يكون عالم الحيوان من بين المسارات الستة الشريره.
لكن في هذه اللحظة، لم تكن تلك المعارف ذات نفع؛ فبحسب علم إي هيون، لم تذكر الأساطير قط أن الـتشو إن يمتلك القدرة على إظهار هلوسات قوية كهذه.
'لو كنت ستقوم بتجسيد الأسطورة، فجسدها كما هي دون تغيير...!'
في لمح البصر، سادت فوضى عارمة بين نوابغ الجيل الجديد الذين كانوا يشكلون التشكيل القتالي.
إي هيون، الذي كان في موقع آمن نسبياً في قلب التشكيل، أدرك حقيقة الموقف فوراً حين رأى النوابغ يتمتمون بأسماء أشخاص غير موجودين هنا.
"إنها هلوسة، لا تنخدعوا!"
لكن صرخته المستعجلة لم تصل إلى مسامعهم وسرعان ما بدأ بصره هو الآخر يتذبذب بدوار غثيث؛ لقد وقع هو نفسه في فخ الهلوسة.
'سحقاً...!'
بدأت المناظر المحيطة تنهار كطين لزج، وشعر بعقله يذوب بلا مقاومة وفي اللحظة التي حاول فيها إي هيون استجماع ما تبقى من رشده وتفعيل اسلوب عناصر ثلاث القلبي كمن يتمسك بقشة..
فـوخ!
مع وخزة حادة اخترقت ذراعه، انقشعت الغشاوة عن بصره فجأة.
"هـ.. هـاااه...!"
استند إي هيون إلى الأرض وهو يترنح من دوار شديد وعندما رفع رأسه وهو يلهث بحدة، كان المشهد أمامه يحبس الأنفاس من فرط خطورته.
لقد انشق هو وبعض النوابغ عن التشكيل وابتعدوا عن الوحوش دون وعي وبالتفاتة منه، رأى دانغ تاي يول وهو يطلق إبره الكبيرة الملطخة بالسم الأسود نحو النوابغ بلا رحمة وما إن استعادت أعينهم صفاءها فور إصابتهم بالإبر، حتى صرخ دانغ تاي يول
"احبسوا أنفاسكم وتعالوا إلى هنا فوراً!"
فر النوابغ من مكانهم بيأس كغزلان تهرب من فخ، رغم ترنحهم من الدوار ولم يكن لديهم خيار آخر؛ ففي المكان الذي كانت تتجمع فيه الوحوش سابقاً، وتحديداً وسط بركة من الدماء والأشلاء الممزقة، كان بانغ سوول يفجر طاقة قتل مرعبة تجعل القشعريرة تسري في الأبدان.
لم يتبقَّ وحش واحد سليم الأعضاء داخل نطاق نفوذه وحتى وحوش التشو إن المتبقية، والمسحوقة تحت ضغط هيبته الجنونية، لم تجرؤ على الاقتراب، بل اكتفت بالزمجرة من بعيد.
شعر النوابغ ببرودة تسري في عمودهم الفقري، وكأنهم فرائس ضعيفة أُلقيت أمام مفترس كاسر.
"هذا المجنون..."
ارتعد دانغ تاي يول وهو يتذكر ما حدث قبل قليل.
لا يعلم أي نوع من الهلوسة رآها بانغ سوول، لكنه بمجرد أن فقد عقله، بدأ يطيح بكل ما حوله بسيفه العظيم (دايدو) عشوائياً لولا أن بانغ سوول قفز وسط الوحوش لكان رفاقه نوابغ اول ضحايا ضرباته الفتاكة ، خاصة وأن دانغ تاي يول قد تدخل في اللحظة الأخيرة ليفك الهلوسة عن البقية بإبره.
وبسبب كثافة الهلوسة الناتجة عن حصار الوحوش له، لم يظهر على بانغ سوول أي علامة للتوقف عن هيجانه.
فـيوت!
صوب دانغ تاي يول إبرة كبيرة نحو نقطة ميتة في زاوية رؤية بانغ سوول، لكن بانغ بغريزة وحشية، رفع سيفه وأطاح بالإبرة بعيداً بخفة.
"تشه."
في اللحظة التي نقر فيها دانغ تاي يول بلسانه استياءً، انطلقت ريح نصلٍ حادة ومرعبة نحو صدره مباشرة.
وفي جزء من الثانية، استجمع تاي يول كامل قوته ليفعل مهارة فن ملاحقة البرق، مقتلعاً جسده من مسار الهجوم في اللحظة الأخيرة وما إن مرت تلك الريح القاتلة التي كادت تمزق جلده..
كوا-غوا-غوانغ—!
حتى تحطمت خلفه شجرة معمرة ضخمة، بعد أن أصابتها ريح السيف التي تفاداها بصعوبة.
"هذا اللعين! ألم يعد في عقله ذرة من رشاد؟!"
انفجر دانغ تاي يول بالشتائم عاجزاً عن كبح غيظه من الهجوم الذي كاد يقتله وفي تلك الأثناء..
بـا-جيك! بـا-جي-جي-جي-جيك!
ومضت صواعق بيضاء تخطف الأبصار وهي تعانق السيف العظيم بقوة كاسرة، معلنةً عن بلوغ طاقة بانغ سوول ذروة جنونها.
"اهربوا!"
صرخ إي هيون بحدة، ليتراجع النوابغ بغريزتهم تحت وطأة الصدمة، ثم تشتتوا في كل اتجاه مستخدمين فنون الخفة.
في العادة، يكون التشتت عند حصار الأعداء انتحاراً لأنه يسهل الاستفراد بكل شخص، ولكن البقاء هنا كان يعني إما السقوط في فخ الهلوسة وقتل بعضهم بعضاً، أو الانسحاق تحت ضربات بانغ سوول وأمام إعصار كهذا، لم يكن هناك بد من الفرار أولاً.
حينها، أمسك دانغ تاي يول بتلابيب صاحب شامة العين بقوة، ودفع بالخادم نحوه صائحاً
"احمله على ظهرك!"
اختلج ما بين حاجبي صاحب شامة العين بغضب، وكادت جملة احمله أنت تخرج من حنجرته، لكنه لم يستطع الاعتراض لأنه مدين بحياته لـدانغ تاي يول.
وعند سماع أوامر تاي يول، سارع غويانغ تاي والسيد الشاب غوم بحمل الخادمة والوكيل تشو على ظهورهم، ثم انطلقوا مستخدمين فنون الخفة.
أما إي هيون، فلم يكن ينوي الهرب بعد؛ إذ لم يستطع ترك بانغ سوول خلفه وحده.
'لو كان قادراً على القضاء على كل هؤلاء بمفرده، لفعل ذلك منذ البداية.'
كان يخشى أنه في ظل فقدانه لعقله الآن، قد يتمادى في هياجه لدرجة استنزاف طاقته الفطرية وفي الحقيقة، كان من الواضح أن سوول قد أجهد نفسه بالفعل باستنزاف طاقته الداخلية؛ فبينما كان ينفث هالة قتل مرعبة، كان يلهث بجهد وكأن أنفاسه بلغت حنجرته، نتيجة استهلاك طاقته بعشوائية دون أي تدبير.
"هـ.. هـاااه، هـااااه...!"
لو استمر الأمر على هذا المنوال، فستنفد قوته عما قريب ويتحول إلى فريسة سهلة لوحوش الـتشو إن
'عليَّ أولاً أن أبتعد قليلاً—.'
وفي اللحظة التي قفز فيها إي هيون نحو الخلف ليتجنب الانجراف في هجمات الهياج..
كوا-آآآآنغ—!
ضرب بانغ سوول بسيفه العظيم بعنف وكأنه يكتسح بقايا الجثث والوحوش من حوله، ثم اندفع منطلقاً من مكانه ولم تكن الجهة التي انقض نحوها سوى الاتجاه الذي يتواجد فيه إي هيون.
اتسعت عينا دانغ تاي يول حين رأى المسافة تتقلص بينهما في لمح البصر دون أي فرصة للهرب.
"أيها المجنون...!"
انطلقت إبرة كبيرة من أطراف أصابع دانغ تاي يول على عجل، في اللحظة ذاتها التي رفع فيها بانغ سوول سيفه العظيم عالياً وقبيل أن تهوي الضربة التي تشبه الصاعقة..
صرخ إي هيون بصوتٍ مخنوق وكأنه يلفظ دمه
"سوول-آه!!!"
في تلك اللحظة..
توقف السيف الذي كان يشق الهواء بلا رحمة فجأة أمام وجه إي هيون، وكأنها معجزة
"......."
"......."
وبينما تجمد إي هيون ودانغ تاي يول في مكانهما عاجزين عن التقاط أنفاسهما، ترنح جسد بانغ سوول بقوة وبدلاً من السقوط، غرس قدمه في الأرض كالأوتاد مستخدماً ثقل جسده، ثم أرجح سيفه العظيم.
كوا-غوا-غوا-غوانغ—!
اجتاحت ريح السيف الملتفة بالصواعق البيضاء المتفجرة وحشين من الـتشو إن ظهرا فجأة من الجانب المقابل.
"تـ.. تباً...!"
كاد بانغ سوول أن يسقط لولا أنه استند إلى سيفه، وبدأ يلهث بجهد بينما تصبب عرقاً بارداً وهو يعقد حاجبيه ألماً ثم انتزع بعنف تلك الإبرة الكبيرة التي كانت منغرسة بعمق في خاصرته.
رمى الإبرة السوداء الملطخة بالدماء على الأرض، وتمتم بصوتٍ سوداوي
"السيد الشاب الثاني لعائلة دانغ... يبدو أن السم الذي وضعته على هذه الإبرة مشحون بالكثير من المشاعر الشخصية."
"وهل تظنني سأطلقه دون مشاعر في موقف كهذا؟!"
وبينما كان دانغ تاي يول يصرخ وهو يصك على أسنانه، بدأت الأحراش المحيطة بهم تهتز بعنف، حيث تقاطرت أعداد إضافية من وحوش الـتشو إن، وكأنها انجذبت إلى رائحة الدماء الكثيفة والضجيج.
التقط بانغ سوول أنفاسه بصعوبة وهو يترنح قليلاً، ثم دفع ظهر إي هيون بقوة صائحاً
"اذهب أنت بسرعة."
"وماذا عنك؟!"
"سأنسحب في الوقت المناسب بطريقتي، لذا لا تشغل بالك بي!"
"وهل أنت في وضع يسمح لك بالقلق عليه الآن؟!"
رد دانغ تاي يول بحدة وهو يستشيط غضباً.
وبالنظر إلى الطريقة التي كان يسحب بها أسلحته المخفية من كُمّيه، بدا أن تاي يول أيضاً ينوي البقاء في هذا المكان؛ إذ كان لابد لشخص ما أن يعيق تقدم تلك الوحوش ويكسبهم بعض الوقت.
كان إي هيون يتمنى من كل قلبه البقاء معهما، لكنه أدرك أن بقاءه لن يكون سوى عبءٍ يعيق حركتهما لذا صك على أسنانه واستدار منطلقاً.
"انضما إلينا بسلام، كلاكُما!"
وفي اللحظة التي فعل فيها إي هيون مهارة ملاحقة البرق ودفع الأرض بقدميه منطلقاً، بدأت سلسلة من الانفجارات المدوية تنفجر بجنون خلف ظهره، وكأنها تلتهم الغابة بأكملها.