229
ارتبك دانغ هوي قليلاً حين ناداه اي هيون بوجهٍ كاد ينفجر باكياً.
'أهو مرعوب إلى هذا الحد؟ أم أنه أصيب في مكان ما؟'
بمجرد أن أدرك اختفاء مو يونغ غون، أطلق دانغ هوي العنان لمهاراته في التتبع وطار في أثره مباشرة.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن الركض العشوائي يختلف تماماً عن مطاردة خصمٍ مع تتبع أثره خطوة بخطوة، فلا مبالغة إن قلنا إن دانغ هوي قد بذل أقصى درجات تركيزه في حياته؛ والدليل أنه لحق بـمو يونغ غون فعلياً دون أي فارق زمني يُذكر.
تفحصت عينا دانغ هوي جسد إي هيون بسرعة من رأسه حتى أخمص قدميه.
'...... يبدو أنه لم يصب بأذى بليغ على الأقل.'
وإن بدا مظهره رثاً وقذراً بعض الشيء جراء تدحرجه على الأرض.
بعد أن تأكد من إحكام السيطرة على نقاط الشلل ونقاط النطق لدى مو يونغ غون ، خلع دانغ هوي الثوب الأخضر عن إي هيون بغير اكتراث، وأخذ يديره يمينًا ويسرة ليفحص حالته بجدية.
بدا اي هيون مرتبكاً في البداية، لكنه استسلم بهدوء حين أدرك غاية أخيه.
وفجأة، حين ضغط دانغ هوي على منطقة الصدر، قطب إي هيون حاجبيه متألماً.
"يبدو أنك تتألم."
"قليلاً."
"اعذرني للحظة."
أزاح دانغ هوي ثياب إي هيون العلوية إلى الجانبين، فبان صدره محتقناً باللون الأحمر.
بدأ دانغ هوي يتلمس تلك المنطقة بأطراف أصابعه برفق؛ نزولاً على طول عظمة القص، ثم انتقل إلى الأضلاع واحداً تلو الآخر.
وعند نقطة ما في الجانب الأيسر، شهق إي هيون بجزع وجفل جسده.
"هنا إذاً."
"......"
"استنشق الهواء ببطء.. بعمق."
امتثل إي هيون للأمر واستنشق ملء رئتيه، فرفع دانغ هوي يده
"لم يُكسر الضلع، ربما هناك شرخ بسيط لكن لا يمكنني الجزم بذلك من الأفضل أن يعاينك الأخ الثاني."
"شكراً لك يا أخي الأكبر."
حين قال إي هيون ذلك بابتسامة مرتبكة، ارتدت على وجه دانغ هوي ملامح غريبة.
فحتى قبل الانطلاق إلى جمعية التنين الإلهي، لم يكن يتخيل أبداً أن يدور بينه وبين أخيه الثالث حديث كهذا؛ فقد كان الثالث بالنسبة له شخصاً يكاد لا يُرى.
عاش إي هيون ووالدته في ملحق منفصل حتى قبل أن يتولى والده منصب سيد العائلة وبما أن قلعة عائلة دانغ شاسعة كمدينة، وكان ملحقهما في مكان منزوٍ، لم يكن هناك سبب لزيارتهما وزاد الأمر غياباً أن والدته وهو لم يظهرا في المناسبات الرسمية، لدرجة أن المرات التي التقى فيها دانغ هوي بهذا الصبي تُعد على أصابع اليد الواحدة.
بصراحة، كان الوعي بكونهما عائلة باهتاً في ذهن دانغ هوي؛ فليس بينهما صلة دم مباشرة، وعدم اللقاء جعله أمراً طبيعياً.
كما أن جدول دانغ هوي كان محتشداً منذ صغره، ولم يترك له مجالاً للتفكير في أخيه الثالث؛ فمنذ أن تولى والده دانغ تشيونهوا السيادة فجأة دون أي قاعدة دعم، تعرض التوأمان دانغ هوي ودانغ تاي يول لضغوط ومنافسات شرسة.
التوأمان اللذان تبناهما دانغ تشيونهوا شفقةً على أخته المتوفاة..
حين كان دانغ تشيونهوا مجرد سيد شاب بعيد عن منصب السيادة، لم يهتم أحد بهذا التبني.
لكن بمجرد أن صار له حق الوراثة، تغيرت نظرات الناس تماماً؛ فموقع السيد والابنين بالتبني كان هشاً للغاية حتى إن والدة التوأمين، رغم انتسابها لعائلة دانغ، لم تكن قد أدخلت زوجها كصهره للعائلة، بل أصبحت تماماً فرداً من عائلة أخرى قبل وفاتها.
كان لا بد أن يظهر من يطعن في شرعيتهما.
يظن الكثيرون أن عائلات المحاربين تختار خلفاءها بناءً على القوة فحسب، لكن عائلة بمثل سلطة ونفوذ سيتشوان دانغ لا تدار بهذا التبسيط؛ فلا بد من صراع مرير على السلطة القادمة.
في طفولته..
أراد دانغ هوي أن يكون سنداً لوالده الذي لم يملك تابعاً واحداً يثق به اعتقد أنه بإثبات جدارته والاعتراف به كالابن الأكبر، سيحمل العبء عن والده ويحمي أخاه الثاني.
'...... هكذا كان الأمر إذاً.'
شعر وكأنها ذكريات من زمن سحيق.
'بل هي قديمة حقاً.'
وقعت أحداث كثيرة منذ ذلك الحين، لدرجة أنه نسي تماماً أنه كان يفكر بتلك الطريقة.
"أخي؟ ما الخطب؟"
ناداه إي هيون بصوت حائر بعد أن رآه شارداً.
أفاق دانغ هوي من ذكرياته، ونفض الثوب الأخضر الخاص بإي هيون بقوة قبل أن يعيده إليه.
"لا شيء لكن، هل لي أن أسألك سؤالاً؟"
"نعم؟ ما هو؟"
"ما هذا القناع الذي تضعه على وجهك؟"
"......"
حينها فقط تذكر إي هيون أنه لا يزال يرتدي القناع الذي أعطاه إياه مانغ ريانغ لعدم وجود فرصة لنزعه وبينما كان يهم بخلعه بشعور من الحرج..
هوووووووووووونغ—!
فجأة، تناهى إلى مسامعهما صوتٌ عذبٌ وخافت، فالتفت كلاهما بتلقائية نحو مصدره وهناك، خلف الأدغال، كانت تطفو كرةٌ متوهجة ينبعث منها ضياءٌ باهت.
لقد كانت النواة الحقيقية
وفي اللحظة التي خطا فيها دانغ هوي خطوةً إلى الأمام..
تشبث!
أمسك إي هيون بطرف ثوب أخيه الأخضر نظر دانغ هوي إليه بتعجب بعد أن أوقفه
"ما الخطب؟"
"انتظر لحظة لو طاردتها الآن بهذا الشكل، فمن المرجح أنها ستفرّ منك كما فعلت سابقاً."
"......"
كان محقاً تماماً؛ فقد تأكد بنفسه أن مهاراته في خفة الحركة لا تكفي لمجاراتها.
"وماذا تنوي فعله إذاً؟"
"أمهلني قليلاً لأفكر."
"حسناً."
وقف الاثنان يراقبان النواة الحقيقية المعلقة في الهواء بصمت تام، وفجأة هبط طائر صغير وجلس فوقها والغريب أن النواة لم تهرب أو تتفاعل، بل ظلت ساكنة تماماً حتى بينما كان الطائر ينظف ريشه فوق سطحها المتوهج.
"......"
راقب إي هيون المشهد وهو يعقد ذراعيه، ثم قال بصوت منخفض
"بما أنها فرصة لا تعوض، فلنجرِ تجربة بسيطة."
"تجربة؟"
همس إي هيون وهو يتوارى خلف إحدى الأشجار، مصوباً نظره نحو النواة
"انظر هناك في البداية، ظننت أنها تتفاعل مع أي شيء يتحرك بقربها، لكنها لم تهرب رغم أن الطائر حط فوقها."
"وماذا بعد؟"
"ألا يعني هذا أنها قد تتفاعل مع البشر فقط ؟"
"قد يكون هذا صحيحاً، ولكن ما الفائدة؟ لسنا طيوراً ولا وحوشاً لنتمكن من خداعها!"
"حين ظهرت النواة في المرة الأولى، لم تفرّ على الفور، رغم أنها ابتعدت قليلاً."
"صحيح."
فكر دانغ هوي قليلاً، ثم قال مباغتاً..
"إذا فكرتُ في الأمر، فقد كنتُ أنا والسيد الشاب مو يونغ الأقرب إلى النواة الحقيقية آنذاك، ويبدو أنها بدأت تبتعد تدريجياً بمجرد أن بدأنا القتال."
"أمن الممكن أنها تتفاعل مع الزخم أو الهالة الناتجة عن استخدام البشر لالطاقة الداخلية ؟"
"...... هذا افتراض منطقي، ولكن إذا حاولنا اختبار ذلك الآن، فأخشى أن تفرّ منا على الفور."
"......"
ظل إي هيون يحدق في النواة الطافية في الهواء
"سأذهب أنا."
"أنت؟ إذا كانت تتفاعل مع استخدام الطاقة، فمن الأفضل أن أحاول أنا الاقتراب منها متسللاً."
"هناك أمر أودّ التأكد منه."
أومأ دانغ هوي برأسه بعد تفكير قصير
"حسناً، لك ذلك."
نهض إي هيون ببطء شديد وهو لا يزال يرتدي القناع، حريصاً على ألا يصدر حتى صوت احتكاك بسيط بالأعشاب.
وعندما خطا عدة خطوات للأمام، ارتسمت علامات الدهشة على وجه دانغ هوي؛ فرغم أن إي هيون اقترب منها لمسافة كافية، إلا أن النواة الحقيقية لم تهرب أبداً.
'نجحت الخطة......!'
تأثير القناع الذي يخفي الحضور لم ينطلِ على وحوش المان سانغ، ولكنه أثبت فاعليته مع النواة الحقيقية.
لقد اختبر الأمر ظناً منه أن ذاك المدعو مانغ ريانغ لم يعطه هذا القناع عبثاً، ويبدو أنه وجد له فائدة أخيراً.
رفع إي هيون يده التي تمسك بالخنجر بملامح متوترة، وبينما كان يهم بالقفز بقوة عن الأرض ليحطم النواة..
فـلاش!
فجأة، انبعث ضياء باهر من النواة، وانطلقت مبتعدة كالسهام في لمح البصر ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
"كررررررررر......"
بدأت أصوات زمجرة وحوش تشو ان تتردد في الأرجاء؛ يبدو أن النواة قد استدرجت الوحوش القريبة إلى هذا المكان.
"إلى هنا!"
صرخ دانغ هوي محذراً، وبينما كان إي هيون يهم بالالتفات، انقض عليه ظل ضخم من وسط الأدغال.
با-با-بات!
"كيااااااااااااك!"
أطلقت وحوش تشو إن صرخة تمزق الآذان حين أصابت الأسلحة السرية أعينها وفي تلك الأثناء، اندفع دانغ هوي بسرعة، وأمسك بمعصم إي هيون وسحبه بقوة إلى الخلف ليحميه.
في تلك اللحظة، كانت مخالب الوحش الذي فقد بصره تشق الهواء بوحشية.
انحنى دانغ هوي بجسده ليتفادى المسار القاتل للمخالب، ثم اخترق دفاعات الوحش بلمحة بصر.
استل خنجره من حزامه وغرسه في نقطة مقتلة؛ تحت الفك مباشرة، حيث الجلد الرقيق الذي يفتقر للقشور السميكة.
طـق!
"كرررر......"
تصلب جسد الوحش الضخم فجأة دون أن يتمكن حتى من إطلاق صرخة الموت أدار دانغ هوي مقبض الخنجر بقوة ليتأكد من قطع أنفاسه، ثم تراجع إلى الوراء بخفة.
كونغ!
سقطت الجثة الهامدة على الأرض، فأخذ دانغ هوي يلهث بصعوبة وهو ينتزع أسلحته السرية المنغرسة في جسد الوحش وبطبيعة الحال، كانت النواة الحقيقية قد اختفت من أنظارهما منذ زمن، لكن المهمة لم تخلُ من مكاسب.
"لماذا لم تهرب النواة الحقيقية منك؟"
سأل دانغ هوي وهو يمسح سلاحه بفراء الوحش، فخلع إي هيون قناعه
"أعتقد أن الفضل يعود لهذا القناع."
"وما شأن هذا القناع؟"
"لا أعرف السر وراءه، لكنني وجدتُه أمامي فور استيقاظي مع خريطة لـجزيرة الأرواح الشريرة يعمل هذا القناع كدرعٍ يخفي أثري عن النواة الحقيقية ويرجح السيد الشاب جيغال أن تعويذة إنقاذٍ طارئة قد تفعّلت بجانبي مصادفةً، نتيجة الخلل الذي أصاب عالم المان سانغ "
'بالطبع، هذه كذبة.'
فقد استعار إي هيون الفرضية التي وضعها جيغال روك من تلقاء نفسه عندما أخبره سابقاً بظهور هذا الشيء فجأة، وقرر استخدامها الآن.
ففي الوقت الحالي، لا يملك خياراً آخر، إذ لا يمكنه القول ببساطة لقد أعطاني إياه مانغ ريانغ
"لكن يبدو أن القناع لا يستطيع حجب نية القتل أو بوادر الهجوم؛ فبمجرد أن هممتُ بطعنها بالخنجر، أبدت النواة رد فعل فورياً وفرّت."
"يبدو الأمر كذلك."
أومأ دانغ هوي متفهماً، ثم التفت نحو مو يونغ غون الذي كان مشلول الحركة وممنوعاً من الكلام.
"أولاً، يجب أن أقدم علاجاً مؤقتاً للسيد الشاب مو يونغ، حتى نضمن عدم هيجانه مجدداً."
"هل هذا ممكن في ظل غياب أخي تاي يول؟"
"بما أننا قمنا بإذابة الطاقة العكرة (الطاقة الخبيثة) ليلة أمس، فلن تنسد عروقه مجدداً بهذه السرعة على الأرجح هو يعاني من نوبة تشنج بسبب التحفيز القوي والهلوسة التي أظهرها ذلك الوحش."
"تقصد أن......"
باك!
طـلع!
"......"
حدق إي هيون في دانغ هوي بذهول وذهول تام.
"سيهدأ هيجانه قليلاً بعد أن ينال قسطاً من النوم."
"...... عذراً يا أخي، بما أنك لم تكن تنوي استخدام الإبر الطبية، ألم يكن كافياً الضغط على نقاط النوم لديه؟ لماذا ضربته وأفقدته وعيه بهذا الشكل؟"
"...... همم، لقد نسيت."
"......"
'مستحيل أن يكون قد نسي.'
يبدو أن دانغ هوي عانى الأمرين في التعامل مع مو يونغ غون لدرجة أنه أراد تفريغ بعض إحباطه.
لم يجد إي هيون، الذي ترك نجم القتل السماوي عهدةً في يد أخيه وحده، مفراً من الشعور ببعض الخجل والذنب.